Story

"لبيروت" تبعث حياة جديدة في المنازل، في السكان، في الذكريات

27/04/2021
Beirut, لبنان

تمكّنت اليونسكو من تدعيم 12 مبنى تاريخيًا معرّضًا للانهيار، صمن مشروع تموّله ألمانيا بقيمة 500 ألف يورو. "بيتي كان كل شيء بالنسبة لي، كنت أفضّل أن أموت"، تقول حلا بستاني، وهي من السكان الذين نجوا من انفجاري المرفأ.

تعيش حلا بستاني في الرميل منذ 83 عامًا. منذ أكثر من 100 عام،  بنى والدها حنا الأشقر منزلها على تلٍّ صغير قبالة مرفأ بيروت. مبنى شيّده هذا السباك على مراحل لأطفاله، كلّما كان باستطاعته ادخار بعض النقود. أكثر من 30 عامًا تفصل اذاً بين بناء طوابق هذا المبنى اللبناني النموذجي. هنا ولدت حلا بستاني. هنا خطت خطواتها الأولى وهنا ترعرعت. حتّى أنها بقيت هنا بعد زواجها بناءً على طلب والدها. كانت هذه الأرملة التي لم تُرزق بأطفال والتي فقدت زوجها منذ 3 سنوات، تعيش في هذا المنزل سعيدة، محاطة بأقاربها، وكانت تنوي قضاء ما تبقّى من عمرها فيه. غير أنّ في ظهيرة صيف قاتمة يوم الرابع من آب (أغسطس) 2020، رأت حلا بستاني منزلها، ومعه حياتها، ينهار في غضون ثوانٍ. ان نجت بأعجوبة من الانفجار المزدوج في مرفأ بيروت، تقول حلا أنها كانت تفضّل لو ماتت يومها، على أن ترى منزلها محطّمًا.

"كان هذا المنزل كل شيء بالنسبة لي، تقول الثمانينية بصوت مرتجف. مهما قلت، لا أستطيع التعبير عمّا أشعر به اليوم. كل ما فعلناه في حياتنا، أنا وزوجي، وضعناه في هذا المنزل، وكنتُ أتمنى أن أنهي حياتي فيه. عند وقوع الانفجار، رأت حلا كرة نار تلفح وجهها، قبل أن تنهار أمام أريكتها، ساقها متضرّرة وفي عينيها زجاج. "ما زال كل شيءٍ في جسمي يؤلمني وأزور الأطباء بانتظام، وتراودني كوابيسٌ كل ليلة، تشكو حلا.  لكن الأصعب في سنّي هو الانتقال من منزل إلى منزل عند الأقارب. لم يبق شيء في منزلي. رفعنا ذكرياتنا محطّمة عن الأرض". من اللحظات التي تلت الحادثة، لا تتذكر حلا شيئًا. "تعثرت ذاكرتها، يوضح إدواردو، زوج ابنة أخيها. استغرق الأمر 45 دقيقة لنخرجها وشقيقة زوجها من المبنى بين الأنقاض. كان المشهد مروّعًا. ثلاثة اشخاص لقوا حتفهم في المبنى المجاور. لم نتمكن من أخذ أغراضنا إلا بعد بضعة أيام، وعاشت حلا في حالة إنكار لأشهر، معتقدة أنها ستعود إلى المنزل قبل عيد الميلاد. هذا المبنى ذو الأثاث الأثري كان منزل العائلة الذي كنّا نجتمع فيه. همّنا اليوم أن نعيش فيه مرّة أخرى، وقد أعطتنا اليونسكو الأمل!"

© UNESCO

مُحدّداً من قبل اليونسكو والمديرية العامة للآثار (DGA) في لبنان كواحد من 12 مبنى تاريخي ذي أولوية ومعرّض لخطر الانهيار في مناطق الرميل والمدوّر والصيفي، المبنى الذي تعيش فيه حلا تم ّتدعيمه وتغطيته من قبل اليونسكو، بفضل تمويل من وزارة الخارجية الألمانية قدره 500000 يورو، وفي إطار "لبيروت" ، مبادرة اليونسكو الرئيسية. "بنايتنا آمنة ولم تعد معرّضة لخطر الانهيار، يؤكّد إدواردو. يمكننا الدخول إليه دون خوفٍ اليوم". وتقول حلا: "عندما جاء فريق اليونسكو، انتعشت روحي. بفضلهم، لديّ أمل ضئيل في العودة إلى المنزل، ولا أطلب الكثير. قطع أثاث قليلة تكفيني".

أعمالٌ صعبة

من بين المباني المدرجة في المشروع المموّل من ألمانيا، والتي كانت أول دولة تستجيب لنداء “لبيروت” ، مبنىً في الرميل اشتهر بشكل مشؤوم في أعقاب التفجيرين، بعد أن قضى فيه رجال الإنقاذ أيامًا بحثًا عن ناجٍ محتمل تحت الأنقاض. عمليّة بحث أسرت لبنان حين قام كلب بوليسي يدعى فلاش بادراج عمّال الإنقاذ إلى المبنى، واعطاء بصيص أملٍ للبنانيّين بعد شهر من الكارثة، دون أن يعثر الباحثين على ناجين. يوضح ميشال شلهوب، المهندس الاستشاري المسؤول عن تدعيم المبنى، أنّ "المبنى التاريخي كان الأكثر تضرراً في تفجيري المرفا". "قيل لنا في البداية أنّه من الأفضل هدم البناء وإعادة بناء كل شيء من الصفر. وكان نصف المبنى منهارا ًحتى على الشارع الرئيسي والنصف الاخر معرّضاً للسقوط ايضا". ويضيف ميشال شلهوب: "كان العمل على هذا المشروع، RMEIL 733، محفوفًا بالمخاطر من حيث السلامة، وقد تحرّكت  الكتل الخرسانية أثناء العمل. كان من الضروري التنظيف والفرز بدايةً، وكان لابد من الاحتفاظ ببعض الحجارة. في الوقت نفسه، قمنا بأعمال التدعيم والتغطية لحماية الناس وحماية المبنى خلال فصل الشتاء".

© UNESCO

بالفعل، كانت هناك حاجة ماسّة إلى أعمال التدعيم مع اقتراب موسم الأمطار. كون غالبية المباني التاريخية الاثني عشر المعرضة لخطر الانهيار مملوكة ملكية خاصة، كان خطر التحسين أيضًا مرتفعًا، أي خطر هدم هذه المباني واستبدالها بهندسة معمارية جديدة من شأنها تغيير الهوية التاريخية لبيروت. وقد دفع ذلك اليونسكو إلى تسريع العمل بين ديسمبر 2020 ومارس 2021، تحت إشراف الخبراء، بعد أن أكمل صندوق التراث في حالات الطوارئ التابع لليونسكو التوثيق الفني قبل بدء الأعمال.

© UNESCO

على بعد بضع مئات من الأمتار من موقع  RMEIL 733، في شارع أرمينيا في مار مخايل، مبنى آخر قد استعاد شيئاً من أمجاده السابقة. منزل نموذجي في بيروت من أواخر القرن التاسع عشر، مع متاجر مقببة وواجهة من ثلاثة قناطر وشرفات من الرخام مدعومة بدرابزين من الحديد المطاوع. السقف المنحدر، المصنوع بالكامل من خشب القطراني ، يحمل قرميداً مرسيليا أحمر جميل لا يزال محطّماً. تطلّب هذا المشروع الضخم أعمالاً طويلة ومعقّدة في إطار مشروع اليونسكو، الى حين تأمين أموال جديدة لترميم المبنى الذي تم إنقاذه. خلف هذا المبنى، مطعم قد أُغلق بعد مأساة المرفأ، وهو على وشك إعادة فتح أبوابه بعد أن أصبح المبنى آمناً. "مشروع "لبيروت" أفاد المارّة والجيران والمجتمع، يقول صاحب المطعم. وهو منحنا الشجاعة للمستقبل. لقد تأثرنا جدّاً بالمأساة وتكبّدنا خسائر فادحة تجاوزت 300 ألف دولار. الألم عظيم، لكننا سنفتح أبوابنا مرّة أخرى ونحن صامدون. وبما أن زبائننا يشكّلون ثلث زوّار مار مخايل، فإنّنا نأمل أن تعطي عودتنا الحياة لهذه المنطقة المنكوبة".

 

"لبيروت" نداء دولي لجمع التبرعّات أطلقته المديرة العامة لليونسكو من بيروت في أعقاب تفجيري المرفأ، في 27 آب 2020، لدعم إعادة تأهيل المدارس والمباني التراثية التاريخية والمتاحف والمعارض والصناعة الإبداعية، والتي تعرّضت جميعها لأضرار جسيمة.

 

© UNESCO