لماذا نحتاج إلى عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة

10/02/2020

تكتسي المحيطات ومواردها أهمية بالغة بالنسبة إلى كوكب الأرض والمجتمع على حدٍّ سواء، غير أنها تتعرض إلى تدهور كبير ومتواصل من جراء الأنشطة البشرية ومنها الصيد المفرط والتلوث والاحترار العالمي.

وكانت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والتابعة للأمم المتحدة، قد حذّرت العالم بأسره من الآثار المدمرة لتغير المناخ على المحيطات، وذلك في تقريرها الخاص الأخير المعنون "المحيطات والغلاف الجليدي في مناخ متغير"، ودعت إلى اتخاذ إجراءات سريعة وجذرية لتحسين صحة كوكبنا بعد التدهور الذي طرأ عليها. 

ومن بين هذه الآثار المدمرة، احتمال ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر بمقدار 110 سم في نهاية هذا القرن، مما يهدد حياة 680 مليون شخص يعيشون في المناطق الساحلية الواطئة، وقد تنقرض الشعاب المرجانية في المياه الحارة بصورة شبه تامة، وبذلك تختفي معها الخدمات الحيوية التي تقدمها إلى المجتمع. ومن المتوقع أن يؤثر ارتفاع درجات الحرارة في التنوع البيولوجي ومصائد الأسماك، مما يهدد الأمن الغذائي والأعمال المرتبطة بالغذاء، ولا سيما في أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية.

وبما أنه من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، فستزداد التأثيرات التي تحدثها الأنشطة البشرية في المحيطات، ولفهم التغيرات التي تطرأ على المحيطات والتأثيرات التي تحدثها في مجتمعاتنا أهمية حيوية، إن أردنا ازدهار الطبيعة والبشرية على حدٍّ سواء.

وبعد هذه النتائج الكارثية، علينا أن نلتزم باتخاذ قرارات مدروسة، لا تستند إلى تدابير شعبوية أو قائمة على النزوات، بل إلى أفضل المعارف العلمية والتقليدية المتاحة.

ولكن إلى أي مدى هذه المعارف متاحة بالفعل؟ توصَّل التقرير العالمي لعلوم المحيطات لعام 2017، وهو التقرير الرئيسي الذي نشرته اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات التابعة لليونسكو، إلى أن علوم المحيطات تمثل نسبة تتراوح بين 0.04% و4% من إجمالي النفقات العالمية المرصودة للبحوث والتطوير.

ومن الضروري إحداث تغيير كبير في كيفية إجراء بحوث المحيطات وتمويلها، لكي نتمكّن من فهم تأثير تغير المناخ والتلوث البحري والتدهور في البيئة البحرية والمناطق الساحلية، ولكي نستخدم هذه المعارف في عكس اتجاه دورة تدهور صحة المحيطات، وفي تحسين الظروف المناسبة لتحقيق التنمية المستدامة.

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت في 5 كانون الأول/ديسمبر 2017، عن عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة (2030-2021)، الذي سيكون فرصة نادرة لتحويل علوم المحيطات إلى أداة رائدة في تحقيق التنمية المستدامة، ولاكتشاف حلول مبتكرة حتى تتمتع المحيطات بصحة أفضل وقدرة أكبر على التكيف وتكون أكثر استدامة.

رؤية العقد

سيعزز عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة، العمل على جميع مستويات المجتمع من أجل تنفيذ أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر المدرجة في خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ويتجاوز دور هذا العقد الإطار العلمي، فهو يرمي إلى تحقيق تحوّل في المجتمع عن طريق الابتكار العلمي والتكنولوجيا، من خلال إنجاز ستة أهداف اجتماعية ملموسة، وهي التالية:

  • محيطات نظيفة، حيث تُحدَّد مصادر التلوث وتُزال؛
  • محيطات صحية وقادرة على التكيف، حيث يجري حصر النظم الإيكولوجية البحرية وحمايتها؛
  • إمكانية التنبؤ بمستقبل المحيطات، حيث يتمكن المجتمع من فهم الظروف الحالية والمستقبلية للمحيطات؛
  • محيطات آمنة، حيث يكون البشر في منأى عن أخطارها؛
  • الحصول على منتجات المحيطات على نحو مستدام ومنتج، مما يضمن وجود إمدادات غذائية.
  • محيطات شفافة ومتاحة للجميع، بوجود بيانات ومعلومات وتكنولوجيات مفتوحة المصدر.

من سيشارك في هذه العملية؟

تحظى العديد من بلدان العالم بأحدث البنى الأساسية المتطورة العلمية منها والتكنولوجية، كما تتمتع بالقدرات البشرية في مجالَي العلوم والابتكار، غير أن التقرير العالمي لعلوم المحيطات أشار إلى أن معظم الفروق بين البلدان، تكمن في القدرة الوطنية المتاحة لإجراء بحوث علمية بحرية. ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية للعقد في ضمان عدم ترك أحد خلف الركب، مما يسهم في تطوير قدرات البلدان بغية إطلاق حلول مستدامة من خلال بحوث المحيطات، ولا سيما في الدول الجزرية الصغيرة النامية وأقل البلدان نمواً. وهذا العقد، من مرحلة وضع التصور له إلى التحضير له (2018-2020) ثم إلى مرحلة التنفيذ (2021-2030)، هو كناية عن عملية تشاركية تُحدث تحولاً، وتيسر التعلّم المتبادل وتقيم روابط أمتن فيما بين المجتمع العالمي للمحيطات.

وسيتطلب إنجاز هذا العقد، مشاركة العديد من الأطراف الفاعلة المتنوعة، من أجل اقتراح أفكار وحلول وشراكات وتطبيقات جديدة، مع التأكد من استفادتها جميعاً من هذه التطورات بغية تحقيقها التنمية المستدامة ذات المنفعة المتبادلة.

  • سيحظى العلماء بفرصة إثبات قيمة عملهم أمام المجتمع، مما يسهم في زيادة الاستثمار في مجالَي البحث والتطوير.
  • سيستفيد راسمو السياسات من أحدث المعارف المتاحة لاتخاذ إجراءات مدروسة تحرز تقدماً في تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030.
  • ستبتكر الشركات تكنولوجيات جديدة وتشاركها بغية إيجاد حلول تصبُّ في صالح استدامة المحيطات وبناء اقتصاد أزرق مستدام.
  • سيدعم المانحون تطوير المعارف في مجال المحيطات التي تلبي احتياجات المجتمع.
  • سيعمل المجتمع المدني على إشراك المجتمعات المحلية في تحديد الاحتياجات والأولويات الاجتماعية لعلوم المحيطات. 
  • سيحظى المواطنون بفرصة المساهمة في جمع البيانات ومشاركة المعلومات وإشراك المجتمع المحلي، وسينتفعون في الوقت نفسه من إدارة أفضل للموارد الساحلية والحدّ من الأخطار وتحسين سبل العيش.

كيف سينعدم هذا العقد التنمية المستدامة؟

سيدعم العقد التعاون الدولي اللازم لتطوير البحث العلمي والتكنولوجيات المبتكرة التي يمكنها مدُّ الجسور بين علوم المحيطات واحتياجات المجتمع، وسيسهم في الأطر الدولية القائمة والرامية إلى حماية المحيطات ومواردها، مثل أهداف التنمية المستدامة، وأهداف آيتشي للتنوع البيولوجي، ومسار ساموا لدعم الدول الجزرية الصغيرة النامية، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإطار سِنداي للحد من مخاطر الكوارث.

وترد فيما يلي التطبيقات الاجتماعية الرئيسية للمعارف الجديدة المأمول التوصّل إليها في أثناء العقد:

  • إدارة المناطق الساحلية، ولا سيما عن طريق اتباع نُهج قائمة على النظام الإيكولوجي مثل تخطيط الحيز البحري؛
  • تأقلم سكان المناطق الساحلية مع تغير المناخ؛
  • وضع اقتصاد أزرق؛
  • إنشاء محميات بحرية؛
  • إدارة مصائد الأسماك بأسلوب يحقق الأمن الغذائي ويؤمن صحة النظام الإيكولوجي؛
  • وضع سياسات وطنية للمحيطات؛
  • وضع استراتيجيات وطنية للبحث والتطوير؛
  • تنفيذ نظم الإنذار المبكر بأخطار المحيطات.

تنسيق أعمال العقد: اللجنة الدولية الحكوميو لعلوم المحيطات

فوضّت الجمعية العامة للأمم المتحدة، اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات التابعة لليونسكو، بجميع أعمال التنسيق المتعلقة بهذه المبادرة الرائدة، واللجنة هي هيئة الأمم المتحدة المسؤولة عن تنسيق علوم المحيطات على الصعيد العالمي وتعزيز تطوير الدول الأعضاء لمعارفها وقدراتها في مجال المحيطات. وتضطلع اللجنة بجملة أمور، منها تعزيز التعاون الدولي في مجال رصد المحيطات والإنذار بأمواج التسونامي وتخطيط الحيز البحري، من أجل حماية المحيطات ومنفعة المجتمع، وأوكلت إلى اللجنة مسؤولية جمع جميع الأطراف المعنية، وهي تقوم حالياً بالتشاور مع خبراء عالميين روّاد في مجال علوم المحيطات ومع بلدان ومنظمات إقليمية ومنظمات المجتمع المدني والشركات لضمان أن نتمكّن معاً من العمل على الوصول إلى المحيط الذي نحتاج إليه من أجل المستقبل الذي نصبو إليه.

وللمزيد من المعلومات عن كيفية المشاركة في هذا العقد، يرجى زيارة الرابط التالي: https://www.oceandecade.org/

 

* نُشر هذا المقال سابقاً في إيكو ماغازين