Story

60 ألف صورة لإنقاذ تراث بيروت المعماري

15/04/2021
Beirut, لبنان

بتمويل من صندوق التراث لليونسكو في حالات الطوارئ (HEF)، يعدّ مشروع التوثيق الثلاثي الأبعاد جزءًا من مبادرة اليونسكو الرئيسية "لبيروت". وهو بحسب الخبراء خطوة حاسمة على طريق إعادة إعمار العاصمة اللبنانية.

توثيق على مستوى المليمتر لدمار تراث بيروت الثقافي والمعماري، عقب تفجيري المرفأ في 4 آب 2020، هذا الرهان الهائل الذي أطلقته اليونسكو لإنقاذ المدينة ومبانيها التاريخية، والتي تعود إلى أيام الانتداب الفرنسي والعهد العثماني. بتمويل من صندوق التراث لليونسكو في حالات الطوارئ (HEF)، تمّ تنفيذ مشروع التوثيق الذي أُطلق في سبتمبر2020 من قبل الشركة الفرنسية الناشئةICONEM، بالشراكة الوثيقة مع المديرية العامة للآثار في لبنان، وكجزء من مبادرة اليونسكو الرئيسية "لبيروت". توثيق طارئ سيؤدّي إلى خلق نموذج جغرافي ثلاثي الأبعاد للعاصمة اللبنانية، والذي سيكون حاسمًا على أكثر من مستوى في عملية إعادة بناء المدينة.

يوضح جو كلّاس، المرمّم المعماري المتخصّص في التوثيق ثلاثي الأبعاد للآثار والمواقع التاريخية، والمسؤول عن المشروع معICONEM : "إنّ صنع نموذج ثلاثي الأبعاد يشبه إنشاء توأم رقمي للواقع، مع كل القوام والأضرار. سيحافظ هذا النموذج على المدينة في وضعها الحالي في حال حدوث مزيد من الأضرار، بما أنّ عملية إعادة الإعمار بطيئة للغاية. كما أنه يسهّل جميع تقارير التقييم والتحليل الإنشائي للمهندسين المعماريين حين يبدأون أعمال إعادة الإعمار لاحقًا. في الواقع، هذا التوثيق يسرّع جميع العمليات."

لإتمام هذا المشروع الشاق، استغرق تسجيل كل نقطة GPS والحصول على قياسات دقيقة أكثر من ساعة. ويقول أحد أعضاء فريق المديرية العامة للآثار: "إننا ننفّذ توثيقًا مدنيَاً للمدينة المتضررة بأكملها، من المرفأ إلى المدوّر مروراً بالجمّيزة ومار ميخايل، على مساحة تزيد عن 3 كيلومترات مربعة. ونسجّل أيضًا بالتفصيل معالم أثريّة محدّدة كقصر سرسق أو قصر بسترس، والتي تضرّرت كثيرًا. نقوم حاليًا بوضع اللمسات الأخيرة على هذا المشروع، قبل الانتقال إلى معالجة البيانات لخلق النموذج الثلاثي الأبعاد، وكل ذلك لمدّة 4 أشهر. لقد تأخرّنا بسبب اقفال البلاد جرّاء الوباء، وحجم الدمار يجعل العمليّة أكثر صعوبة. ناهيك عن أن الشوارع ضيقة جدًا وتقدّم أحيانًا مجموعة متشابكة من العوائق والأشجار والأسلاك الكهربائية". لتخطّي هذه العقبات وللحصول على بيانات أكثر دقّة، كان على الفريق المسؤول أن يلجأ، بالإضافة إلى التقاط الصور على مستوى الأرض، إلى تقنيات مبتكرة وكاميرات طائرة بدون طيّار، تصل أحيانًا إلى ارتفاع 150 مترًا. ويكشف جو كلّاس أنّه تم التقاط 60 ألف صورة حتى الآن.

© UNESCO

تبادل للخبرات

بالإضافة إلى التوثيق، قدّم المشروع أيضًا فرصة لتدريب علماء آثار شباب من المديرية العامة للآثار في هذا العمل الدقيق. يقول الدكتور سركيس خوري، المدير العام للمديريّة: "نحن نعمل على تحسين تقنيات فريقنا من خلال تبادل الخبرات هذا. التكنولوجيا جزء من عملنا، ونحن بحاجة إلى توثيق جيّد لجميع العمليات. لقد بدأنا بالفعل عملية المسح بعد الانفجار مع جهات مختلفة، لكن هذا المشروع الذي تم تطويره مع اليونسكو سيسمح لنا بالحصول على هذا النموذج ثلاثي الأبعاد، والذي سنتيح استعماله لأي جهة تحتاجه لإعادة إعمار بيروت. وقد أعربت العديد من المؤسسات بما في ذلك جامعات كبيرة عن رغبتها في استخدام هذا النموذج".

يوضح الدكتور خوري في هذه السياق أنّه تم تحديد ثلاث مراحل بعد الرابع من أغسطس. أولاً، أعمال التثبيت والتدعيم والتدخل الهيكلي الحاسم، ثم ترميم المباني، وأخيراً الأعمال الداخلية والأعمال الفنية. "أستطيع أن أقول إن المرحلة الأولى قد اكتملت بنجاح وأفضل مما كان متوقعا، يشرح الدكتور خوري، وذلك بفضل تعاون جميع الأطراف بما في ذلك اليونسكو والمهندسين المتطوعين والمجتمع المدني. كما تمّ استخدام مشروع توثيق ال HEF لأعمال التدعيم الطارئ للمباني". وفقًا لليونسكو، سيساعد هذا النموذج أيضًا على دمج المشاريع المتعلقة بإعادة إحياء الحياة الثقافية، والحفاظ على التراث الثقافي غير الماديّ، وهما عنصران أساسيّان لاستئناف الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الأحياء المتضررة. ويستطرد الدكتور خوري قائلاً: "أكثر من ذلك، سيشكّل المشروع عنصراً حاسمًا في أعمال ترميم التراث العمراني في المرحلة الثانية والتي، للأسف، لم تتلقّ حتّى الآن أي مساهمة ماديّة كبيرة. كانت تقديراتنا الأولية للأضرار 300 مليون دولار. قد تمّ تخفيض هذا المبلغ مع اكتمال المرحلة الأولى ولكنّنا ما زلنا بحاجة إلى الكثير من المساعدة".

© UNESCO

أحاول ألا أفكّر في هذا الدمار الهائل وكل ما نمر به، والّا سأسقط أرضاً. في يوم الانفجار، كان الأمر كما لو أن قنبلة نووية حقيقية انفجرت في قلب المدينة. جميع المباني التي كنا نحاول الحفاظ عليها لمدة 20 عامًا اختفت!

عند سؤاله عمّا إذا كان تخيّل يومًا ما العمل على مشروع بهذا الحجم، يصعب على سركيس خوري الكلام. ويقول: "أحاول ألا أفكّر في هذا الدمار الهائل وكل ما نمّر به، والّا سأسقط أرضاً. في يوم الانفجار، كان الأمر كما لو أن قنبلة نووية حقيقية انفجرت في قلب المدينة. جميع المباني التي كنا نحاول الحفاظ عليها لمدة 20 عامًا اختفت! إن ما تمكنّا من تحقيقه حتى الآن هو إنجاز حقيقيّ، ولكن كل فلس، كل مساعدة مالية ولو صغيرة، مهمّة للمستقبل". نداءٌ يطلقه أيضاً جو كلّاس، الذي يؤكّد أنّ عملية الترميم ستكون بطيئة وستحتاج الى التمويل. ويقول: "اليوم نعلم على الأقلّ أن أعمال التثبيت قد تم إنجازها وأنّ المباني ستصمد الى حين البدء بأعمال الترميم. لكنني أعلم أيضاً كم عانينا في الماضي لتصنيف هذا التراث وحمايته من التدمير. كانت هذه المنطقة تشكّل، إلى حد ما، آخر معقل في بيروت غني بالتراث. إن كنّا لا نريد أن ينتهي بنا المطاف بالعيش في مدينة أشباح، على كل لبناني المساعدة في إعادة بناء مباني بيروت، كلُ على طريقته. لمدينتنا، لنسيجها التاريخي، لتراثها. اليوم، هذا كل ما تبقّى منها".

"لبيروت" نداء دولي لجمع التبرعّات أطلقته المديرة العامة لليونسكو من بيروت في أعقاب تفجيري المرفأ، في 27 آب 2020، لدعم إعادة تأهيل المدارس والمباني التراثية التاريخية والمتاحف والمعارض والصناعة الإبداعية، والتي تعرّضت جميعها لأضرار جسيمة.