إن احتفالات النوروز تتمثل في مجموعة من الطقوس والأعياد القديمة تُقام بمناسبة حلول السنة الجديدة التي تواكب مقدم الربيع، وفي تقاليد نمت  في موازاة طرق الحرير، وذلك منذ القرن السادس قبل الميلاد على أقل تقدير. ويحتفل بهذه الطقوس التاريخية التي عُرفت بأسماء مختلفة، مثل "نوفروز" (Novruz) أو"نيوروز" (Nowrouz) أو"نوروز" (Nooruz) أو"نافروز" (Navruz) أو ناوروز (Nauroz) أو "نيفروز" (Nevruz)، في ١ ٢ آذار/مارس في عديد من البلدان الواقعة بمحاذاة طرق الحرير، بما فيها أفغانستان، وأذربيجان، والهند، وإيران، والعراق، وقيرغيستان، و كازاخستان، وباكستان، وطاجيكستان، وتركيا، تركمنستان، وأوزبكستان.

© وزارة أذربيجان للثقافة والسياحة

وتحتفل شعوب ذات ديانات وثقافات مختلفة بعيد النوروز في هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة. كما تكمن بعض أقدم أصول الاحتفالات في الزرادشتية، وهو ما يميز أكثر الأيام قداسة وأهمية في التقويم الزرادشتي القديم. وساد الاعتقاد بأن عودة الربيع تتسم بطابع روحاني يرمز إلى انتصار الخير على الشر والفرح على الحزن. كما ساد الاعتقاد،على وجه خاص، بأن "روح الظُهر"، المعروف باسم "رابيثوينا"، الذي دفعه "روح الشتاء" للمكوث تحت الأرض أثناء شهور البرد، يحظى بالترحيب عندما تُقام الاحتفالات وطقوس التمجيد، وفق التقاليد الزرادشتية، ظُهر يوم النوروز. 

وترتبط هذه الاحتفالات أيضاً بمجموعة كبيرة من التقاليد المحلية المتنوعة، بما فيها أسطورة "جمشيد"، وهو ملك من ملوك الأساطير الفارسية الذي تُسمى الاحتفالات أحياناً في إيران باسمه، أي: "النيروز الجمشيدي". وتحكي هذه الأسطورة أن "جمشيد" تنقل، في أحد الأيام، بمركبة في الفضاء، وهو ما اعتبره رعاياه عملاً بطولياً فذاً، حتى أنهم لفرط إعجابهم به ابتدعوا احتفالاً لتخليد هذا اليوم. وهناك روايات أسطورية مماثلة توجد في التقاليد الهندية والتركية، في حين أن أسطورة "عمو نوروز" تحظى بشعبية في بلدان آسيا الوسطى.

falseوخلال الألفية الماضية، تطورت الاحتفالات وتوسيع نطاقها حتى شملت تأثيرات اجتماعية ودينية وثقافية جديدة كلما انتشرت طوال طرق الحرير. أما عن تاريخ هذه الاحتفالات، الذي حدد في الأصل وفق الممارسات الفلكية القديمة، فقد عُدل وأُعيد حسابه في العديد من المناسبات إبان القرنين الحادي عشر والثاني عشر، إذ بقي عيد النوروز احتفالاً يتسم بأهمية اجتماعية كبرى في ظل حكام متعاقبين وأنظمة حكم متغيرة. ومن بين العديد من المفكرين المسلمين الذين درسوا وناقشوا، فيما مضى، تاريخ نوروز، أبو الريحان البيروني (٩٧٣- ١٠٤٨)، ومحمود الكاشغري (١٠٠٨-١١٠٢)، وعمر الخيام (١٠٤٨-١٣١‎‎١).

وتتباين التقاليد والعادات التي تواكب الاحتفالات بعيد النوروز في هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة، على الرغم من أن هناك العديد من السمات الموحدة. ففي معظم المناطق، تكتسي الاستعدادات، تمهيداً لإقامة الاحتفالات، أهمية رمزية، وتنتشر على نطاق واسع عروض الرقص الطقوسية التي تنطوي على النار والماء وغالباً ما تتضمن القفز فوق النيران والأنهار. وفي إيران، تُقام هذه العروض في آخر أربعاء قبل حلول النوروز، وهي تُعرف باسم "جهار شنبه سوري" أو باسم "جهار شنبه وآتش"، بينما تُقام هذه العروض في أذربيجان كل يوم أربعاء من الأسابيع الأربعة التي تسبق الاحتفالات. وفي كثير من المناطق، تقوم الأسر بملأ خزانات المياه في آخر أربعاء من السنة الفارسية. أما في قيرغيستان فيجب أن ملء جميع أواني المنزل بالمياه عشية النوروز، وذلك على أمل أن يعم الرخاء في السنة الجديدة وأن يبتعد سوء الحظ. ومن العادات السائدة أيضاً في معظم المناطق زيارة المدافن قبل أن تبدأ الاحتفالات بمناسبة النوروز؛ ويقوم زوار المدافن بجلب الشموع وتقديم القرابين لإحياء ذكرى موتاهم. وعادةً ما توضع شمعتان على أبواب المنازل عشية النوروز في كازاخستان، بينما يُحتفل بذكرى الموتى في أذربيجان في اليوم الثاني من عيد النوروز، وهو اليوم المعروف باسم "يوم الآباء".

أما يوم النوروز ذاته فهو يوم احتفالي يشمل زيارة أفراد الأسرة والأصدقاء، وتبادل  الهدايا، فضلاً عن الاستمتاع بمجموعة كبيرة من العروض والتقاليد الثقافية. وكثيراً ما يحصل الأطفال في هذا اليوم على لِعب صغيرة ويلهون باللعب بالبيض الملون. كما تتقاسم الأسر ولائم رمزية تُقام أيضاً فيما بين الجماعات، وذلك في كافة المناطق التي يُحتفل فيها بعيد النوروز؛ وتتكون هذه الولائم في كثير من الأحيان من الأرز والخضار المطبوخ، فضلاً عن العديد من شتى الأطعمة المحلية. وفي قيرغيستان، تتمثل هذه الولائم في احتفالات عامة تُخصص لها مناطق بجانب المدن لإعداد "النوروز كيدجي" أو "شون كيدجي"، وهو نوع من الحساء مصنوع من لحم الثور.

© المنظمة الإيرانية للتراث الثقافي والحرف اليدوية والسياحة

وثمة تقليد واسع النطاق يتمثل في إعداد "مائدة النوروز" التي يوضع عليها عدد من الأشياء الرمزية. وعلى الرغم من أن هذه الموائد تختلف قليلاً من منطقة إلى أخرى، فإن أهم سماتها المشتركة هي: الماء، والشموع، وأطباق من براعم خضراء (سابزيه)، وطبق تقليدي مكون من بذور القمح المسحوقة، والبيض، والمرايا، وأنواع مختلفة من الفواكه. وترمز هذه الأشياء إلى الطهارة والإشراق والوفرة والسعادة والخصوبة، وهي أمور يتمنى الناس تحقيقها في السنة الجديدة. وفي إيران، تُسمى هذه المائدة "سفرة هفت سين"، إذ أنها تحوي سبعة أشياء يبدأ اسم كل منها بحرف "سين". كما توجد تقاليد مماثلة في بعض مناطق الهند.

 

© وزارة قيرغيزستان للثقافة والإعلام
ويتميز عيد النيروز أيضاً بكونه مناسبة لإقامة أنشطة ثقافية تقليدية تجمع بين ممارسات مشتركة وبين أنشطة وعادات محلية متنوعة. ويمثل الشعر سمة من سمات الاحتفالات بالنوروز، وهو الشعر المعروف باسم "القصائد النوروزية" التي تُكتب وتُنشر وتُتلى طوال أيام الاحتفالات. كما تمثل الموسيقى عنصراً مهماً للغاية، وتتميز البلدان التي تحتفل بالنوروز بأغانيها الشعبية التقليدية المخصصة للاحتفالات. ومن أمثلة ذلك الأغنية الأفغانية المشهورة "مُلا ممد جان" التي يُقال إنها أُلفت في مدينة "مزار الشريف"، ولكنها معروفة أيضاً في إيران وطاجيكستان. أما في أوزبكستان فإن المغنين التقليديين والقُصّاص هم الذين يقومون بأداء أغاني عيد النوروز، أمثال المغنيين الملحميين وأجواق المنشدين. وبالمثل، تجري في قيرغيستان مباريات بين "الكاين"، وهم القُصاص الملحميون أو الشعراء الملحميون، الذين يرتجلون حكايات عن النوروز. كما يتم أداء مجموعة كبيرة من الرقصات التقليدية خلال الاحتفالات.

وفي كثير من الأحيان، تُقام أنشطة احتفالية في الهواء الطلق، مثل لعبة "كوبكاري"، ومباريات المصارعة، وسباق الخيل، بمناسبة الاحتفال بالنوروز في أوزبكستان؛ وبالمثل، تجري في قيرغيستان عروض الفروسية التقليدية كجزء من الاحتفالات تأتي إليها جماعات للاستمتاع بسباق الخيل المعروف باسم "كيز كووماي"( وهو سباق يطارد فيه الرجال النساء وهم على صهوة الجياد)، ومباريات "إينيش" (المصارعة من على صهوة الجياد)، ومباريات "جامبي أتو" (إطلاق النار من على صهوة الجياد)، وغير ذلك من المباريات. وهناك تقاليد نوروزية أخرى تشمل عروضاً محلية في الشوارع، والمشي على حبال البهلوانات، الذي يُسمى "باند بازي"، في إيران، فضلاً عن رياضة "بوز كاشي"، في أفغانستان، التي يتنافس فيها فرسان يستهدفون شكلاً يمثل رأس عِجْل.

© اليونسكو

ولقد تنقلت هذه التقاليد السنوية الخاصة بالاحتفال بحلول الربيع من جيل إلى جيل طوال الألفية الماضية، وربطت فيما بين مجتمعات شتى، كما أنها تُعد أمثلة بارزة على نشر الطقوس والتقاليد طوال طرق الحرير التاريخية. فعيد النوروز، كما وصفناه، يوفر فرصة ليس للاستمتاع بالعادات الثقافية القديمة، والأغاني التقليدية، والموسيقى، والرقص، والطقوس، والأطعمة، والقصص فحسب، وإنما أيضاً لتعزيز السلام والتضامن فيما بين المدن والمجتمعات المحلية وتقوية أواصر الصداقة والتبادل التي رسخت على مر التاريخ.

ولما كان عيد النوروز يكتسي أهمية كبرى، فقد أُدرج في قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية بوصفه يمثل قيمة عالمية للإنسانية. كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت في عام  ٢٠١٠ قراراً أُعلن فيه يوم ٢١ آذار/مارس يوم نوروز الدولي للسلام يُحتفل به كل عام في ٢١ آذار/مارس