بناء السلام في عقول الرجال والنساء

اليونسكو تجدّد التزامها بدعم ملتقى الكتاب في الموصل

24 كانون الثاني (يناير) 2019

mosul_book_forum_1.gif

© Facebook/@摩苏尔读书论坛

استضافت اليونسكو مؤسسَي مقهى الموصل الثقافي في مقرها في باريس بهدف مناقشة فرص التعاون الممكنة في المستقبل في إطار مبادرة "إحياء روح الموصل" لليونسكو.

التقى مدير مكتب المديرة العامة لليونسكو، السيد نيكولاس كاسيانيدس، مؤسسَي المقهى الثقافي، السيّد فهد منصور الغبري والسيّد حارث ياسين عبدالقادر، بحضور المندوب الدائم للعراق لدى اليونسكو، سعادة السفير محمود ملا خلف، من أجل مناقشة فرص التعاون في المستقبل. وقد رسّخ المقهى الثقافي مكانته منذ إنشائه السنة الماضية كمحور هام للحياة الفكرية في المدينة، ومساحة يجد فيها الشباب العراقي حريته ويلتقون لمناقشة قضايا الأدب والفنون والموسيقى، الأمر الذي ينشط الحياة الثقافية والاجتماعية التي مُنعت تحت وطأة الاحتلال. ويعدّ أيضاً واحداً من الأماكن القليلة التي تنظم نقاشات مختلطة بين الرجال والنساء.

وألقى مدير مكتب المديرة العامة لليونسكو كلمة ترحيبية ركّز فيها على أهمية عمل المقهى الثقافي قائلاً: "إننا معجبون جداً بعملكم وشجاعتكم والرؤية التي وضعتموها نصب أعينكم. وإن اليونسكو عازمة على مساعدتكم. فإن مهمة إعمار الموصل واحدة من أولويات المنظمة الرئيسية، وإنّ مبادرة "إحياء روح الموصل" ولي اهتماماً خاصاً للبعد الإنساني في إطار جهود الإعمار هذه. ولا ريب في أنّ اليونسكو ملتزمة بإحياء التراث، وإنعاش الحياة الثقافية والتعليمية في المدينة، وذلك انطلاقاً من إيماننا بأنّ هذه هي الأسس الكفيلة ببناء السلام في المستقبل."

وقال السيّد فهد منصور بدوره: "إننا شابان من الموصل يحملان بين أيديهما حُلماً بأن تستعيد مدينتهم مكانتها العريقة على خارطة العالم الثقافية. ومن الضرورة بالنسبة لنا أن تنجح هذه المبادرة كي يتمكن المزيد من شباب الموصل من الانتفاع بالكتب والثقافة بشتى أشكالها، الأمر الذي يكفل لا محالة منع عودة التطرف العنايف. ومن هنا، فإننا بحاجة إلى التوعية بشأن قضيتنا على الصعيد الدولي، وحشد دعم المجتمع الدولي لشراء الكتب وترجمتها ونقلها إلينا لإحياء نشاطات المدينة الثقافية والأدبية."

وأضاف السيد حارث ياسين: "إنّ إعادة إعمار الآثار والبنية الأساسية شيء، وإحياء الفكر والعقول شيء آخر لا بدّ من التركيز عليه." وقد نظّم مقهى الموصل الثقافي خلال العام الماضي أكثر من 200 فعالية من بينها لقاءات مع كُتّاب وفنانين وموسيقيين. وقد أقام الشابان أيضاً مسابقة شعرية، وهي واحدة من أوائل المسابقات الشعرية في البلد. ويضطلع المقهى بالعديد من المشاريع مثل إنشاء مهرجان الأطفال وإقامة سينما ومركز ثقافي. ولكن كي يتسنى لهم تحقيق كل هذه المشاريع، فإنهم بحاجة ماسة إلى التمويل والدعم.

 

الاستثمار في البعد الإنساني لإعادة إعمار الموصل من خلال التعليم والثقافي

قال مدير مكتب المديرة العامة في هذا الصدد: "سنعمل يداً بيد لتحديد الاحتياجات اللازمة للمضي قدماً لتحقيق إنجازات ملموسة. فإن هذا المشروع هام للغاية بالنسبة لنا، ويتماشى بالكامل مع الأعمال التي نضطلع بها في الميدان."

تندرج مبادرة "إحياء روح الموصل" التي دشنتها المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، في شهر شباط/فبراير من العام الماضي إبان مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق، في عداد الأولويات الرئيسية التي تضطلع بها المنظمة. وتمثّل هذه الحملة أكبر عملية إعادة إعمار تلتزم بها اليونسكو في السنوات الأخيرة. وستتولى اليونسكو بدعم من الحكومة العراقية والأمين العام للأمم المتحدة مسؤولية تنسيق الجهود الدولية في ثلاثة مجالات رئيسية هي: ترميم التراث الثقافي وإعادة تأهيله، إنعاش الحياة الثقافية، وإعادة تأهيل النظام التعليمي. ويعد البرنامج أيضاً جزءاً من خطة الحكومة العراقية لإعادة الإعمار والتنمية في العراق، ومرتبط برنامج الإنتعاش والقدرة على الصمود في العراق والذي استهله الأمين العام للأمم المتحدة.

وأكد سعاد السفير ملا خلف: "إننا على قناعة بأن الموصل ستعود إلى سابق عهدها بل أقوى وأجمل مما كانت عليه من قبل."

وكان مؤسسا ملتقى الكتاب برفقة فرق منظمة Guilde européenne du Raid غير الحكومية، ونائب الرئيس هوغو ديوافرين، الذي يقدم الدعم للعديد من المبادرات المعنية لإعادة إعمار العراق.

 

روح الموصل

تعدّ الموصل واحدة من أعرق مدن العالم وأكبر المدن العراقية، التي يفوح منها عبق التاريخ وتزخر بالثقافات والمعالم الأثرية. يجسّد اسم المدينة باللغة العربية والذي يعني "نقطة الالتقاء" تاريخ الموصل. فبفضل موقعها الاستراتيجي على ضفاف نهر دجلة، كانت الموصل، على مدار آلاف السنين، نقطة وَصل بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب. وقد كانت، في العصور القديمة، مهد تعايش الآشوريين مع الروم، على غرار اليهود والفرس، في نينوى على الضفة الشرقية للنهر. وشهدت في وقت لاحق، تبادلات بين المسيحيين والمسلمين، وبين العثمانيين والعرب في المدينة القديمة التي كانت قد شُيّدت على الضفة الغربية للنهر. ولم يخلو تاريخ الموصل الطويل من النزاعات على اختلاف أشكالها، بدءاً من المجادلات الفكرية حتى الاشتباكات العسكرية. ولكنها نَعمت أيضاً بفترات طويلة ساد فيها السلام والانسجام. وقد شهدت المدينة فترات من الاستقلال السياسي والازدهار الاقتصادي والتناغم الفكري إلى جانب روح الحرية التي اتخذت من المدينة مهداً لها.

تعد الموصل واحدة من أعرق مدن العالم، وأكبر مدن العراق. وتزخر المدينة بأشكال ومعالم التاريخ والتراث والثقافة. ويفوح عبق تاريخ الموصل الاستثنائي من ثنايا المدينة القديمة التي تجسد متاحفها أمجاد العرب والآشوريين في المنطقة. ويعود الكثير من مساجدها وأضرحتها ومقابرها الإسلامية إلى القرن الثاني عشر. وكانت مدينة الموصل في ذلك الوقت عاصمة الدولة الزنكية، واشتهرت بالفنون المعدنية الرائعة، واللوحات المصغرة، والسجاد الحريري. وتحتضن المدينة أيضاً العديد من الكنائس والأديرة التي تقف شاهداً على أهمية المدينة كمركز عبادة وتعلم للمسيحيين منذ القرن الرابع بعد الميلاد على الأقل. وتحتضن المدينة سوق باب السرايا، حيث كانت تُباع التوابل القادمة من الهند والصين لما يزيد على ألف عام، وكذلك متاجر الكتب في شارع النجفي، التي تجسد بدورها شكلاً من أشكال تجارة البضائع وتبادل الأفكار التي تُثري الموصل منذ فجر التاريخ. تترع روح التسامح والابتكار والتعددية والتعايش في صميم هوية الموصب. فدعونا نمد أيدينا لأهل الموصل ونتكاتف معهم من أجل إحياء روح مجتمعهم.