زاوية كبرى

الإعلام مصدر للتفكير الحر

cou_04_18_maheu_web_01.jpg

نصب للفنانة الهندية شيلبا غوبتا في فضاء الفن المعاصر يارات في مدينة باكو، أذربيجان، 2018.

«إن الحق في الحصول على المعلومات شأنه شأن جميع الحقوق: يتم تحديد مدى شرعية مضمونه حسب تطابقه مع الاحتياجات الحقيقية. شريطة أن يكون المراد بالاحتياجات، بطبيعة الحال، تلك المتعلقة ببناء الإنسانية وليس بالمصالح أو الأهواء». »، هذا ما كتبه الفيلسوف الفرنسي رينيه ماهيو (1905 ـ 1975) في رده على تحقيق اليونسكو حول الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان الذي عرضه في 30 يونيو 1947، تحت عنوان «الحق في الحصول على المعلومات والحق في التعبير عن الرأي». مقتطفات.

بقلم رينيه ماهيو

إن إدراج الحق في الحصول على المعلومات في نفس سياق حرية التعبير التي هي بدورها امتداد لحرية التفكير، هو خطأ فادح. لقد تم تجاوز هذا التسلسل الكلاسيكي وما يترتب عليه من تفسير مطبوع بالنزعة الفردية التي تزامنت مع الفكر العملي، ليس فقط بفعل مفاهيم السوسيولوجيا السياسية الحديثة، بل لأنه أصبح من الواضح أن الواقع الاقتصادي والتكنولوجي الحالي يفرض وجهة نظر مخالفة تماما.

إن الإعلام اليوم لم يعد يعني التعبير عن الرأي إلا بصفة جزئية، سواء تعلق الأمر بالصحافة الجماهيرية، أو بوكالات الأنباء أو السينما أو الإذاعة. لقد أصبح بالأساس تكييف (أو إرضاء) للرأي العام. الإعلام يقع على جانبي الرأي. إضافة إلى أن الجمهور هو الذي يمتلك الرأي وليس الإعلاميين الذين هم مطالبون، بحكم قواعد مهنتهم، بالتغاضي عن مشاعرهم الشخصية. المسألة تتعلق بالرأي العام والسلوك الجماهيري؛ إن تقنيات الإعلام الحديث تتعلق بعلم النفس الاجتماعي وليس بعلم النفس الفردي.

توجد صناعة قوية جدا متخصصة في تكييف الرأي العام أو في استغلال رأي الجماهير وسلوكها، وهي بحكم نظام تسييرها، لا تترك لردود الفعل الشخصية للمنتج أو حتى للمستهلك إلا دورا ثانويا: هذا هو العنصر الاجتماعي الذي يجب أخذه في الاعتبار منذ البداية.

ولا يمكن غض النظر عن هذه الآلية الفائقة، سواء من المنظور الأخلاقي أو السياسي. لكن لا بد من تكييفها مع البعد الإنساني. أعتقد أن ذلك يمثل واجبا من أهم واجباتنا في هذا القرن.

وحتى نتصدى لمفعول صناعة الإعلام كعامل للحرمان الجماهيري ـ وذلك هو الواقع في أغلب الأحيان ـ علينا أن نحقق في مجال الإعلام ثورة على غرار الثورة التي تحققت في مجال التعليم في القرن الماضي. يجب أن يصبح الإعلام حقا (وبالتالي واجبا) يتمتع به أصحاب الرأي لأن رأيهم يمثل الرهان الأساسي.

إحداث تغيير جذري لمهام الإعلام

إن ادراج الحق في الإعلام ضمن حقوق الإنسان لا يعني الرغبة في زيادة المعارف المتاحة للجمهور كما وكيفا، بل يقتضي مراجعة دور الإعلام بشكل جذري، وإعادة النظر في منتجات صناعة الإعلام وإجراءاتها وحتى تنظيمها، لا من وجهة نظر مصالح أو أهواء الذين يتحكمون في إنتاج المعلومات، بل من حيث مراعاة كرامة الذين يحق لهم اعتبارا من اليوم الاستفادة منها كوسيلة للفكر حر.

وحالما يتم الإعتراف بالإعلام كحق من حقوق الإنسان، لن يعد من الممكن تحمل الهياكل والممارسات التي تجعل من الإعلام أداة لاستغلال العديد والعديد من الضمائر استهدافا للربح أو السلطة. بل يصبح الإعلام بالضرورة بالنسبة للذين يمارسونه خدمة اجتماعية للتحرر الروحي.

إن الحق في الإعلام هو الامتداد الطبيعي للحق في التعليم. وذلك هو ما يتيح تحديد مضمونه الملموس.

في بعض الأحيان، يتم تعريف هذا المضمون بكونه «الحدث» أو النبأ الخام، بمعنى أنه خال من التعليق. وينبغي ألا ننخدع بالقيمة العملية البحتة لذلك التمييز التقليدي بين الحدث والرأي. ما هو الحدث؟ هو إدلاء بشهادة. غير أن انتقاء حدث ما هو في حد ذاته إبداء للرأي. إن التلويح بالموضوعية الميكانيكية ليس إلا نوعا من التضليل. وبالتالي يبقى للحرية الإنسانية اللجوء إلى الطابع الغير شخصي للإعلام.

ويبدو من الأصوب تعريف الإعلام بأنه عرض نزيه لمَواد قابلة للاستخدام من طرف أي كان، قصد إبداء رأي ما. وفي حين يتصف التعبير عن الرأي ـ سواء كان من قبيل الوعظ أو التحدي ـ بطابع نضالي في جميع الأحوال، على عكس الدعاية السياسية أو التجارية التي تتدفق بشكل استحواذي، فإن الإعلام يتميز بكونه متاح ومتوفر.

هذا، وقد نتساءل ـ لا محالة ـ عما إذا كان الاعتراف بحق الإنسان في الإعلام يستلزم التسليم بحق الجميع في الوصول إلى كل مصادر المعارف في أي ظرف من الظروف. وهنا تتبادر إلى الذهن، بصرف النظر عن أوجه الاستحالة المادية، الموانع العديدة التي تحمي المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الشخصية الأكثر مشروعية: أسرار الدولة، أسرار الصناعة، الحياة الخاصة.

النسبية التاريخية ـ الاجتماعية

عند الإعلان عن الحق في التعليم، لم يتم الاعتراف للطفل بالحق في تعلم كل شيء مهما كان سنه وبأي وسيلة كانت. يعني ذلك فقط أنه من واجب الكهول تزويد الأطفال بالمعارف الضرورية لنموهم، مع مراعاة الاحتياجات (والقدرات) الخاصة بأعمارهم. فالحق ليس إلاّ أداة ـ أي أداة لبناء البعد الإنساني لدى البشر. أما الأداة فلن تكون صالحة إلاّ إذا ارتبطت بالاحتياجات.

إن الحق في الإعلام شأنه شأن جميع الحقوق: يتم تحديد مضمونه المشروع حسب الاحتياجات الحقيقية. وذلك، بطبيعة الحال، شريطة أن يكون المراد بالاحتياجات تلك المتعلقة ببناء الإنسان، وليس بالمصالح أو الأهواء.

وتشمل هذه الاحتياجات بحكم طبيعتها، دعوة واسعة النطاق إلى الإخاء والتبادل بين الأفراد للمثابرة على تجاوز دائرة الأنانية. ولما كانت ظروف العيش وأنماط التنمية شديدة التغير، فإن احتياجات الجماعات البشرية، في الحقيقة، تختلف باختلاف الزمان والمكان. وبالتالي، لا تحتاج جميع هذه الجماعات إلى نفس الإعلام.

ولا داعي للخوف من إدراج هذه النسبية التاريخية والاجتماعية في عملية التفكير في حقوق الإنسان. إن تقييما واقعيا يراعي هذه النسبية لن يهدد المسعى لاكتساب هذه الحقوق، بل هو الوحيد الكفيل بإعطاء دلالة ملموسة للناس الذين يناضلون من أجل تحقيق الانتصار الذي يصبون إليه.

أما الحق في التعبير عن الرأي فهو يندرج تماماً في النسبية التاريخية. ذلك أن الحق في الإعلام، وإن كان من الضروري اعتباره شرطا من شروط الديمقراطية، وهو بالتالي  مبدأ ملزم، فإن الحق في التعبير عن الرأي ينتمي إلى ممارسة الديمقراطية، وبذلك يساهم في إمكانية بروز أي واقع أو إجراء سياسي. ويمكن لنظام يتمتع بمؤسسات مستقرة ومجتمع من المواطنين يتسمون بالتجرد أو بالتسامح ومدربين على التفكير النقدي، أن يمارس قدراً كبيراً من الليبرالية في ما يخص التعبير عن الآراء الفردية. بل يجب على مثل هذا النظام أن يقوم بذلك، باعتبار أنه محتاج، أكثر من أي شيء آخر، إلى هذه القوة الدافعة الضرورية لتحقيق التقدم المنشود.

وفي المقابل، لما تكون الديمقراطية معرضة للخطر في دولة تمزقها الأهواء أو تستسلم لنزوات السذاجة، أو ديمقراطية منخرطة بالكامل في مسار ثوري أو في عملية لإعادة البناء، فإنه يحق تقييد ممارسة حرية التعبير الفردية إلى حد كبير، باعتبار أن تلك الحرية في مثل تلك الظروف تصبح بالضرورة عامل تفرقة.

إن التسليم بأن الحق في التعبير عن الرأي يجب أن يكون مشروطاً بالمنظور التاريخي الذي ينخرط فيه أي نظام ديمقراطي، لا يعني التضحية بحق من حقوق الإنسان لفائدة المصلحة العليا للدولة. بل بالعكس، هو يعطي هذا الحق كامل معناه لكونه يرفض التضحية بفرص ومزايا مشروع واقعي، من أجل فكرة تجريدية. [...]

 

مقالات أخرى لرينيه ماهيو نشرت في رسالة اليونسكو:

ما هو دورنا في النقاشات السياسية؟ يونيو 1948

سلطة التعليم أو التحقير: من أجل أخلاقيات للإعلام، فبراير 1967

اليوم العالمي لحقوق الإنسان: تصريح المدير العام لليونسكو، أبريل 1968 

الحضارة الكونية، أكتوبر 1976 

رينيه ماهيو

فيلسوف فرنسي التحق باليونسكو كموظف منذ إنشائها في عام 1946. تولى رينيه ماهيو (1905 ـ 1975) منصب مدير عام للمنظمة لولايتين متتابعتين (1962 ـ 1974). حرر هذا النص خلال الفترة التي تولى فيها رئاسة قسم الصحافة وحرية الإعلام في اليونسكو.