بناء السلام في عقول الرجال والنساء

التقرير العالمي للعلوم الاجتماعية لعام 2016

الملخص

 أدت الأزمة الاقتصادية لعام 2008 والآثار طويلة الأجل الناجمة عنها، والانتفاضات الشعبية المعروفة باسم "الربيع العربي"، وأعمال الشغب الناجمة عن أزمة الغذاء في المكسيك، وحركة "احتلوا"، إلى إدراج مسألة عدم المساواة مجدداً في جدول الأعمال السياسي العالمي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وقد أفادت عمليات التقييم المختلفة أن 1% من سكان العالم كانوا يمتلكون قرابة نصف ثروة الأسر في العالم في عام 2015، وأن ثروة أغنى 62 شخصاً في العالم تعادل ما يملكه النصف الأفقر من البشرية.

ويخلص التقرير إلى أنه يمكن أن تعرض مسألة عدم المساواة الجامحة استدامة الاقتصادات والمجتمعات والجماعات للخطر. ويشير إلى أنه ينبغي فهم مسألة عدم المساواة – والروابط بين أوجه عدم المساواة الاقتصادية وغيرها من أشكال عدم المساواة الأخرى القائمة على الجوانب الجنسانية والتعليم والصحة – فهماً أفضل لخلق مجتمعات أكثر عدلاً.

ويحدد التقرير الفجوات الموجودة على صعيد البيانات في مجال بحوث العلوم الاجتماعية فيما يتعلق بمسألة عدم المساواة. ويشير إلى الحاجة إلى الاستثمار في بحوث علوم اجتماعية مجدية فيما يتعلق بمسألة عدم المساواة من أجل وضع سياسات للحد من أوجه عدم المساواة.

وبإيجاز، تخصص العديد من البلدان جزءاً قليلاً من استثماراتها في البحوث المتعلقة بالأثر طويل الأجل لمسألة عدم المساواة على استدامة اقتصاداتها ومجتمعاتها وجمعاتها.

ويتناول هذا التقرير سبعة أبعاد لعدم المساواة وكيفية تفاعلها لرسم ملامح حياة الناس من خلال إيجاد دوامة من أوجه عدم المساواة. فلا ينبغي فهم أوجه عدم المساواة ومعالجتها فقط من حيث الدخل والثروة، فقد تنشأ أوجه عدم المساواة على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والبيئي والمكاني والمعرفي.

والجميل بالأمر أنّ هناك زيادة بمقدار خمسة أضعاف في الدراسات المعنية بمسألة عدم المساواة والعدالة الاجتماعية في المنشورات الأكاديمية منذ عام .1992 وقد نُشرت العديد من التقارير الدولية والكتب بشأن مسألة عدم المساواة، وأصبح بعضها من الأكثر مبيعاً. ومع ذلك، فنحن بحاجة للمزيد من الأبحاث لفهم اتجاهات عدم المساواة وكيفية عكسها، ونحتاج أيضاً إلى نوع مختلف من البحوث، نوعٌ متعدد التخصصات ومترابط على الصعيد الدولي. وما لم نعالج هذا الأمر على وجه السرعة، فإن أوجه عدم المساواة ستجعل من المسعى المشترك بين أهداف التنمية المستدامة والمتمثل في "عدم التخلي عن أي أحد" بحلول عام 2030، مجرّد شعار فارغ.

ويحث هذا التقرير الحكومات على إنهاء ثقافة نقص الاستثمار في بحوث العلوم الاجتماعية فيما يتعلق بمسألة عدم المساواة. ويرى أنه إذا أخذنا مسألة عدم المساواة على محمل الجد، فإننا سنحتاج إلى القيام ببحوث جادة في مجال العلوم الاجتماعية فيما يتعلق بالأثر الطويل الأجل لأوجه عدم المساواة على حياة الناس. وسندفع ثمناً باهظاً بسبب ندرة الاستثمارات والقدرة محدودة في مجال بحوث العلوم الاجتماعية فيما يتعلق بمسألة عدم المساواة.

ويبدو أن الزيادة التي شهدناها مؤخراً في أوجه عدم المساواة الاقتصادية يعود أصلها إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم عندما أصبح النموذج النيوليبرالي مهيمناً في البلدان الغربية. وانتشر لاحقا تدريجيا إلى أجزاء أخرى من العالم، في سياق العولمة والتمويل الاقتصادي بعد سقوط الكتلة الشرقية. وكان الافتراض الكامن وراء هذا التحول هو أن فوائد النمو الذي تولده قوى السوق سوف تطال في نهاية المطاف الفئات السكانية الفقيرة والمستضعفة. ولكن لم تتحقق هذه الرؤية على نطاق واسع. ففي حين أن العديد من البلدان - المتقدمة والناشئة على حد سواء - سجلت معدلات عالية من النمو الاقتصادي في أعقاب تحرير اقتصاداتها، إلا أنّ أوجه عدم المساواة، وخاصة عدم المساواة في الدخل، تفاقمت بسرعة داخل البلدان.

وهناك إقرار بالأضرار والمخاطر الناجمة عن تفاقم أوجه عدم المساواة على أعلى المستويات. فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر 2015، أهداف التنمية المستدامة، التي تهدف إلى القضاء على الفقر، ومعالجة التغير البيئي، ومحاربة عدم المساواة والظلم، كجزء من خطة جديدة للتنمية المستدامة تلتزم بألّا "يتخلف أحد عن الركب". وجرى تكريس هدف خاص وهو الهدف 10 "للحد من انعدام المساواة داخل البلدان وفيما بينها". كما تُعنى العديد من أهداف التنمية المستدامة الأخرى بالحد من أوجه عدم المساواة وتعزيز الشمولية بحلول عام 2030.

 

ما الهدف من إعداد تقرير جديد بشأن مسألة عدم المساواة؟

أكّد عدد كبير من الدراسات التي أجريت خلال العقد الماضي أو نحو ذلك، والتي أصبح بعض منها من الأكثر مبيعاً، أنّ أبعاداً معينة لمسألة عدم المساواة بلغت مستويات غير مسبوقة في العقود الأخيرة. ويساهم التقرير في الدراسات القائمة. إذ يسدّ العديد من الفجوات الهامة في هذا المجال. وتنبع أهمية هذا التقرير، في المقام الأول، من النقص الكبير في الاهتمام الذي أولته الدراسات الأخيرة إلى أشكال التفاوت غير الاقتصادية. وحتى عند الإقرار بأوجه التفاوت في بعض الأحيان كما هو الحال في مجال التعليم والصحة وقضايا الجنسين، إلا أنّ الدراسات تركز في أغلب الأحيان على واحد من هذه الأشكال وتهمل أوجه التفاعل بينه وبين أشكال التفاوت الأخرى. فإن تقسيم البحوث بشأن مسألة عدم المساواة إلى مجالات فرعية متخصصة لا تدرك المجال المحتمل الواسع لمساهمات العلوم الاجتماعية والزوايا المتعددة لمسألة عدم المساواة. وتنشأ فجوة أخرى جراء تركيز البحوث في معظم الأحيان على المؤشرات القابلة للقياس، وذلك على حساب النهوج التحليلية التي تجمع بين الأساليب الكمية والنوعية. ويعد التركيز على البلدان والمناطق الأخرى التي تتوافر عنها بيانات موثوقة من العناصر المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذا التفضيل للبيانات القابلة للقياس، ولا سيما البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، وذلك على حساب البلدان الأخرى التي لا تمتلك بيانات موثوقة، أي الدول المتوسطة الدخل. ولا تتعمق الدراسات والتقارير، في نهاية المطاف، في مسألة عدم المساواة لدرجة الوصول إلى الحلول والاستجابات التي يمكن الاستعانة بها فيما يتعلق بالأوجه المتعددة لمسألة عدم المساواة، إذ تعد مكيّفة لتناسب سياقات معينة وقد تساعد في توفير مسارات لبناء مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً.

 

أهداف التقرير:

فيما يلي الأهداف الستة للتقرير:

  •  النظر إلى ما هو أبعد من عدم المساواة الاقتصادية، أي إلى التفاعلات بين الأبعاد المتعددة لعدم المساواة، ولهذا السبب يشير التقرير إلى "أوجه عدم المساواة" وليس إلى "عدم المساواة" فحسب؛
  •  توثيق اتجاهات عدم المساواة في العديد من البلدان وفي كل مناطق العالم وتوفير البيانات والمعلومات حول البلدان التي تحظى بقدر أقل من البحوث، ولاسيما البلدان ذات الدخل المنخفض في إفريقيا وآسيا؛
  •  تحليل العواقب المترتبة على أوجه عدم المساواة في بلدان ومناطق مختلفة وآثارها على مجموعات متعددة من الناس؛
  •  تحديد استراتيجيات كفيلة بالحد من أوجه عدم المساواة؛
  •  تقديم مساهمة متعددة التخصصات لدراسة مسألة عدم المساواة، مع مدخلات من مجموعة واسعة من العلوم الاجتماعية، ومنها مثلاً علم الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا أي علم الإنسان والدراسات القانونية ودراسات التنمية، وكذلك التخصصات الأخرى وحتى من خارج الأوساط الأكاديمية؛
  •  تحديد الثغرات المعرفية البالغة الأهمية واقتراح جدول أعمال عالمي للبحوث بشأن مسألة عدم المساواة.