اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية

رسالة المديرة العامة

تحتفل اليونسكو في ٢١ أيار/مايو ٢٠١٨ باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية للعام الثامن عشر على التوالي. ويثري التنوع الثقافي حياتنا، ويكسوها حلّة زاهية مختلفة ألوانها، ويضفي عليها النشاط والحيوية. فهو انفتاح معرفي وفكري ومحرّك للتنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي.

ولا يمكن بالتأكيد اعتبار التنوع الثقافي في حدّ ذاته عاملاً من عوامل السلام والتقدم، إذ يقتضي جعله عاملاً من عوامل السلام والتقدم تعلّم الغَيرية واكتساب القدرة على الابتعاد عن الذات، وكذلك القدرة على الحوار، وعلى إدراك القيمة التي تنطوي عليها كل ثقافة.

ويرمي هذا اليوم العالمي بالتحديد إلى التوعية بهذه القضايا، إذ يحضّ على عدم الاكتفاء بدور المراقب أو المتفرج فيما يخص التنوع الثقافي، ويدعو إلى الإقرار بـمحاسن التعددية الثقافية باعتبارها مبدأ أخلاقياً وسياسياً قِوامه احترام الهويات والتقاليد الثقافية على قدم المساواة.

ويندرج هذا المبدأ في عِداد المبادئ الأساسية التي يستند إليها إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، الذي اعتمده المؤتمر العام للمنظمة في عام ٢٠٠١ وأقرّ فيه بأهمية التنوع الثقافي بوصفه عنصراً من عناصر التراث المشترك للبشرية وعاملاً من عوامل السلام والازدهار. وما زالت القضايا المهمة التي أُبرزت في إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، الذي صِيغ عقب اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، من أبرز قضايا الساعة.

فلا بدّ من حماية أشكال التعبير الثقافي المختلفة، التي تضم مثلاً اللغات والفنون والحِرف وأساليب العيش، ولا سيّما أشكال التعبير الثقافي الخاصة بالأقليات، لكيلا تقضي عليها حركة التوحيد المصاحبة للعولمة، إذ تُعدّ أشكال التعبير الثقافي عناصر أساسية لتحديد الهويات الفردية والجماعية، ولذلك تندرج حمايتها في إطار احترام كرامة الانسان.

ولا بدّ أيضاً من تمكين كل فرد من المشاركة في الحياة الثقافية لمجتمعه أو بلده. وهذا حق من حقوق الإنسان تنص عليه المادة ٢٧ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نحتفل في هذا العام بالذكرى السنوية السبعين لاعتماده، إذ تنص تلك المادة على ما يلي: "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه".

وتيسّر الثورة التكنولوجية الاطّلاع على العديد من أشكال التعبير الثقافي والفني، وتتزايد عمليات التبادل والتواصل في جميع أرجاء العالم تزايداً سريعاً، وما زالت هناك مع ذلك عوائق عديدة تحول دون تحقيق المساواة في الانتفاع بالسلع والخدمات الثقافية. وتضرّ هذه العوائق في المقام الأول بالنساء والأشخاص الذين يعانون من الحرمان الاجتماعي، وكذلك بأفراد الأقليات داخل بلدانهم. ولذلك تعتزم اليونسكو عقد حلقة نقاش في باريس في هذا اليوم العالمي لبحث هذه القضية المهمة سعياً إلى الإجابة عن السؤال المطروح على بساط البحث، وهو كيف يمكننا أن نجعل الثقافة في متناول الجميع؟

ولا بدّ في نهاية المطاف من تمكين الفرد من تشكيل هويته بحرية استناداً إلى مصادر ثقافية متنوعة، ومن إعلاء شأن تراثه بطريقة إبداعية، إذ يندرج هذان الأمران في عِداد الأركان الأساسية لتنمية مجتمعاتنا تنمية سلمية ومستدامة. وينطوي هذا الأمر على قضية مهمة ستساهم في تحديد معالم المستقبل، وهي قضية إدماج الثقافة في رؤية شاملة للتنمية. وهذا هو الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه مثلاً شبكة المدن المبدعة التي تدعمها اليونسكو، والتي تضم ١٨٠ مدينة في ٧٢ بلداً، إذ تدعو هذه الشبكة إلى الأخذ بنموذج للتنمية الحضرية المستدامة يركّز على الفنون الإبداعية ويقوم على التعاون النشيط بين المدن في جميع أرجاء العالم.

وقد عبّر المهاتما غاندي تعبيراً بليغاً عن حيوية الثقافة، وبيّن أنها ليست تراثاً جامداً، بل تراث حيّ يتأثر بالتطورات والمستجدات فيتيح للمرء التكيف رويداً رويداً مع التغيرات التي يشهدها العالم، إذ قال ذات مرة: "لا أريد بيتاً تحيط به الجدران، ولا أريد أن تكون نوافذ بيتي موصدة، بل أريد بيتاً يدخله ويجول فيه بحرية نسيم عليل يأتيني بثقافات جميع البلدان".

وتدعوكم اليونسكو، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، إلى فتح الأبواب والنوافذ لنسيم التنوع المنعش.

السيدة أودري أزولاي، المديرة العامة
رسالة بمناسبة اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية