تسخير علوم أعماق البحار لإطلاق العنان للإمكانيات الكامنة في المحيطات

20/05/2019

لم يسبق أن مرّ عالم المحيطات من قبل بمثل هذه المرحلة المزدوجة المليئة بالتحديات من جهة والعوامل المبشرة بمستقبل أفضل لمحيطاتنا من جهة أخرى. وهذا هو بالتحديد الموضوع الذي جذب مختلف هيئات المجتمع الدولي إلى كوبنهاغن هذا الأسبوع للمشاركة في أول اجتماع تخطيط عالمي لعقد الأمم المتحدة الدولي لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة (2021-2030).

يكفل التعاون الدولي إطلاق العنان للإمكانيات الكامنة في المحيطات، ابتداءً من تعزيز القدرة العلمية لبلدان جزر المحيط الهادئ القائمة على المحيطات، وحتى النهوض بمحو الأمية بشأن المحيطات لتحقيق التنمية المستدامة للاقتصاد الأزرق في أفريقيا.

هناك إجماع واسع على الدور الهام الذي تضطلع به علوم المحيطات للمضي قدماً في تحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت العقد الدولي لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة في الفترة 2021-2030 بغية تعزيز البحث العلمي والابتكار التكنولوجي للحفاظ على محيطاتنا على نحو أكثر صحة واستدامة، وذلك بمبادرة تقودها لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات.

وقد أصدر الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً سنوياً عن "المحيطات وقانون البحار" في آذار/مارس 2019، أكد فيه الدور الشامل لعلوم المحيطات في بلوغ أهداف التنمية المستدامة، وهي الغاية الأساسية التي تسعى السلطة الدولية لقاع البحار إلى تحقيقها. وفي الواقع أن السلطة الدولية لقاع البحار تُعنى بتشجيع البحوث العلمية في المنطقة الدولية لقاع البحار والترويج لمخرجات مثل هذه البحوث، ناهيك عن مهامها المتمثلة في تيسير المشاركة الفعالة للدول النامية في برامج البحث والاستكشاف في أعماق البحار.

ونظراً إلى الأهداف المشتركة التي تسعى إليها كل من لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات والسلطة الدولية لقاع البحار في مجالات تحسين رسم قاع البحر وتعزيز شبكات مراقبة المحيطات، فقد قررتا توحيد جهودهما لتعزيز تحقيق هذه الغاية. فسيتسنى لكل من اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات والسلطة الدولية لقاع البحار تحقيق أهدافهما الاستراتيجية المشتركة والأهداف المرجوة من العقد الدولي للأمم المتحدة من خلال إقامة شراكات شاملة ومبتكرة وتحولية، وبالتالي تعزيز العمل على المستوى العالمي للنهوض بعلوم المحيطات لصالح البشرية جمعاء.

لا ريب في أنّ علوم المحيطات تضطلع بدور هام في إطار الجهود الرامية للحفاظ على كوكبنا. إذ يعتمد ما يقرب من 3 مليارات نسمة على أشكال التنوع البيولوجي البحري والساحلي لتلبية احتياجاتها، ناهيك عن أن المحيطات تمتص ثلث كمية ثاني أكسيد الكربون الذي تطلقه الأنشطة البشرية، الأمر الذي يسهم في التخفيف من وطأة تغير المناخ. ولكننا لا نزال وبالرغم من كل ذلك نجهل الكثير عن الآثار التراكمية التي تخلفها الأنشطة البشرية على محيطاتنا. فوفقاً لما ورد في تقرير علوم المحيطات العالمي لعام 2017 الصادر عن اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات، فإن معدل الإنفاق الوطني على علوم المحيطات يتراوح بين 0.04 إلى 4 في المائة فقط من إجمالي الاستثمار في البحث والتطوير.

في الواقع، لا يزال المحيط من أكثر المناطق غموضاً على كوكبنا. تغطي المحيطات 71 في المائة من الكرة الأرضية، لكننا لم نستكشف حتى الآن إلّا أقل من 5 في المائة منها. وتغطي المنطقة الدولية لقاع البحار العميقة 54 في المائة من مساحة المحيطات في العالم، وتعد بذلك في محور هذه الأفق الجديدة. يسهم التنوع البيولوجي الغني والودائع المعدنية الكبيرة الموجودة في قاع البحار في المضي قدماً نحو مستقبل مستدام مع كل ما يترتب عليها من فرص وتحديات. ومع ذلك، فإن معرفتنا بقاع البحار في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية لا تزال محدودة، بما في ذلك التفاعل بين الهياكل المادية والكائنات الحية في تلك المناطق.

لكن في ضوء التطورات الجديدة التي شهدناها في مجالي العلوم والتكنولوجيا، فضلاً عن الظروف الاقتصادية المتغيرة، فقد ازدادت وتيرة الاهتمام التجاري في التعدين في أعماق البحار بسرعة في السنوات الأخيرة. فقد أبرمت السلطة الدولية لقاع البحار 29 عقداً لاستكشاف المنطقة الدولية لأعماق البحار، في 22 دولة مختلفة، وتغطي هذه العقود 0.7 في المائة من مساحة قاع البحار في العالم. وتقع معظم هذه المناطق في السهول السحيقة في منطقة كلاريون كليبرتون تبلغ مساحتها 5000 كيلومتراً وسط المحيط الهادئ.

وتمثل البحوث التي أجريت في إطار هذه العقود المصدر الرئيسي للبيانات والمعارف التي تساعدنا على تحقيق فهم أفضل لعالم قيعان البحار وما فيه من نظم إيكولوجية. إذ سيتسنى لنا من خلال هذه البحوث تحديد أفضل التدابير اللازمة لحماية البيئة البحرية من تأثير الأنشطة البشرية عليها.

وتتسم هذه البحوث بأهمية كبيرة لا سيما أنّ السلطة الدولية لقاع البحار تعمل حالياً على وضع اللمسات الأخيرة على مشروع قانون التعدين في أعماق البحار. وقد عقدت سلطة قاع البحار على مدى السنوات الخمس الماضية العديد من المشاورات لوضع مشروع اللوائح، وذلك بحضور عدد من الأطراف المعنية على الصعيد العالمي من 168 من الدول الأعضاء والمراقبين من المجتمع المدني والمنظمات الدولية.

ومن هذا المنطلق، غدا التعاون الدولي أكثر أهمية من أي وقت مضى، في إطار الجهود الرامية للنهوض بالبحوث العلمية في أعماق البحار، إذ سيكفل هذا التعاون تحقيق التنمية المستدامة لمحيطاتنا. ولا بدّ من تعزيز التعاون بين مختلف الأطراف المعنية من شتى المجالات والقطاعات على جميع المستويات بغية تنمية القدرات وإيجاد حلول للثغرات الأخرى في علوم المحيطات.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الشراكة بين السلطة الدولية لقاع البحار ولجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات تجسد مثالاً حياً على الجهود المبذولة في هذا السياق. وقد اكتسبت هذه الشراكة القائمة بينهما من أجل توطيد التعاون وبناء القدرات طابعاً رسمياً عند التوقيع على مذكرة التفاهم في عام 2001. فإن العمل المشترك يكفل النهوض بالبحوث العلمية في أعماق البحار وإطلاق العنان للإمكانيات الكامنة في محيطاتنا.

وبما أننا هذا العام على وشك استهلال عقد الأمم المتحدة الدولي لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة (2021-2030)، فقد باتت الحاجة إلى وضع استراتيجيات ملموسة للاستثمار والنهوض بعلوم المحيطات أكبر من أي وقت مضى.

من منا لا يعتمد على المحيطات وما تقدمه لنا من أجل البقاء على قيد الحياة؟ ومن هنا، يجب أن نتكاتف كي نعزز قدرة الدول الأعضاء والمجتمع المدني والقطاع الخاص على سد الفجوات المعرفية وتعزيز العمل على جميع المستويات من أجل صون المحيطات التي نحتاج إليها لضمان المستقبل الذي نصبو إليه.