الأحداث

مدينة الموصل، أم الربيعين

cou_04_18_mossoul_web.jpg

بحثا في ركام الكتب التي أنقذت من النيران، بعد الحريق الذي أضرمته داعش في المكتبة المركزية لجامعة الموصل بالعراق خلال فترة احتلالها للمدينة (2014-2016).

كاتبة عراقية تروي ما كانت عليه الحياة في الموصل، وهي مدينة تكن لها محبة خاصة، بكل المواصفات التي تميّزها من تزمت وتسامح وتناقض. الموصل، تلك المدينة الجريحة التي لا تكف عن النزيف. مدينة نينيف العتيقة التي أدماها التاريخ.

 

بقلم إنعام كجه جي

هناك نكتة عربية عن محكوم بالإعدام، سألوه عن آخر أمنية له قبل وضع حبل المشنقة في رقبته، فأجاب: أريد أن أتعلم اللغة اليابانية.

هناك نكتة عربية عن محكوم بالإعدام، سألوه عن آخر أمنية له قبل وضع حبل المشنقة في رقبته، فأجاب: أريد أن أتعلم اللغة اليابانية.

تذكرت هذه النكتة حين زرت الولايات المتحدة، قبل سنوات، ودعيت لإجراء مقابلة مع إذاعة محلية للجالية العراقية الكبيرة في مدينة ديترويت. كانت الإذاعة تبث باللغة الكلدانية وفوجئت لما طلب مني أن أتحدث في تلك اللغة. قلت لهم إن أبي وأمي من الموصل، ويتكلمان العربية في البيت، لأنهما من المدينة وليسا من القرى المسيحية المحيطة بالمدينة والتي ما زال أهلها يتكلمون الكلدانية، وهي نمط حديث من الآرامية، لغة المسيح. 

نشأت في بغداد ودرست فيها وأصبحت صحافية أكتب باللغة العربية ولا آعرف من الكلدانية سوى بعض الجمل والأغاني التي تلقى في المناسبات والتهنئة بالأعياد. أما الموصل فهي مدينة القلب، والسهول الفسيحة الخضراء التي نسافر إليها في عطلة عيد الفصح ونتمتع بعذوبة مناخها. كانت حدائقها الخضر تتوشح بشقائق النعمان الحمر القانية وأزهار البابونج الصفراء. ومنذ الطفولة، علمونا في البيت أن الموصل تلقب بأم الربيعين، لأن خريفها ربيع ثان.

علمونا أيضاً أن الموصل مدينة محافظة، يشتهر أهلها بالجد والاجتهاد ولا يقبلون الميوعة. وبخلاف الرائد الموسيقي الشهير المُلا عثمان الموصلي، في القرن التاسع عشر، وعازفي العود من أسرة بشير العواد، فإن معظم المطربين والمطربات والملحنين وكتاب الأغاني كانوا من جنوب العراق ويتكلمون بلهجة تلك الأرياف. مع هذا قد نجد على يوتيوب تسجيلات لبضعة أغنيات بلهجة أهل الموصل، لا يتجاوز عددها أصابع اليد.

هل كانت تلك الصفة الرصينة المعروفة عن المواصلة هي السبب في أن طفلاً رمى علي الحجارة لأنني كنت ألبس ثوباً قصيراً؟ كنّا في العيد وقد خاطت لي أمي فستاناً أحمر مع ياقة بيضاء من النوع الذي يسمونه في فرنسا «كول كلودين» . ولما استنجدت برجل من المارة صاح بي: «غطي ساقيك يا بُنيّة». وكان عمر البنية سبع سنوات، وكانت ترتدي فستانا فوق الركبة بسنتمترين.

تلاميذ من ديانات مختلفة

أحببت اللغة العربية وعشقتها كلغة للشعر والأدب بفضل والدي. وهناك قصة أحب أن أرويها لأنها تعكس ما كانت عليه الموصل من تسامح ورقيّ. كان أبي قد حصل على المرتبة الأولى في درس اللغة العربية بين طلاب الثانوية.

وجرت العادة أن تقدم المدرسة هدية للطالب المتفوق في العربية، تتمثل في نسخة ثمينة من القرآن الكريم. وقبل حفل التخرج وتوزيع الجوائز، خرج والدي من بوابة المدرسة فوجد المدير ينتظره جالساً في عربة يجرها حصان. كانت تلك هي واسطة التنقل الشائعة في الموصل خلال الثلاثينيات. ودعا المدير أبي للركوب الى جانبه وأخذه إلى المكتبة المركزية وقال له: «يمكنك أن تختار أي كتاب تريد، هدية لك، مهما كان سعره». وفهم التلميذ المسيحي الرسالة. ورفض العرض. عاد المدير يقول: «إفهمني يا عبد الأحد أفندي، أنت نصراني والموصل مدينة محافظة ولا يمكننا أن نهدي المصحف لطالب غير مسلم».

أصر أبي على أن يكون القرآن مكافأته ولن يقبل بغيره. ورضخ المدير الطيب بعد أن أقسم له أبي بأن الكتاب سيكون معززاً في بيتنا مثلما هو في بيت أي أسرة مسلمة. وبعد ثلاثة عقود، حصل الأمر نفسه مع شقيقتي الكبرى. كانت تدرس في كلية الآداب بجامعة بغداد ونالت أعلى علامة في درس القرآن والتفسير. وقد استدعاها رئيس القسم وطلب منها التنازل عن مرتبتها لأنه سيكون محرجاً حين يعلن عن تفوق طالبة مسيحية على زملائها المسلمين في تلك المادة. لم يمتلك الأستاذ في الستينات شجاعة مدير ثانوية الموصل في الثلاثينيات.

وكأن ضلوعي انكسرت

عاش أبناء الأديان السماوية الثلاثة الكبرى بسلام ومحبة في الموصل، مع طوائف وأعراق وأصول كثيرة جاءت من أرمينيا وتركيا والبلقان واستقرت في المدينة التي كانت تقع على طريق الحرير. وكم أشعر بالزهو حين أقول لجيراني الفرنسيين إن قماش الموسلين الناعم أخذ اسمه من مدينتي. ثم بدأت النزاعات السياسية تسمم أجواء المدينة. وكانت الحرب بين العرب واليهود بداية هجرة عشرات الآلاف من يهود الموصل. وهم لا يزالون، منذ ذلك الحين ورغم مرور الزمن،  يتحدثون بلهجتهم الموصلية التي اشتهروا بها أينما استقروا.

ثم انتقل العراق من العهد الملكي إلى الجمهوري، وتنازعت الأحزاب فيما بينها، وأخذت الموصل نصيبها من نهر الدماء بين القوميين والشيوعيين. ثم جاءت الحروب والاحتلال الأميركي ودخل البلد كله في دوامة من الفوضى. لكن كل ذلك لم يكن بفداحة ما حدث مع دخول تنظيم داعش إلى الموصل وما تبعه من تهجير المسيحيين منها.

رأى العالم كله كيف دمرت المتاحف والتماثيل الأثرية وشواهد سبعة آلاف سنة من الحضارة البشرية. ويوم رأيت تفجير منارة جامع النوري، المعروفة بالحدباء، وكان ذلك في يونيو 2017،  تفجرت الدموع من عيني. كانت تلك المنارة المائلة مثل برج بيزا هي رمز المدينة المرسوم على كل البطاقات البريدية، مثل برج إيفل وتمثال الحرية وأهرامات مصر. وتذكرت قصيدة باللغة الدارجة كتبتها إستاذتي الشاعرة لميعة عباس عمارة يوم رأت الطائرات الأميركية تقصف الجسر المعلق، أجمل جسور بغداد، قالت: "ضلعي أحسّه المنكسر موش الجسر". إنه نفس ما أحسسته يوم هدموا الحدباء، ضلعي الذي انكسر. ويقولون لي إن البشر أهم من الحجر. لكن البشر أيضًا يتبددون ويبادون. وكم يؤسفني أن ما تنبأت به في روايتي «طشّاري» التي صدرت سنة 2013 وترجمت إلى الفرنسية في 2016، من تفريغ العراق من مسيحييه، والموصل بالذات، يستمر بالتدريج، يوماً بعد يوم.

عشت ستين سنة من عمري وأنا أقدم نفسي كعراقية فقط، أرفض أن يقال مسيحية لأن ذلك يسجنني في طائفتي. وحين ترجمت كتبي إلى الفرنسية وبدأ الصحافيون يسألونني إن كنت مسلمة شيعية أو مسلمة سنية، كنت أسخر من بلادتهم وأرفض الرد على السؤال. لكنني اليوم، أجاهر بانتمائي، سواء في أحاديثي أو في كتاباتي، لا من منطلق طائفي بل لأسجل وأوثّق الفترة الزمنية المشرقة التي نشأت فيها في العراق، البلد الذي ولدت فيه ودرست وأحببت وتزوجت وولدت ابني البكر دون أن يسألني أحد عن ديني.

اليوم، بعد أن صارت باريس مسكنًا لي، أَجِد متعة كبيرة حين أجلس مع السيدة صفية. هي أديبة موصلية تجاوزت الثمانين، مهاجرة مثلي، تحكي لي عن المدهشات التي تعاقبت على مدينتنا خلال قرن كامل. كان أبوها إماماً له منزلة دينية رفيعة، دون أن يمنعها ذلك من أن تتابع الموضة الباريسية، مع صديقاتها من نساء المدينة، وتعيش حياة اجتماعية وثقافية مليئة. كانت الفتيات في كلية الطب التي تأسست أوائل الستينات، يلعبن التنس مع زملائهن وهن مرتديات الشورت الأبيض. مشهد مستحيل اليوم.

 

للمزيد من المعلومات حول مبادرة اليونسكو "إحياء روح الموصل"   

 

إنعام كجه جي

روائية وصحافية عراقية، كاتبة عمود ومراسلة من باريس لصحيفة «الشرق الأوسط» في لندن ومجلة «كل الأسرة» في الشارقة. استقرت إنعام كجه جي في باريس منذ سنة 1979، حيث حصلت على الدكتوراه من جامعة السوربون. من مؤلفاتها: "الحفيدة الأميركية" (2008)، رواية حققت انتشاراً واسعاً وترجمت إلى عدة لغات، و«طشاري» (2013) رواية ترجمت للفرنسية وحصلت في 2016 على جائزة الرواية المترجمة من العربية والممنوحة من معهد العالم العربي بباريس ومؤسسة لاغاردير، و«كلام عراقيات» (2003) باللغة الفرنسية. أخرجت 3 أفلام وثائقية منها واحد عن الدكتورة نزيهة الدليمي، أول وزيرة في العراق والعالم العربي سنة 1959.