فوز العالمتين جينيفر دودنا وايمانويل شاربنتير بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2020

07/10/2020
03 - Good Health & Well Being

ازت العالمتان دودنا وشاربنتير بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2020 لتطويرهما تقنية كريسبر-كاس (CRISPR/Cas9) أي "المقص الجيني"، وهي واحدة من أدق تقنيات التحرير الجيني. إذ قدّمت كل من البروفيسورة شاربنتير، الحائزة على جائزة لوريال-اليونسكو للنساء في مجال العلوم عن منطقة أوروبا للعام 2016، والبروفيسورة دودنا، الحائزة على نفس الجائزة في نفس العام عن منطقة أمريكا الشمالية، أفكاراً ثاقبة أدّت إلى ابتكار تقنية غير مسبوقة شغلت المجتمع العلميّ أجمع. ومن شأن الاكتشاف الذي توصلتا إليه إحداث ثورة جذرية في مجال البحث الجيني، وتمكين العلماء من إجراء عمليات في غاية الدقة على الحمض النووي، أي المادة الوراثية للنباتات والحيوانات والإنسان. وأثمر التعاون الذي جمع بين العالمتين عن ابتكار طريقة سهلة لتنقيح الشيفرة الجينية لأي كائن حي. وتمكّن هذه التقنية المعروفة باسم "المقص الجيني" العلماء من استئصال أو إدخال أجزاء من المادة الوراثية بدقة متناهية. ويمكن استخدامها أيضاً لتعطيل جينات أو تصحيح الاختلالات الجينية أو إدخال الجينات لمحاكاة الأمراض البشرية الجينية على الحيوانات المخبرية. 

ولا تزال براعم فهمنا لهذه التقنية الاستثنائية في طور التفتّح. وتستطيع تقنية "كريسبر/كاس9" الوصول إلى التسلسلات الجينية المطلوبة مباشرةً وبدقة عالية، وتفتح أفقاً غير مسبوقة في مجالات عديدة مثل العلاج الجيني والعلاج بالخلايا والعلاج المناعي، وكذلك في مجال الزراعة والتكنولوجيا الحيوية. وتوفر أيضاً وسائل غير معهودة في مجال ابتكار الأدوية وتعزيز إمكانية العمل على استئصال أجزاء الحمض النووي المسببة للأمراض كتلك الموجودة في خلايا الرئتين عند الأطفال المصابين بالتليّف الكيسي أو عضلات الأشخاص المصابين ببعض أنواع الحثل أو الضمور العضلي. وبالفعل، استُخدمت هذه التقنية لإنقاذ حياة طفلٍ مصاب بنوعٍ مستعصٍ من سرطان الدم، وكذلك لتقوية النظر لمرضى يعانون من التهاب الشبكية الصباغي، وهو مرض وراثي. وإن القادم بلا شك أعظم.

التعاون مفتاحُ العلم الحديث

"إنّ هذا الإنجاز الكبير خيرُ مثالٍ على ما يمكن للعلماء تحقيقه بتعاونهم".

أجرت الباحثة المرموقة في علم الأحياء وعلم الوراثة، البروفيسورة شاربنتير، أبحاثاً لبعض الوقت على نوع من أنواع البكتيريا المعروفة بالتسبب بالتهاب الحلق عند الإنسان والمعروفة علمياً بـاسم "Streptococcus pyogenes". وفُتِنت شاربنتير تحديداً بالطريقة التي تدافع فيها هذه البكتيريا عن نفسها ضد أنواع من الفيروسات المتخصصة بمهاجمة البكتيريا. أما البروفيسورة المرموقة دودونا، المنخرطة في علم الأحياء البنيويّ، فلطالما برعت في مجال فهم الحمض النووي الريبوزي (RNA)، وهو ابن العمّ الجزيئيّ للحمض النووي DNA)). وأوكِل إليها في العام 2015 دراسة تجمعات "كريسبر" التكرارية والمثيرة للاهتمام من الحمض النووي في البكتيريا.

تجاوز حدود الدول والتخصصات جزء هام من بحوث العلماء اليوم، وذلك من أجل فتح الأفق لتساؤلات جديدة والإجابة عليها

البروفيسورة ايمانويل شاربنتير

طلبت البروفيسورة شاربنتير من البروفيسورة دودنا التعاون معها في العام 2011، بعد أن كانت شاربنتير قد نشرت بحثاً هاماً يكشف قدرة البكتيريا على تلقيح نفسها بفعالية ضد أنواع من الفيروسات التي سبق لها أن واجهتها باستخدام نظام "كريسبر-كاس" المناعي. وقام التعاون الذي جمع بينهما على المعارف العميقة التي قدّمتها دودنا في مجال الحمض النووي الريبوزي، والأفكار الثاقبة التي قدّمتها شاربنتير بشأن هذا النظام. ونشرت العالمتان النتائج التي خلصتا إليها ووضّحتا أنه يمكن تكييف الأداة التي تستخدمها البكتيريا لتعطيل الجينات الغازية القادمة من الفيروس، وتسخيرها كأداة تحرير دقيقة وبرمجتها للعمل على التسلسلات الجينية في الخلايا والكائنات الحية.

كان التعاون سبباً رئيسياً من أسباب نجاح بحثي العلمي طيلة مسيرتي العملية. فإنّ فِرق البحث متعدّدة التخصصات تضطلع بدورٍ أساسيّ في إحداث أي تقدم جذريّ في أي مجال. ولا شكّ في أنّ التعاون مفتاح البحث العلمي الحديث.

البروفيسورة جينيفير دودنا

حازت العالمتان في العام 2016 على جائزة لوريال-اليونسكو للنساء في مجال العلوم، والتي تقدّم سنوياً لخمس عالمات متميزات تقديراً لإنجازاتهن العلميّة. وكانت العالمتان دودنا وشاربنتير أول ثنائي بحثي يحصل على هذه الجائزة في العام 2016، الأمر الذي سلط الضوء للمرة الأولى على أهمية التعاون لإيجاد حلول مبتكرة. وفي هذا السياق، من شأن الغوص في المجالات العلمية بمزيد من الدقة والتعقيد المتزايد في مجال البحث تحفيز العلماء للتعاون فيما بينهم لتشييد إنجازات عظيمة أكبر من حصيلة أجزائها.
 

ولا تبخل البروفيسور شاربنتير بوقتها على أحد، وتساعد غيرها من العلماء في فهم استخدام تقنية "كريسبر-كاس" في بحوثهم. ونتيجة لذلك، انتشر استخدام هذه التقنية في المجتمع العلمي كانتشار النار في الهشيم، الأمر الذي أحدث ثورة جذرية في مجال البحث الجيني.

وسرعان ما أدركت العالمتان أن التحرير الجيني يثير مخاوف أخلاقية محتملة. ومن جهتها، سارعت دودنا إلى تأكيد تفهمهما لهذه المخاوف والمبررات المشروعة لطرحها على طاولة النقاش. وفي هذا السياق، أشارت بالتحديد للمخاوف المحتمل نشوبها جراء العملية المعروفة باسم "تحرير السلالات الناشئة"، والتي من شأنها التأثير في الأجيال المستقبلية من خلال تحرير تسلسلات جينية في الحيوانات المنوية أو البويضات.

لبروفيسورة ايمانويل شاربنتير

البروفيسورة جينيفير دودنا

تقنية كريسبر : سلاحٌ ذو حدّين

تهاجم بعض أنواع الفيروسات البكتيريا، وتغزوها ثم تستخدمها لتتكاثر، لكن البكتيريا تستطيع مقاومتها باستخدام "المقص الجيني". إذ تقوم البكتيريا بنسخ جزء من الحمض النووي للفيروس الغازي، والاحتفاظ به كنموذج لحمضه النووي، وذلك في جزء من حمضها النووي المعروف باسم "كريسبر"، وتحوي هذه الجزئية على العديد من النماذج المماثلة. وإن هذه العملية أشبه ما تكون بلصق الطوابع على بطاقات التطعيم الخاصة بالأطفال، إذ توثق بفعالية مناعة البكتيريا ضد أي فيروس من تلك الفيروسات بفضل النماذج التي تحتفظ بها من حمضها النووي. وفي حالة العدوى الفيروسية في المستقبل، تتعرّف البكتيريا على تسلسل الحمض النووي للفيروس الغازي وفقاً للنماذج المحتفظ بها وتستخدمها على الفور كقوالب لتصميم جزيئات مماثلة من الحمض النووي الريبوزي وإرسالها لقص الأجزاء المراد التخلص منها.

وهكذا نكون قد تعرفنا على المنهجية الأساسية التي يعمل بها نظام البكتيريا المناعي المضاد للفيروسات والعالي الدقة، ويتفعّل هذا النظام لاحقاً بإضافة أجزاء صغيرة وأساسية من الحمض النووي الريبوزي مشفوعاً بأحد البروتينات المحفّزة في البكتيريا والمعروف باسم كاس 9. وكما لو كان صاروخاً موجهاً، يجري هذا المركّب مسحاً للحمض النووي للفيروس الغازي للبحث عن التسلسل الجيني المطابق للنماذج التي سبق وحفظتها البكتيريا. وعندما يتعرف السلاح على هذه التسلسلات الجينية، حينها فقط يستطيع البدء بالعمل كمقص جيني، إذ يقوم بقصّ التركيب اللولبي المزدوج للفيروس بدقّة متناهية، معطباً إيّاه للأبد.

تجدر الإشارة إلى أنّ جوائز اليونسكو-لوريال للنساء في مجال العلوم تُقدّم لخمس نساء عالمات سنوياً تكريماً لإنجازاتهنّ العلمية.

وتصبو اليونسكو ومؤسسة لوريال من خلال هذا البرنامج إلى تكريم العالمات اللاتي تضجّ مسيرتهنّ المهنيّة بإسهامات بارزة كفيلة بالتغلّب على التحديات التي تواجه العالم في يومنا هذا. وتمثّل النساء اليوم 30٪ فقط من مجموع عدد الباحثين في العالم. وتتسبب القوالب النمطية في إخفاء جزء كبير من التاريخ العلمي، وكذلك في استمرار أوجه عدم المساواة بين الجنسين فيما يتعلق بالالتحاق بالتخصصات العلمية والعمل في هذا المجال لاحقاً. النساء نصف البشرية، ولا يمكننا حرمان أنفسنا من مواهبهنّ: فبالنساء تعلو راية العلم، وبالعلم ينهض العالم.