الأحداث

مدى قابلية التراث لإيواء الاحتفالات الظرفية

cou_04_18_conti_web.jpg

سهرة مع موسيقى الجاز في فيلا أوكمبو سنة 2016.

أصبح من الممكن اليوم استئجار العديد من المواقع الأثرية المرموقة المُسجّلة على قائمة التراث العالمي من طرف خواصّ أثرياء لإقامة الأعراس أو الحفلات الخاصّة. أليس في ذلك تشويه لتلك المواقع ذات القيمة الثقافية العالية؟ كلّا، حسب ألفريدو كونتي. يعتبر هذا المهندس المعماري الأرجنتيني المُختص في المحافظة على التراث أن في ذلك وسيلة لجلب جمهور جديد إلى الممارسة الثقافية. 

 

ألفريدو كونتي يُجيب عن أسئلة فريديريك فاشرون

يتمّ اليوم كراء بعض المعالم المُسجّلة في التراث العالمي للمناسبات الخاصّة. هل يجوز ذلك؟

يجدر بنا التفكير في مسألة استعمال مواقع التراث التي بدأت وظيفتها الأصلية تتلاشى أو تتغيّر مع مرور الزمن. ونلاحظ، مثلا، أن محطات سكك الحديد تحوّلت إلى متاحف، وأديرة رهبان أو بيوت ذات التاريخ العريق إلى فنادق.

إن المباني التراثية مفعمة بالقيم التاريخية والثقافية المستمدة من ميزاتها المادّية مثل تصميم المبنى أو شكله أو العناصر المُستعملة في تشييده، أو اللامادّية مثل استعمالاتها المختلفة عبر الزمن والتقاليد المُرتبطة بها. ويتمثل المبدأ الأساسي في تحديد الاستعمال الحالي لهذه المباني في ملاءمة وظائفها الجديدة مع المحافظة على ميزاتها وقيمتها.

في الماضي، كان التراث مقدسا، وخاصة المواقع المعبرة أكثر على البعد التاريخي أو الفنّي، فكان يستوجب أن تبقى ثابتة في زمن معيّن من تاريخها. وكان الاستعمال الوحيد الممكن يقتصر على تحويلها إلى متحف.

إلا أنه لا يمكن تحويل جميع هذه المباني إلى متاحف، خاصّة وأن صيانة التراث باهظة الثمن. وتبقى التمويلات الضرورية للمحافظة والصيانة والترميم، في أغلب الأحيان، متأتية من خزينة الدولة. أما ثمن الدخول وبيع السلع التذكارية والكتب أو خدمة المقهى، فيمكن أن تُمثّل مصدرا للتمويل، لكنها عموما غير كافية. وكثيرا ما تكون ميزانية الهيئات الحكومية محدودة. و من هنا، برز هذا التوجّه الجديد في جميع أنحاء العالم، نحو فتح المواقع والمعالم للمناسبات الخاصّة، مع الحرص على فرض قيود تتعلق بنوعية الاستخدام، والمجالات المسموح بها، وعدد المدعوّين، وأوقات الحضور. والأمثلة على ذلك عديدة عبر العالم. في قصر كاسيرتا، شمال نابولي (إيطاليا)، وهو معلم مُسجّل على قائمة التراث العالمي، تقام حفلات الأعراس، كما في قصر شونبرون وهو أيضا معلم ترعاه اليونسكو، وفي البلفدير بفيينا (النمسا) وفي متحف رودان أو بيت فيكتور هوغو بباريس (فرنسا). وحتى قصر فرساي، ذلك المعلم الفرنسي الرمزي للتراث العالمي، يُمكن استئجاره في مناسبات معينة.

في أمريكا، هناك حي مانزانا كولتورال الواقع وسط المنطقة التاريخية لمدينة بوغوتا (كولومبيا) حيث تم إنشاء العديد من المتاحف الهامّة في المباني التي تعود لعهد الاستعمار، ويتاح  كِراؤها بعد غلقها للزوار. كما يمكن حجز «ماونت فيرنون»، مسكن جورج واشنطن الواقع قرب واشنطن العاصمة (الولايات المتحدة)، بكل سهولة عبر الانترنت لإقامة سهرة، رغم أهميته البالغة في تاريخ البلاد.

هل لكراء هذه المساحات فوائد أخرى  غير جمع الأموال؟

لهذا النشاط  أيضا منافع على المستوى الثقافي، عندما تجلب تلك المناسبات جمهورا غير مُتعوّد على زيارة هذه المواقع، وتوفر له فرصة اكتشافها، وربما تحثّه على العودة إليها لاكتشافها عن كثب.

هناك  العديد من الوثائق الدولية التي تنص على أن التراث لا بد أن يخدم المصلحة العامة. وتُؤكّد وثيقة معايير كيتو التي تمّت صياغتها سنة 1967 من قبل المجلس الدولي للمعالم والمواقع (إيكوموس)، على القيمة الاقتصادية للتراث، كما تقترح اعتبار المعالم التاريخية وجهة سياحية حتى تساهم في التنمية الاقتصادية للبلاد، شأنها شأن الموارد الطبيعية. وهذه الوثيقة الهامّة المتعلقة بالتراث المعماري في أمريكا اللاتينية هي الأولى من نوعها. وهذا يعني أننا نعلم منذ ما يزيد عن خمسين سنة، أن التراث يمثل لا فحسب ثروة ثقافية وإنما أيضا  موردا اقتصاديا وأنه يدرّ مداخيل يُفترض أن تُساهم في المحافظة عليه.

يسمح مرصد اليونسكو فيلا أوكمبو بكراء جزء من مُعدّاته. ما رأيك في طريقتنا في تسيير هذا النشاط؟

تتوفّر لدى فيلا أوكمبو اتفاقية ناجعة جدا تضبط استعمال المكان: يُوجد تقسيم يحدد المناطق التي يُمكن استعمالها والشروط التي يجب أن تتوفّر للسماح بذلك. علاوة عن أن الدخول إلى القاعات الأثرية غير مُرخّص في المناسبات الخاصة.

لم تكن الكاتبة الأرجنتينية فيكتوريا أوكمبو تعتبر منزلها متحفا وإنما مكانا يتّقد حيويّة،  تستقبل فيه الناس وتُقيم فيه اللقاءات والحفلات. واليوم، يمكن اعتبار كراء المحلّ مواصلة لتاريخه الأصلي، نوعا ما.

 

اقرأ أيضا المؤطر: فيلا أوكمبو أو اليونسكو في الأرجنتين

الصورة: فيلا أوكمبو

 

ألفريدو كونتي

مهندس معماري وخبير في التراث الثقافي، شغل ألفريدو كونتي (الأرجنتين) منصب نائب رئيس المجلس الدولي للمعالم والمواقع (إيكوموس) من 2010 إلى 2017. وهو المدير الأكاديمي للدراسة الدولية (مرحلة ثالثة) «التراث والسياحة المستدامة»، التابعة لكرسي اليونسكو للسياحة الثقافية في بيونس آيرس، وباحث في لجنة التقصّي العلمي بإقليم بيونس آيرس، كما يُدير معهد  البحوث السياحية بالجامعة الوطنية في لابلاتا.