News

لبيروت: لمحة عن المبادرات التي قادتها اليونسكو للحفاظ على تراث لبنان وثقافته، بعد مضيّ عام على انفجار مرفأ بيروت

09/08/2021

في ظل الأزمات، غالبًا ما تُغفَل الثقافة في المساعدات الإنسانية. لكنّ الثقافة هي جوهر المجتمع قلبًا وقالبًا، وركيزة للتماسك الاجتماعي، ومخزن للقيم المشتركة التي تعزز العمل الجماعي والتعافي. وينطبق ذلك بشكل خاص على العاصمة اللبنانية، وهي مدينة متوسطية تتمتع بثقافة نابضة بالحياة يغنيها تنوُّع المجتمعات المحلية المقيمة في البلاد وتعدُّد التأثيرات الثقافية.

وبناءً على هذا الأساس المنطقي، تحشد اليونسكو المجتمع الدولي عن طريق مبادرة لبيروت التي أطلقتها بعد انفجار مرفأ بيروت مباشرة لدعم إعادة تأهيل المدارس والمباني التراثية والمتاحف وصالات العرض والاقتصاد الإبداعي. ولا يقتصر عمل اليونسكو وشركاؤها على إنقاذ التراث المبني والحرص على إبقاء ذكرى بيروت في الحفظ والصون فحسب، بل يشمل أيضًا المساهمة في تعزيز حماية بيروت وإدارة التراث الحضري المتضرر ودعم الإبداع لإنعاش الحياة الثقافية في العاصمة اللبنانية. 

حشد الشركاء وتنسيق الدعم

تدعم مبادرة لبيروت، بالتعاون مع الشركاء اللبنانيين، بما في ذلك المديرية العامة للآثار والمنظمات غير الحكومية والخبراء،المتاحفَ وصالاتِ العرض والفنانين والحرفيّين الذين كانوا يعانون – حتى قبل انفجار المرفأ – من آثار جائحة كوفيد-19 وأزمات اجتماعية واقتصادية شديدة. وتنسّق اليونسكو دورات تدريبية وأنشطة لبناء القدرات الفنية، كما أنّها،  بفضل شبكة شركائها الواسعة التي تشمل الألكسو والتحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع (ألف) والمركز الإقليمي العربي للتراث العالمي واللجنة الدولية للدرع الأزرق والمركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية والمجلس الدولي للمتاحف (ICOM) والمجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) والإيسيسكو والاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات والصندوق العالمي للآثار والتراث، توفّر المساعدة لقطاع الثقافة. ينبغي أن يعمل المجتمع الدولي جنبًا إلى جنب مع السلطات اللبنانية والشعب اللبناني. واليونسكو تدأب لتنسيق المساعدات لضمان وصولها إلى مَنْ يحتاجها وتجنُّب الازدواجية والتكرار في العمل. وقد أُعِدَّت خارطة طريق دولية مشتركة بتنسيق اليونسكو لمساعدة بيروت على التعافي من خلال الثقافة. وتحدد خارطة الطريق هذه الأهداف القصيرة والمتوسطة والطويلة الأجل وتتضمن 15 إجراءً للتدخلات الفورية الطارئة لإصلاح التراث المبني والمتاحف والمستودعات وإعادة تأهيلها، ودعم الفنانين والحرفيين، والحفاظ على التراث الثقافي غير الملموس.

إنقاذ التراث المبني وذاكرة بيروت

شارك كل من اليونسكو وجمعيةُ إبساد واللجنةُ الدولية للدرع الأزرق واللجنةُ اللبنانية للدرع الأزرق والمركزُ الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية وخريجو مركز الترميم في الجامعة اللبنانية والمجلسُ الدولي للمعالم والمواقع المديريةَ العامةَ للآثارِ في تقييم الأضرار التي لحقت المباني التاريخية وجَرْدِها، ما ساعد في تحديد 640 مبنى تاريخيًا يحتاج إلى تدخلات عاجلة من أصل 8,000 مبنى تأثر من الانفجار.

وبفضل صندوق حماية التراث في حالات الطوارئ، كانت اليونسكو من الأوائل الذين بدؤوا أعمال الترميم، فقد ساهمت في تثبيت مبنيين، أحدهما فيلّا بستاني المشهورة، وهي عبارة مبنى سكني أرستقراطي تم تحويله إلى معرض فني. هذا وأتاحت المساهمة الألمانية السخية لليونسكو تثبيت ودعم 12 مبنى تاريخيًا إضافيًا.

© UNESCO

وبدعمٍ من صندوق اليونسكو لحماية التراث في حالات الطوارئ وبالتعاون مع المديرية العامة للآثار وشركة ICONEM الفرنسية، وثّقت اليونسكو التراث الحضري والثقافي المتضرر في بيروت لتسهيل عملية إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد مسند جغرافيًا لثلاث مناطق بيروتية تاريخية: الجميزة ومار مخايل والكرنتينا. وتم تسليم هذه الأداة الجديدة للمدير العام للمديرية العامة للآثار، الدكتور سركيس خوري، في 2 آب/أغسطس 2021، بحضور المندوبة الدائمة للبنان لدى اليونسكو، السفيرة سحر بعاصيري. وقد أتاح إعداد هذه الأداة، التي ستوجّه عملية إعادة تأهيل المساحات الثقافية الحضرية والمباني التاريخية المختارة، فرصة لتدريب الشباب من المديرية العامة للآثار.

وقال الدكتور سركيس خوري "نحن نعمل على تحسين تقنيات فريقنا من خلال تبادل الخبرات. والتكنولوجيا هي جزء من عملنا، ونحن بحاجة إلى توثيق جميع العمليات بشكل جيّد. وأعربت العديد من المؤسسات، بما في ذلك الجامعات الكبرى، عن رغبتها في استخدام هذا النموذج".

وسيساعد النموذج أيضًا على دمج المشاريع المصممة لإنعاش الحياة الثقافية في المدينة والحفاظ على تراثها الثقافي غير الملموس، وهي مكونات اساسية لاستئناف الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الأحياء المتضررة وفي جميع أنحاء العاصمة اللبنانية.

© UNESCO

لا تنتهي الجهود الرامية إلى دعم لبنان هنا. إذ تدعم اليونسكو، بتمويل من إيطاليا وبناءً على التدخلات المستمرة التي يقوم بها التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع (ألف)، إعادة تأهيل متحف سرسق، هذا المَعْلَم المعماري الفريد الذي ينبغي أن يُعاد افتتاحه نظرًا إلى وظائفه التعليمية والثقافية والاجتماعية الهامة.

© UNESCO

التخطيط لتعزيز حماية وإدارة التراث الحضري في المناطق المتضررة

لدعم المديرية العامة للآثار في تنفيذ القانون الصادر في تشرين الأول/أكتوبر 2020 الذي ينص على تجميد بيع وإعادة توزيع حقوق الملكية، وفي إعداد خطة عمل لحماية التراث الحضري في المناطق المتضررة من الانفجار، دعت اليونسكو إلى إعداد إطار تشريعي وتنظيمي مستدام لحماية التراث ودَعْمِه بتدابير مساعِدة.

وفي هذا الإطار، تتعاون اليونسكو مع مختبر المدن التابع للجامعة الأمريكية في بيروت لمسح الطبقات المختلفة من التراث الحضري في المدينة لإرشاد عملية إعداد خطة العمل. وتستعد اليونسكو أيضًا لإطلاق مشروع جديد مع المعهد الفرنسي للتخطيط العمراني، Institut d'Aménagement et d'Urbanisme de la Region d'Ile-De-France، لتعزيز الإجراءات القانونية لحماية التراث المبني في لبنان والنسيج العمراني فيه. وبفضل هذه المشاريع المتكاملة، تيسّر اليونسكو تحليل مفصّل للوائح الحضرية، وسياسات الحفاظ على التراث وإدارته، واحتياجات التنقل والنقل، والمساحات الخضراء والمناظر الطبيعية، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية.

إنعاش الحياة الثقافية ودعم الإبداع

لا يتألف التراث المتضرر من انفجار المرفأ في بيروت من المواقع والمعالم والأماكن الثقافية فحسب، بل يشمل أيضًا الفن والصناعات الإبداعية. فقد أثّر الانفجار على دور السينما وصالات العرض والمسارح والمتاحف واستوديوهات التسجيل والمساحات الثقافية ودمرها. وفَقَدَ العديد من الفنانين والموسيقيين والحرفيين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الأدوات الحرفية والمرافق التي يحتاجونها للقيام بعملهم. وسعيًا لدعم الفنون والإبداع وتشجيع المبدعين على البقاء في لبنان، صممت اليونسكو مشروعًا فريدًا لإنعاش الحياة الثقافية في البلاد. فأطلقت مهرجان ترداد الذي امتد على 3 أيام في الفترة بين 2 و4 تموز/يوليو 2021، وشارك فيه أكثر من 3,000 شخص. وشهد المهرجان استئناف الأنشطة الإبداعية في بيروت، وشكّل فرصةً للتعافي من صدمة الأزمة، وساعد الناس على الإحساس أنّ الحياة تعود إلى طبيعتها.

© UNESCO

ودعمت اليونسكو وشركاؤها الصناعة الإبداعية في بيروت، ولا سيما قطاعها الأدبي الغني الذي أَكْسَبَ العاصمة اللبنانية تصنيف "مدينة مبدعة في الأدب" في عام 2019. ومنذ إطلاق مبادرة لبيروت، أطلقت المدن المبدعة حول العالم مبادرات للتضامن مع بيروت ودعمها.

مر عام على انفجار المرفأ الرهيب وولّت مرحلة الاستجابة الفورية. ولكنّ الطريق طويل أمام بيروت لتتعافى كليًا من هول الكارثة. ولم تنتهي عملية إعادة تأهيل المباني التاريخية والمنازل والمناطق الحضرية بعد. وتحتاج المساحات الثقافية إلى الإصلاح لتعيد فتح أبوابها. وتدعو الحاجة إلى ترميم الأعمال الفنية والقطع الثقافية، ودعم المهنيين الثقافيين والممثلين. كل هذه الأمور ضرورية لإنعاش الحياة الثقافية في بيروت وإمتاع جميع سكانها وحثهم على المشاركة. أشار السيد إرنستو أوتون، المدير العام المساعد لقطاع الثقافة في اليونسكو، إلى أنّ التحديات لا تزال ماثلة أمامنا وأنّ من الضروري أن يتّحد جميع الشركاء لتجاوزها. وأضاف أنّ اليونسكو ستواصل دعمها للبنان والشعب اللبناني وستعمل مع جميع الشركاء المحليين والدوليين لمساعدة بيروت في رحلتها نحو التعافي. فالشراكة هي بالفعل مفتاح النجاح.

© UNESCO