Editorial

الإفتتاحية

cou_02_17_emi_022.jpg

© Patric Sandri

بقلم إيرينا بوكوفا
المديرة العامة لليونسكو

كلّما ظهرت وسيلة إعلام جديدة، إلّا وأحدثت ثورة : الطباعة، الإذاعة، التلفزيون، الإنترنت، كلها غيّرت وجه المجتمعات، وطرق الإخبار والمعيشة وتنظيمها.

وكلّما ظهرت وسيلة إعلام جديدة، إلاّ وارتفعت أصوات لتجزم بأنها ستقضي على سابقتها:  ستقضي الإذاعة  على الصحافة المكتوبة، والتلفزيون على الإذاعة، ووسائل الإعلام الرقمية على كافة وسائل الإعلام الأخرى... في حين أن المشهد الإعلامي الحالي يُبرز أيضا التكامل بين مختلف وسائل الإعلام والاتّصال وتأثير بعضها على بعض والتفاعل  في ما بينها، ممّا يجعل كلّا منها إضافة وإثراء للآخر.

لم يسبق لنا أن تواصلنا بهذا القدر، ولا بهذا الإنتشار. فلقد فتحت التكنولوجيات الحديثة سبلا جديدة تسمح لمواطني العالم بأسره بالحصول على معلومات أكثر تنوّعا وأكبر عددا، وبأن يلعبوا دورا جديدا في إنتاج المعلومة، يصبحوا، هم أنفسهم، مُنتجين للمحتويات. كما خلقت أيضا حواجز جديدة وأثارت لدى وسائل الإعلام الحديثة، تحديات جديدة في ما يتعلق بمجالات التعديل وأخلاقيات المهنة.

من أين يأتي الخبر ؟ وكيف يُصنع ؟ من الضامن لجودته ؟ كيف يمكن التفريق بين الصحيح والخاطئ في هذا النسيج الذي حاكته مليارات المعلومات الآتية من كل صوب ؟ ففي هذا التشابك المهول لوسائل الإعلام، تغيّرت الأدوار التقليدية للمنتجين والموزعين والمستهلكين للخبر. تهاطل الأخبار الزّائفة (فايك نيوز) وخطر حبس المُتلقّين للمعلومة في "فضاءات التصفية" التي صاغتها الخوارزميات، تطرح تساؤلات جديدة حول حرّية التعبير وحول التنوّع الثقافي.

إن تعدد الأفكار المستنيرة هو شرط لا يمكن الإستغناء عنه لتطوير الديمقراطية في مجتمعاتنا. وجودة الأخبار المنشورة في وسائل الإعلام - التقليدية منها والحديثة - هي أساسية في تكوين الرأي العام. لذلك، أكدت اليونسكو بصفة خاصة على التربية على وسائل الإتصال والإعلام، باعتبارها من الكفاءات الأساسية للمواطنة في القرن الواحد والعشرين.

إن حرية التعبير، والتنقل الحر للأفكار بواسطة الكلمات والصور، تعدّ من المبادئ التأسيسية لليونسكو، وتندرج في صميم جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة. واليونسكو تُساند عمل الصحفيين والمناضلين العازمين على الدفاع عن الحريات الأساسية، مثل الصحافي داويت إسحاق، الحائز على الجائزة العالمية لحرية الصحافة اليونسكو/غيلارمو كانو 2017، الذي يمكن الاطّلاع على مقال وصفي بخصوصه في هذا العدد من رسالة اليونسكو.

خلال العشرية المنقضية، تجاوز عدد ضحايا الجرائم التي ترمي إلى إخماد التعبير الحر 800 من بين المحترفين في وسائل الإعلام. ولم تتمّ المحاكمة أمام القضاء إلّا بنسبة اغتيال واحد من عشرة. هذا الإفلات من العقاب غير مقبول، ومن شأنه أن يغذي تيار العنف في المستقبل. لذلك، فإن اليونسكو تلتزم، بكل ما أوتيت من قوّة، بوضع حدّ له، وفي كافة القاّرات، باعتباره الشرط الضروري لإقامة مجتمعات سلمية، تُقدّر متانة بنيتها بقدر حسن اطّلاعها على المعلومات.

وفي عصر «ما بعد الحقيقة»، يزداد دور اليونسكو أهمّية، أكثر من أي وقت مضى. ويُمثّل هذا العدد الجديد من الرسالة فرصة جيّدة للتأكيد علي التزامنا التأسيسي لمساندة الإعلام والاتصال بهدف بناء السلم في عقول الرجال والنساء.

على تويتر @IrinaBokova تابع