كان للحضارة الصينية وتطورها عبر الزمن، التأثير العميق على طرق الحرير البحرية التي كان لها موقعا تاريخيا ذات أهمية.
حيث يمكننا ملاحظة أنه قبل القرن الثالث قبل الميلاد، بدأ المجتمع الملاحة البحرية في الصين بالظهور والتطور، الأمر الذي أدى الى تقوية أسس ثقافة الملاحة البحرية ونشوء العديد من الموانئ حول المدن، مثل تشيوانتشو الواقعة في الساحل الجنوبي الشرقي للصين حيث كان لهذه المدينة موقعا جغرافيا رئيسيا عند مصب نهر جين أضافة الى كونها مركز ارتباط رئيسي لشبكة كرق الحرير البحرية.
وقد بدأت الملاحة تأخذ دورا أساسيا ذات أهمية في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والفعاليات الثقافية منذ سلالة تشين الحاكمة (221-206 قبل الميلاد).
حيث بدأ الملاحون الصينيون، باستخدام علم الفك في الملاحة البحرية أضافة الى الملاحة الموسمية، الامر الي ساعدهم بالوصول إلى جزر اليابان ومناطق جنوب آسيا. ومع تطور طرق الحرير البحرية، تمكن الملاحون الصينيون من الوصول إلى مناطق آسيوية أخرى.
وساهم الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمدينة تشيوانتشو بجعلها مركزًا هامًا للتجارة خاصة خلال عهد أسرة تانج (618-907 م).
في تلك الفترة الزمنية، كانت صناعة الحرير والصباغة والتعدين والصناعات المعدنية وصناعة السيراميك أضافة الى صناعة الورق والطباعة وصناعة الشاي وصناعة بناء السفن مزدهرة.
أدى هذا الازدهار لنمو صادرات تلك البضائع عبر شبكة الطرق البحرية إلى العديد من المناطق في آسيا وأفريقيا. هذه التبادلات أدت بطبيعة الحال إلى إقامة العلاقات الوثيقة بين الصين والمناطق البعيدة خلال القرن الثامن الميلادي.
لعبت ميناء تشيوانتشو دورا رئيسيا في الحفاظ على هذه العلاقات بين الصين والأراضي المجاورة والأراضي البعيدة. على سبيل المثال، تم إنشاء اتصالات بحرية مع شبه الجزيرة الكورية وجزر اليابان، وكذلك مع شبه جزيرة كامتشاتكا (شمال شرق آسيا، روسيا الحديثة) من خلال طريق أوخوتسك البحري.
في جنوب شرق آسيا، بدأت الفعاليات التجارية من خلال الملاحة التقليدية في النمو، ووصلت الطرق البحرية تقريبًا إلى جميع السواحل والجزر في مناطق جنوب شرق آسيا.
في جنوب آسيا، أقامت الصين تبادلات مادية وثقافية مكثفة مع شبه القارة الهندية سيرلانكا الحديثة. في غربي آسيا وشرق أفريقيا، تطورت العلاقات بين سلالات الحكم الصينية والعربية.
على سبيل المثال، تم تأسيس "سوق الصين" لبيع المنتجات الصينية في بغداد. ومن خلال هذه التبادلات، بدأ التجار الأجانب في الاستقرار والاندماج ضمن مجتمع تلك المدن مثل تشيوانتشو، مما أدى إلى ظهور "مجتمعات الأجانب".
كما تمثل قبور التجار الأجانب شواهد على وجود هذه الجاليات الأجنبية في مدينة تشيوانتشو خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر.
كما أصبحت مدينة تشيوانتشو مركزًا لبناء السفن حيث تم بناء العديد من السفن التجارية لتلبية الطلب المتزايد للفعاليات والأنشطة التجارية والدبلوماسية.
بعد نشوء المدينة خلال عهد سلالة تانج، تقدمت وتطورت مدينة تشيوانتشو بسرعة خلال عهد أسرة سونغ (960-1279 م)، حيث ساهمت العديد من الظروف السياسية والاقتصادية الملائمة في ذاك الامر.
وقد تم بناء العديد من الجسور التي استخدمت لتسهيل التنقل بين المناطق المختلفة، وكذلك الأبراج الحجرية التي سهّلت الملاحة وإيواء السفن التجارية. كل هذه المباني هي شواهد على الأهمية التي اعطتها أسرة سونغ إلى مدينة تشيوانتشو.
وقد احتفظت مدينة تشيوانتشو بأهميتها أيضًا خلال عهد أسرة يوان (1279-1368 م). كما ويعتقد أن ميناء تشيوانتشو الشهير باسم "زيتون" حصل على هذه التسمية من قبل البحارة العرب الذين زاروا الميناء بانتظام خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين.
وعلاوة على ذلك، زار رحالة معروفين مثل ماركو بولو أو ابن بطوطة على التوالي في عام 1292 م وفي عام 1342 م مدينة تشيوانتشو وتم ذكرها في مذكرات سفرهم.