إزالة آثار الحرب في العراق من خلال التعليم

13 أيلول (سبتمبر) 2018

"إن حجم الدمار الذي لحق بالمدينة لهو أمر مفجع، وإن الصدمات النفسية التي عانى منها سكان الموصل إنما بلغت من السوء مبلغاً يماثل ما تعرضت له البنية الأساسية من أضرار"، هذا ما قاله مستشار رئيس الوزراء العراقي، الدكتور حامد أحمد.

وشارك الدكتور أحمد في المؤتمر الدولي بشأن مبادرة "إحياء روح الموصل" الذي عُقد في مقر اليونسكو في 10 أيلول/سبتمبر 2018 وألقى خلاله كلمة عن حالة النظام التعليمي في البلاد، مشيراً إلى أنه لا يزال يبغي بذل الكثير من الجهود لتحقيق الإنعاش. 

وثمة أولويات متعددة وتحديات كبرى تواجه حكومة العراق فيما يخص قطاع التعليم، وذلك بسبب الدمار الذي تعرضت له المنشآت التعليمية والمنازل، فضلاً عن نزوح السكان بأعداد ضخمة. وتتمثل إحدى المهام الرئيسية في إعادة إعمار البنية الأساسية، إذْ أن العديد من المدارس والمنشآت التعليمية تعرضت لأضرار جسيمة، في حين أن منشآت أخرى لا ترقى إلى المستويات التي تتطلع إليها البلاد فيما يخص مواطنيها من الأطفال والشباب. وهناك مهمة ضخمة أخرى تتمثل في تحديث واستبدال التجهيزات التعليمية ومواد التعلم والمناهج الدراسية القديمة التي ما زالت تُستخدم حالياً في جميع أنحاء العراق، وذلك لمواكبة ما يجري في بقية ربوع العالم.

وأضاف الدكتور أحمد: "وتجدر الإشارة إلى أنّ العراق انعزل عن العالم لفترة تربو على 35 عاماً ومُنع من الانتفاع بأوجه التقدم التي يتسم بها العالم الحديث والمشاركة فيها"، مشيراً إلى أن اليونسكو، خلال سبعينات القرن الماضي، كانت تعتبر النظام التعليمي في بلاده بمثابة أفضل النظم التعليمية في الشرق الأوسط. غير أن قطاع التعليم في البلاد قد واجه شللاً وتراجعاً، وذلك منذ عام 1980، وبدءاً من النزاع الطويل مع إيران، وما تبع ذلك من عقوبات ووقوع حربين في منطقة الخليج. 

وقال الدكتور أحمد أيضاً:" إن الزمن توقف بين عامي 1980 و2005، بينما حقق العالم قفزات على نحو ما يبدو 200 سنة من التقدم مع ثورة تقنية رائعة. وظلت البلاد في حالة ركود ولم يحدث سوى تغيير ضئيل للغاية في مجالات التعليم، والعلوم، والتكنولوجيا والإدارة في العراق". 
 

 تعليق جهود الإصلاح

تولى الدكتور أحمد، منذ عام 2009، مسؤولية صياغة استراتيجية وطنية للتعليم والتعليم العالي لتحديث القطاع، وذلك بمساعدة اليونسكو ومنظمات دولية أخرى. وأجريت في هذا السياق مجموعة واسعة من التحليلات على مدى ثلاثة أعوام لتقييم جميع جوانب قطاع التعليم، بما في ذلك البنية الأساسية، والمناهج الدراسية، وجودة التعليم، وبناء القدرات، فضلاً عن حوكمة النظام بوجه عام. وجرى تصميم الاستراتيجية لتدخل حيز النفاذ في الفترة 2011ـ 2020. ولسوء الحظ، استولى تنظيم "داعش" على ثلث مساحة البلاد، بما فيها ثلاث محافظات رئيسية في حزيران/يونيو 2014.

وقال الدكتور أحمد:" في هذه المرحلة، علّقت جميع برامجنا ومبادراتنا الرامية إلى إصلاح النظام التعليمي إلى أجل غير مسمى، إذ أنه لم يتوافر تمويل كافٍ للتعليم: فقد أعادت الحكومة توجيه جميع جهودها ومواردها نحو الأغراض العسكرية". وأضاف:" أما وأن تم الآن تحرير الأقاليم التي احتلها تنظيم "داعش"، فإننا نقوم بتقييم استراتيجيتنا التعليمية الوطنية السابقة وتحديثها كي تتوافق مع جدول أعمال التعليم حتى عام 2030".

ويرى الدكتور أحمد أنه يجب تخصيص ما لا يقل عن 20 في المائة من ميزانية الحكومة لوزارة التربية والتعليم من أجل إعادة بناء وتأهيل وتحديث النظام التعليمي برمته. فهناك نقص كبير في عدد المدارس في جميع أنحاء البلاد، ويجب بناء ما لا يقل عن 3000 مدرسة جديدة من أجل تلبية الاحتياجات العاجلة.

 د. حامد أحمد ، مستشار رئيس الوزراء العراقي  (© اليونسكو)

التعليم من أجل استعادة قيم السلام والتسامح

وإلى جانب إعادة إعمار مباني المدارس، فما زال ثمة الكثير مما يتعين القيام به لإبطال وإزالة الأضرار التي سببها تنظيم "داعش" في عقول الأطفال والشباب. وفي هذا الصدد، قال الدكتور أحمد:" علينا أن نقوم بتحديث وإدماج واستعادة الكثير من القيم في نظام المناهج الدراسية من أجل التصدي للرؤى العقائدية لتنظيم "داعش" وأساليب غسيل الأدمغة التي فُرضت على الأطفال والشباب". وأضاف: "ويقتضي الأمر بذل الكثير من الجهود، فذلك يُعتبر من الأمور الأساسية للغاية، إن أردنا لأجيال المستقبل من العراقيين أن يشاركوا ذات القيم الإنسانية التي تدعمها اليونسكو والمنظمات الدولية الأخرى. ولقد فرض تنظيم الدولة الإسلامية على المؤسسات التعليمية الاستعانة بمناهج التدريس الخاصة به من أجل تشويه رؤى الشباب، وغسل أدمغتهم من خلال نشر إيديولوجية الكراهية التي يعتنقها، وتبرير ممارساته الهمجية. ونحن بحاجة إلى "إعادة غسل" الأدمغة من هذه الأفكار والتخلص من تلك الرؤى من أجل بث قيم السلام والتسامح".

وأعرب الدكتور أحمد عن رغبته في ضمان اشتمال المناهج الدراسية الجديدة في العراق على جميع أوجه التعلم الخاصة بغايات الهدف 4 للتنمية المستدامة، لأنها تمثل أسس تعزيز القيم السلمية التي ينبغي لجميع البشر امتلاكها. ويسعى أيضاً إلى إدراج المواد التعليمية وأدوات التعلم، من قبيل منشور اليونسكو بشأن منع التطرف العنيف من خلال التعليم ـ دليل لصانعي السياسات.

وقال الدكتور أحمد:" إن تنظيم "داعش" يزدهر في الجهل: فإن أكثر ما يخشاه هذا التنظيم هم الأطفال والشباب الذين يستعينون بالكتب، وليس الجنود الذين يتسلحون بالصواريخ، وذلك لأنه يدرك أن المعارف وكافة جوانب التعليم هي التي ستلحق الهزائم به وبإيديولوجيته في نهاية المطاف". وأضاف: "نحن نحتاج إلى التصدي لإيديولوجية هذا التنظيم من خلال التعليم، لأنه، لسوء الحظ، لا يزال هناك جيوب لملاذات آمنة لخطابات الكراهية التي يبثها في مجتمعنا. وهذا هو التحدي الذي سيواجه الحكومة العراقية والمؤسسات التعليمية". 

إعادة تأهيل جامعة الموصل

تعدّ مكتبة جامعة الموصل واحدة من عدد لا يحصى من المدارس والآثار والمنازل التي دُمرت في الموصل، وقد أُضمرت فيها النيران أثناء الحرب مما أدى إلى احتراقها. وتلتزم اليونسكو بدعم ترميم وتحديث هذه المكتبة من خلال مبادرة " إحياء روح الموصل".

وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد: "نأمل في أن تأتي الأموال المخصصة لمبادرة "إحياء روح الموصل"، وفي أن نستهل مشاريع إعادة الإعمار والتأهيل في أقرب وقت ممكن. وقد أعادت جامعة الموصل فتح أبوابها، غير أن العديد من منشآتها تعرضت لأضرار جسيمة أثناء الحرب. أما المكتبة، التي تمثل منارة للمعارف والحرية، فإنها تتلقى بالفعل كتباً من جامعات عراقية ومؤسسات دولية أخرى".

وجدير بالذكر أن مبادرة "إحياء روح الموصل" إنما تمثل أولوية من أولويات اليونسكو للسنوات المقبلة، وكذلك أهم حملة لإعادة الإعمار تضطلع بها المنظمة في الآونة الأخيرة. وتجسّد هذه المبادرة جهداً مشتركاً لإعادة بناء التراث وإحياء المؤسسات التعليمية والثقافية في الموصل، وذلك بتعاون وثيق مع العراق حكومة وشعباً، ولا سيما مع الشباب. وسوف تستثمر اليونسكو خبرتها التقنية وتحشد التمويل لدعم البلاد فيما يخص إعادة بناء النظام التعليمي.

يمكنكم الاطلاع على المزيد من المعلومات عن مبادرة #إحياء_روح_الموصل، ومتابعة المحادثة.