تطور تربية دودة القز على طول طرق الحرير

ندعوكم للانضمام الينا كل أسبوع من أجل الاطلاع على مقالات اختياراتنا الثقافية.  المقالات التي تتماشى مع المواضيع المختارة بعناية. المعرفة والتقدير لهذه المواضيع تساعد في المحافظة على عناصر تراثنا المشترك لطرق الحرير ونشرها و الترويج عنها

لعب التبادل المستمر والنشط للسلع والأفكار والمعرفة دوراً هاماً في تطور تربية دودة القز، أو إنتاج الحرير، على طول طرق الحرير.
وينعكس هذا في الأساليب الفنية والحرفية المتميزة التي استمرت في الانتشار الى مختلف المناطق. كان النسيج ذا قيمة كبيرة، حيث يقال إنه بحلول القرن الرابع قبل الميلاد، بدأ اليونانيون والرومانيون يشيرون إلى أجزاء من الشرق الأقصى تحت مسمى أرض "سيريس" ، أو أرض الحرير.
كانت التقنيات المستخدمة في تربية دودة القز تخضع لحراسة مشددة و مسيطر عليها من قبل السلطات. كان الحرير يعتبر نسيجًا ثمينًا و كان مخصصًا للطبقة الأرستقراطية، وكان استخدامه إشارتا للسلطة والقوة.
كان الحرير يفضل من قبل العائلات المالكة، و كان النساجون للحرير يتمتعون بمكانة اجتماعية مرموقة مماثلة لتلك التي كانت للرسامين أو النحاتين.
خلال عهد الأسرة الحاكمة هان وتانغ، زادت القيمة المطلقة للحرير، وكذلك إنتاجها. و نظرا لتعدد استعمالاته وشعبيته، أصبح الحرير يستخدم تدريجيا في الاستخدام العام.
تتميز الملابس الحريرية بخفة الوزن والجمال السماوي، والتي كانت توفر الدفء في درجات الحرارة المنخفضة، والراحة في درجات الحرارة المرتفعة.
لم يقتصر استخدامه على إنتاج الملابس والزينة في الشرق الأقصى فحسب، بل اكتسب أهمية ثقافية في الاقتصاد باعتباره سلعة ذات قيمة عالية جدا.
أثناء إنتاج الحرير، يتم نسج خيوط الحرير في قماش نسجي أو يتم استخدامها لأعمال التطريز.
المصادر الأدبية مثل كتاب التاريخ وكتاب الطقوس تفصّل جوانب من تريبة دودة القز. في حين كانت عمليات تحريك و تدوير الحرير أضافة الى الغزل من الواجبات المنزلية المنسوبة إلى النساء، كان عمليات النسج والتطريز تجرى في ورشات العمل.
من الجدير بالملاحظة انه في المقاطعات المنتجات للحرير، كان التأثر والتبادل بين الأجيال واضح المعالم.
وقد قامت النساء بتوفير جزء كبير من السنة من أجل رعاية ديدان الحرير، فضلاً عن مهمات تفكيك الحرير وغزله ونسجه وصبغه وتطريزه.
في البداية، يمكن أن يعزى إنتاج كل من خيوط الحرير والقماش الحريري فقط إلى تلك الموجودة في الشرق الأقصى.
ومع ذلك، حوالي 300 م، ظهر إنتاج خيوط الحرير في مناطق في أقصى الغرب مثل مقاطعة سوريا الرومانية، والتي أنشئت خلال الإمبراطورية الرومانية (27 قبل الميلاد - 393 م).
هنا قام الشاه الساساني شابور الثاني ( 310م-379م)،بأنشاء صناعة نسيج الحرير الأكثر نفوذا. من 224-651 م ، مارس الساسانيون تأثيراً ذات اهمية في العالم، وتسبب توسعهم في حدوث صراع و اختلاف كبير في روما.
كانت منطقة الساسانيين واسعة النطاق و معروفة بنساجيها ذوي الخبرة والمعرفة، خاصة في مدن مثل مدينة سوسا، التي تقع في إيران الحديثة.
تم في ما بعد تصدير الحرير الساساني إلى كل من مناطق الشرق والغرب، من خلال الطرق البرية والبحرية المختلفة.
وقد ألهمت تلك المنسوجات التي يعود اصول صنعها الى مراكز انتاج الحرير في الشرق الأقصى وشبه القارة الهندية على التصاميم المستخدمة في منتجات الحرير الساسانية.
ثم تم دمج هذه التصاميم ضمن صنوف النسيج المحلية وفقا للتصاميم الجمالية المفضلة بين الناس في تلك المناطق.
بالمقابل أستعار النساجون الذين ينحدرون من الشرق الأقصى نماذج ساسانية، مما أدى إلى تغيير التصاميم وإعادة صياغتها بما يلائم عاداتهم و ثقافتهم الخاصة بهم.

النساجون من بيزنطة، الذين اعتبروا أنفسهم ورثة الإمبراطورية الرومانية القديمة، أظهروا اتجاها مماثلا. هؤلاء النساجون البيزنطيون عادة ما ينحدرون من مدن مثل القسطنطينية وأنطاكيا.

تم إنتاج نوعين رئيسيين من أنماط نسج الحرير. كان الأول يعتمد على مشاهد الصيد أو المعارك، بينما كان الأخير يتكون من سلسلة من الدوائر التي تغلف الطيور والحيوانات الصغيرة الأخرى. يحتوي قبر الإمبراطور الروماني المقدس، شارلمان (742-814)،  على جزء مكون من الحرير البيزنطي و الي يضم كلا التصميمين.
بعد ذلك أدت صناعة النسيج البيزنطية المزدهرة إلى انتشار نسج الحرير إلى مناطق بعيدة باتجاه الغرب. قام روجر الثاني من صقلية (1095-1154) بجلب النساجين من القسطنطينية إلى باليرمو خلال القرن الثاني عشر.
نتيجة لهذا العمل، تم ولادة صناعة الحرير الإيطالية، والتي لا تزال موجودة. علاوة على ذلك، خلال معاهدة السلام في عصر المغول، كانت المنسوجات الحريرية المنبعثة من الشرق الأقصى موجودة في كل مكان في المنطقة المعروفة الآن بإيطاليا.
كان هذا واضحًا من خلال التمازج و الاندماج بين العناصر المختلفة في التصاميم الإيطالية والتي كانت التأثيرات  القادمة من الشرق الاقصى واضحة عليها خاصة فيما يتعلق بالمنسوجات الفاخرة.
كانت المنسوجات معبرة عن سهولة اندماج الافكار المختلفة و الجرأة في التصاميم. بالإضافة إلى ذلك، انخفض ظهور الأشكال المنذرة النموذجية من النمط الساساني، في حين تم تفضيل استخدام الزخرفة  من تصاميم الأرابيسك المزدهرة والنباتات المترامية المستوحاة من تصاميم الشرق الأقصى.
علاوة على ذلك، ساهم موقع التراث العالمي لليونسكو( La Lonja de la Seda ) في فالنسيا، إسبانيا، والذي بني في الفترة من 1482 إلى 1522 ، بدور بارز ومهم في تطور تربية دودة القز. و كان هذا الموقع رمز للسلطة والثروة المرتبطة بمدينة فالنسيا تلك المدينة التجارية المطلة على البحر الابيض المتوسط خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والذي كان يستخدم في الأصل للتداول وتبادل الحرير ، ومعروف كمركز تجاري مهم.
في المجتمع المعاصر، ارتفع إنتاج الحرير في جميع أنحاء العالم بشكل مستقر، لا سيما في الشرق الأقصى، على الرغم من وجود المنسوجات المقلدة والتي يمكن أن تستخدم بديلا عن المنسوجات الاصلية.
توجد اختلافات بين المناطق في عمليات نسج الحرير، ولكن انتقال المعرفة والخبرة من جيل إلى جيل يسمح بنشر هذه التقنيات في المجتمعات المحلية والدولية على طول طرق الحرير حتى يومنا هذا

 

اطلع أيضا على:

التقليد والإلهام: التغيرات في المنتجات الخزفية على طول طرق الحرير

التأثيرات الثقافية المتنوعة في فن مملكة كوشان

أصول الابداع الفني للتقاليد الفنية الكشميرية

النبضات الجمالية لفنون بلاد السند و التعبيرات الثقافية

الأدب العربي الكلاسيكي

أسئلة وأجوبة مع السيد علي موسى إيي خلال معرض جسر الفنون السنوي في مدينة فالنسيا ، إسبانيا

معرض اليونسكو لفن المنسوجات المطبوعة الإندونيسية

اختيارنا الفني لهذا اليوم من التراث "ألكايز وشيرداك: فن السجاد التقليدي القرغيزي"

مسابقة التصوير الفوتوغرافي لليونسكو  عيون الشباب على طرق الحرير

مشروع اليونسكو لطرق الحرير