زاوية كبرى

حقوق الإنسان والآفاق الثقافية

cou_04_18_veer_web_01.jpg

معلّقة من تصميم الفنانة سارا هارتويغ (ألمانيا)، عرضت في مسابقة واحد من أجل الجميع والجميع من أجل واحد!، التي نظّمتها سنة 2018 جمعية فور تومورو، بمناسبة الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الجدل القائم حاليا حول البعد الكوني للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يدعونا إلى استحضار المساعي التي قامت بها اليونسكو منذ 1947 لتوسيع نطاق التفكير حتى يشمل آفاقا ثقافية مختلفة.

 

بقلم ليونال فير وأنماري ديزنتيا

يحظى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في يومنا هذا، بتأييد معظم الدول وأصبح جزءا لا يتجزّأ من القانون الدولي. إلا أن الساحة الدولية تغيّرت منذ إقراره سنة 1948. فقد تغيرت عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصبحت أكثر تنوّعا، إضافة إلى أن الدول لم تعد العناصر الفاعلة الوحيدة في الساحة السياسية، إذ يتحتّم عليها الآن التعامل مع فاعلين على مستوى فوق وطني، أو يتعدى حدود الأوطان أو محلي، الذين يُولدون معايير جديدة، ويُعيدون صياغة القواعد الأساسية المسلم بها أو يعترضون عليها.

من ناحية أخرى، فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان ليس النظام المعياري الوحيد. إذ تُوجد خيارات أخرى لا تتّسم بالصبغة القانونية، مثل القواعد التي ترتكز على التقاليد، أو الأديان، أو العادات الاجتماعية والثقافية، والتي يتم الاستناد إليها لإثبات الحقوق الأساسية للبشر.

في العديد من المجتمعات الإفريقية وبعض البلدان الآسيوية، يُنظر إلى حقوق الكائنات البشرية وإلى واجباتها من حيث العلاقة بالمجموعة  وليس بالفرد. وبينما تُؤكّد الليبرالية على حقوق الفرد غير القابلة للانتهاك، تُعير الكونفوشيوسية في الصين، مثلا، اهتماما أكبر للواجبات إزاء المجموعة.  وفي أفريقيا، مثلت فلسفة أوبونتو، التي ترتكز على مفهومي الإنسانية والإخاء، مصدر إلهام للجنة الحقيقة والمصالحة في أفريقيا الجنوبية. ومن الأمثلة الشهيرة لاستخدام آليات تقليدية، مشاركة محاكم غاكاكا في عملية المصالحة الوطنية بعد الإبادة الجماعية في رواندا سنة 1994. وغيرها من الأمثلة عديد في هذا المجال.

خيارات بديلة

يُعتبر ميثاق ماندن من أقدم الدساتير في العالم، رغم أنه شفاهي وينقل من جيل إلى آخر. هذا الميثاق الذي أعلنت عنه في بداية القرن الثالث عشر الإمبراطورية الماندينغية، التي كانت تمتد في العصر الوسيط على مساحة كبيرة من أفريقيا الغربية، يتألف من «ديباجة» ومن سبعة «فصول» تدعو إلى السلم الاجتماعية مع احترام التنوّع، وحرمة الذات البشرية، والتعليم، وسلامة الوطن، والأمن الغذائي، وإلغاء العبودية بالغزو، وحرية التعبير والمبادرة. هذه المبادئ التي ترسم حقوق وواجبات أعضاء المجتمع الماندينغي ما زالت نافذة المفعول وتحظى بدعم السلطات المحلية والوطنية في مالي.

وإن تم تسجيل ميثاق ماندن من طرف اليونسكو في قائمة التراث الثقافي اللامادي للإنسانية سنة 2009، فلأنه يمثّل نموذجا واضح الدلالة لتنظيم اجتماعي وقانوني تقليدي، وكان يتحتم ألّا نتركه يدخل طيّ النسيان.

في الطرف الآخر من القارة الأفريقية، في سوازيلند بالذات، هناك نظام مجتمعي  يستحق اهتمامنا. في هذا البلد، كما هو الشأن في عديد البلدان الأخرى، ليس للمرأة التي تتعرض للعنف العائلي من خيار للدفاع عن نفسها سوى تسجيل الحادث لدى الشرطة. لكن هذا التمشي غير مجدي، ذلك أن قبوع رب العائلة في السجن يؤدي في آخر المطاف إلى حرمان كل العائلة من موارد العيش. لذلك، قامت النساء بتطوير استراتيجية بديلة. حسب التقاليد، وبمناسبة إقامة حفلات أو لقاءات رسمية، من المعتاد أن تُغنّي النساء معا، ويُفترض أن يبقى الحضور ملتزما الصمت والانصات، طيلة الإنشاد الذي قد يتواصل ساعات. فقررت النساء إدراج بعض الأغاني للتنديد بالعنف العائلي. وقد اتّضح أن هذه الطريقة التي تضع الأزواج في مجابهة عمومية مع ضحاياهم، أنجع بكثير من اللجوء إلى العدالة الرسمية. هذا ما بينه بحث أنجزه مركز التفاعل الثقافي حول حقوق الإنسان، الذي أنشأه في بيجين (الصين) سنة 2014 جامعيّون صينيون وأفارقة وأوروبيون.

وتم التعرف على مثال آخر في الهند، يبرهن على مدى جدوى الآليّات غير الحكومية   ومشروعيتها الاجتماعية، حيث تمّ تركيز محاكم نسائية في المناطق الريفية تُسمّى ناري أدالات. وترأس هذه المحاكم نساء لا تعلمن من القانون الجنائي الهندي إلا القليل، لكنهن تتوصّلن إلى حل القضايا بآلية الوساطة. وفي ذلك بديل جيّد عن الإجراءات الطويلة والمُكلفة  للمحاكم الرسمية، وهو رغم بعض نقائصه، يحظى بمساندة محلّية وبتمويل من الحكومة الهندية.

المبادرات المُتأتية من المجموعات الثقافية ذاتها من شأنها أن تدوم أكثر وأن تكون أكثر نجاعة مقارنة بالتغيّرات مفروضة عليها من أطراف خارجية، الأجانب أو من قبل الدولة. وتستحق  هذه النظم الحمائية المنبثقة عن المجموعات أن تُؤخذ في الاعتبار.

طرق تفكير مختلفة

قبل سبعين سنة، لم تكن اليونسكو على موقف مخالف، إذ أكدت على أن «نجاح إعلان [عالمي لحقوق الإنسان] يتطلّب لا فقط وجود سلطة قادرة على حماية الحقوق وعلى تطبيقها، وإنما يتطلّب أيضا أن يكون جميع الناس قادرين على استيعاب هذا الإعلان، وهو أمر ضروري لاعتماده وتطبيقه».

هذا مقتطف من التقرير الذي قدمته يوم 31 يوليو 1947 تحت عنوان أسس إعلان عالمي لحقوق الإنسان [ص.1]، لجنة الخبراء التي جمعتها اليونسكو بهدف المشاركة في عملية صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد أجرت المنظمة لذلك الغرض، تحقيقا دوليا حول المبادئ الفلسفية لحقوق الإنسان [موضوع الملف الرئيسي لهذا العدد من الرسالة]، قصد إثراء النقاش بعناصر رئيسية مستقاة من مختلف التقاليد ومختلف الرؤى للعالم.

كما تُؤكّد هذه الوثيقة  قناعة المنظمة بأنه «بقدر ما نتعمق في معالجة موضوع حقوق الإنسان التي نحن مطالبين بها حاليا، بقدر ما تتضاعف آمالنا» [ص.4]. وتُحذّر الوثيقة كذلك من تداعيات التأويلات المختلفة المتصلة بتنوّع الثقافات التي قد تؤول إلى عرقلة الاتفاقية وتعطيل تطبيق الحقوق المنصوص عليها في الإعلان.

وفي نفس السياق، حسب وثيقة سابقة - مذكرة حول حقوق الإنسان مؤرخة في 27 مارس 1947 [ص.6] - كانت اليونسكو ترى أنه لا يُمكن «تجاهل النظريات الأخرى لحقوق الإنسان التي برزت في أنحاء أخرى من العالم، أو التي هي في طور البروز أو التي ستبرز مستقبلا».

وبعد ذكر الفاشية كأتَم مثال لنِظام سياسي لا يمكن مساندته نظريا، وكنظام فاقد لأية مصداقية ومنهزم على أرض الواقع، ترى المذكرة بأن « صيغة جديدة تماما لحقوق الإنسان هي الوحيدة القادرة على تجسيم  رؤية رجل مثل المهاتما غاندي أو تلك التي يتبناها العديد من المفكرين الهنود المؤمنين بأهمّية الجانب الاجتماعي وقيمة التأملات والتجارب الروحية بالنسبة للشخص».

وتختم المذكرة بالقول: «كل شيء يدعونا إلى أن نكون على يقين بأن أشكال الفكر التي تتبلور الآن لدى شعوب الجنس الأسود أو الأسمر أو الأصفر، سوف تُؤدّي إلى تعابير أكثر تنوعا».

رغم هذا المجهود الذي قامت به اليونسكو لتوسيع الآفاق الثقافية عند إعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن التقاليد والفلسفات الآسيوية والأفريقية لم يُؤخذ بها. ورغم أن موضوع اختلاف الثقافات كان مُدرجا في جدول الأعمال، فإن المنظور الأوروبي لحقوق الإنسان هو الذي طغى في آخر المطاف. ويستند إلى الفلسفة السياسية الليبيرالية ويركّز على الحقوق الطبيعية للفرد أكثر بكثير من المجتمع أو الثقافة. إضافة إلى ذلك، فإن إجراءات المطالبة بهذه الحقوق وتطبيقها مُتجذرة في الثقافة القانونية الغربية التي تلعب فيها الدول والمُشرّعون الأدوار الرئيسية.

خلال السبعين سنة الأخيرة، سجّل كل من التنوّع الثقافي، وتأثير الفاعلين المستقلين عن الدولة، وتعدد الأشكال القانونية، تطورا ملحوظا. ولا بدّ من أخذ هذا التطوّر مأخذ الجد حتى يتم نقل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى المجموعات المحلّية، وحتى يصبح فعليا في الظروف والثقافة الخاصة بها.

إن الجدل القائم حاليا حول الغياب شبه التام للأفكار غير الغربية في المعايير المُتصلة بحقوق الإنسان، والذي يعبر عن انزعاج جزء من سكان العالم، يبين أن هذا الملف الذي فتحته اليونسكو سنة 1947 قد أُغلق قبل أوانه ويستحق أن يُفتح اليوم من جديد.

 

بخصوص تحقيق اليونسكو حول المبادئ الفلسفية لحقوق الإنسان، أنظر أيضا مقال جاك هافاي، المنشور في رسالة اليونسكو عدد أغسطس 1948، رأي النخبة المعاصرة في حقوق الإنسان.

حول مسألة المصالحة بين كونية حقوق الإنسان وتعدد الثقافات، أنظر مقال ميراي دلماس-مارتي، المنشور في الرسالة عدد ابريل-يونيو 2018، نحو «كرولة» مفهوم الإنسانية.

حول فلسفة أوبونتو، أنظر مقال مخائيل أنييبوشي أيزي، المنشور في عدد أكتوبر-ديسمبر 2011، أنتم موجودون، إذن أنا موجود، ومقال بشير ديان، المنشور في عدد أبريل-يونيو 2018، نحن خدم كوكب الأرض ومستأجروه.

 

 

أنماري ديزنتيا

اختصاصية في حقوق الإنسان والسياسة الدولية، أنماري ديزنتيا موظفة حاليا لدى وزارة الداخلية والعلاقات بالمملكة الهولندية.

 

 

 ليونال فير

دبلوماسيي  هولندي، شغل  ليونال فير منصب سفير لحقوق الإنسان من 2010 إلى 2014 وسفير مندوب دائم للمملكة الهولندية لدى اليونسكو من سبتمبر 2014 لغاية سبتمبر 2018.