بناء السلام في عقول الرجال والنساء

إحياء أشكال الإبداع في الموصل: "من خضم الأزمة، سوف تنبثق أزهى الفنون"

16 آيار (مايو) 2019

تجولت السيّدة بسمة الحسيني في شوارع الموصل حيث شاهدت بأم عينها الناس والأماكن المنكوبة جرّاء النزاعات التي عصفت بالمدينة. تجسّد السيدة بسمة خبرة ثلاثين عاماً في المجال الثقافي. وتشغل اليوم منصب المديرة الثقافية لمنظمة "العمل للأمل" التي أنشأتها في عام 2013 بغية تسخير الثقافة لتمكين السكان المهمشين والمستضعفين٬ في كل من لبنان والأردن ومصر. وقد توجهت بسمة الحسيني٬ كعضو في فريق خبراء اليونسكو لتنفيذ اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي (2005)، إلى مدينة الموصل العراقية المثقلة بآثار النزاعات التي شهدتها، لتنفيذ مشروع مموّل من صندوق اليونسكو لحماية التراث في حالات الطوار، وتقييم احتياجات المدينة ودعم إنعاش القطاعات الإبداعية.

وقالت السيّدة بسمة إن الموصل "خالية من أيّ مسرح أو سينما أو أي مجمع ثقافي"، وإن المدينة بحاجة إلى كل هذه الأمور. فإنّ سنوات الحرب التي اجتاحت الموصل لم ترحم  البنى الأساسية الثقافية في المدينة. وإن مدى الدمار الذي شهدته الموصل أكبر بكثير مما شهدته منظمة "العمل للأمل" إذ "تشير التقديرات إلى أن الدمار الذي لحق بالموصل يوازي الأضرار التي لحقت بمدينة حلب". وهناك أيضاً نقص عام بأشكال التكنولوجيا الحديثة٬ إذ قالت السيدة بسمة: "لم يكن أي من المسؤولين في الموصل يستخدم رسائل البريد الإلكتروني. واكتشفنا أن الفنادق لا تمتلك حسابات مصرفية، فكان علينا دفع جميع الحجوزات نقداً مقدماً. وستعوق هذه الظروف تنظيم حلقات العمل في المنطقة. ولاحظنا أيضاً غياباً كبيراً للخبراء الثقافيين في المدينة بسبب الهجرة الجماعية للمواهب على مر السنين. ولا يوجد أي منظمة من منظمات المجتمع المدني في مجال الثقافة كي نتخذ منها شريكاً لنا في مشاريعنا في المدينة". ومع ذلك، لم تسمح السيّدة بسمة للصدمة بإحباط مساعيها٬ وقالت: "علينا أن ندرك أنّ الموصل خرجت من حرب لا تقتصر على السنوات التي قضتها تحت سيطرة تنظيم "داعش"، إذ بدأت معاناة المدينة منذ عام 2003."


©اليونسكو

لم يمرّ سوى عامان على تحرير الموصل ولا تزال المدينة أمام درب طويل لتحقيق الانتعاش. ففي شهر آذار/مارس 2019 ، كان عدد النازحين داخلياً من سكان الموصل قرابة 305 ألف نسمة. واقتصرت موجات السكان العائدين إلى المدينة على الجزء الشرقي منها، في حين أن الجزء الغربي، الذي تكبّد أضراراً أكبر بكثير قدّرت بنسبة تزيد عن 50 في المائة في بعض المناطق السكنيّة، لا يزال خالياً من السكان إلى حد كبير. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا٬ ما الذي يجعل من الإنعاش الثقافي من ضمن الأولويات الواجب مراعاتها في حين أنّ الآلاف لا يزالون يعيشون في منازل لا سقوف لها؟ "من الضروري منح السكان الشعور من جديد بطعم الحياة الطبيعية وهم لا يزالون في مرحلة التعافي من الصدمة التي انتابتهم جرّاء ما اقترفه تنظيم "داعش". فوفقاً لنظريات علم النفس، تتسم استعادة السلوكيات المنتظمة في الأماكن العامة بأهميّة كبيرة. فإن قضاء أمسية موسيقية على سبيل المثال يمكن أن يعيد للسكان الشعور بالأمن وكأن المياه عادت إلى مجاريها. ”يمكن للثقافة أيضاً تضميد جراح المدينة المقسمة. "يعدّ العمل الثقافي في الجزء الغربي من المدينة بالتحديد أمراً بالغ الأهمية كون الناس بحاجة إلى استعادة أواصر الصلة بينهم وبين هذا الجزء من المدينة. لكن الجزء الغربي لا يزال حتّى الآن منكوباً وخالياً من أي شكل من أشكال الحياة. ووصفته السيّدة بسمة بأنّه "مهجور ومخيف". وأكدت أنّه بمقدور البرامج الثقافية تمكين النساء والفتيات أيضاً، إذ قالت "آمل أن أضم الشابات إلى فريقنا لتشجيع المزيد من النساء على الانخراط في العمل الثقافي. لكن ستكون هذه المهمّة بمثابة تحدّ كبير كون النساء نادراً ما يشغلن مناصب قيادية. "إن الآمال الكبيرة التي تعلقها السيدة بسمة على الثقافة باعتبارها ركناً أساسياً لتحقيق السلام هي ذاتها الآمال التي يقوم عليها صندوق اليونسكو لحماية التراث في حالات الطوارئ، الذي أنشئ٬ بفضل الدعم السخي من قبل مجموعة من المانحين، للتصدي لتزايد الهجمات المباشرة والمتعمّدة ضد الثقافة خلال أوقات النزاع، على غرار ما حدث في العراق.

لكن الأنقاض التي أحاطت بالسيدة بسمة من كل حدب وصوب لم تحجب عن ناظريها الأمل الذي لا يزال حياً في المدينة، "فمن خضم الأزمة، سوف تنبثق أزهى الفنون" كما وصفت السيدة بسمة شعورها هناك مؤكدة ثقتها من أن ذلك سيحدث. وأضافت في هذا الصدد: "لقد بدأ الشباب بالفعل بالإبداع وإحياء المدينة. ويوجد اليوم في الموصل مقهيان ثقافيان. وقد قابلت مطربين يؤلفون موسيقاهم، وشباباً يتعلمون المقامات الموسيقية من كبار السن، الذين يعدون بمثابة أوصياء على هذا الإرث الموسيقي العريق. وقد عملت منظمة "العمل للأمل" مع "شابة في غاية الذكاء" ترى فيها السيدة بسمة الحسيني الشخص الذي سيحمل شعلة إنعاش القطاع الثقافي في المدينة. وتتمثل رسالتها في "بناء القدرات بسواعد العراقيين أنفسهم، وذلك بالطبع بمساعدة نخبة مع خبراء آخرين من المنطقة العربية٬ الذين ذاقوا هم أيضاً من نفس الكأس التي ذاق منها أهل الموصل، إلّا أن ما مرّت به الموصل من نزاعات عنيفة وطويلة لم يمر على أي من المناطق الأخرى. "ويعد التعاون مع المركز العراقي المستقل للسينما مثالاً على تشاطر الخبرات هذا، وسيقوم المركز بتنظيم حلقات عمل عمل في مجال صناعة الأفلام على مدار 8 أيام لتدريب رواة القصص المرئية في الموصل. تعتبر السيّدة بسمة أنّ "الثقافة عامل محفز وهمزة وصل بين الناس". وتعتقد أن الخطوة الأولى تتمثل في "تدريب الناس على إدارة المشاريع الثقافية".