بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

أخلاقيات مهنة الصحافة تعود إلى الواجهة

copy_of_cou_02_17_ethics_01.jpg

“Tech giants that dominate the public information space, such as Google, Facebook, Amazon
and Twitter circulate information in a value-free environment,” says Aidan White.
© Jugoslav Vlahovic
إذا فقدت الصحافة مبادئها الأخلاقية، فتكون قد فقدت قِيمها، ومصداقيّتها وسبب وجودها. كيف يمكن وقايتها إذًا ؟ إن تعديل الأخلاقيات المهنية للصحافة بسنّ القوانين قد تؤدّي إلى التعرّض لمخاطر الرقابة. ويبقى الإلتزام التطوّعي بالمبادئ الأخلاقية السبيل الأفضل لتستعيد الصحافة مكانتها.

آيدن وايت

تسير الصحافة قدما وفي حركة دائبة لم يسبق لها مثيل. ففي يومنا هذا، أصبح الصحفي يعمل بوتائر أسرع  وتحت ضغط مستمر وفي جوّ معقّد. وفي مخاض هذه المسيرة العسيرة، تعلمت وسائل الإعلام كيف أنّ الثورة الإعلامية، مع كل صفاتها التحررّية، هي في نهاية المطاف سلاح ذو حدين.

وفي حين أنّه أصبح بإمكان وسائل الإعلام نشر مقالاتها في جميع أنحاء العالم في بضعة ثوان، كما أصبح بإمكان وسائل الإتصال بناء مجتمعات أقوى وأكثر استنارة وأكثر اندماجا، إلّا أنّ الأنماط الإقتصادية التي كانت تؤمن تمويل الصحافة في الماضي أضحت معطّلة، وفي كثير من الأحيان غير قابلة للإصلاح.

ومع تقلص موارد تمويل الصحافة التي تخدم المصلحة العامّة، أصبحت قاعات التحرير تعاني الصعاب للحفاظ على قاعدتها الأخلاقية. كما تضخمت، الى حدّ بعيد، كل المشاكل التي كانت تشغلها دوما مثل التحيّز السياسي، وتسلّط المؤسسات غير المشروع، والقوالب النمطية وتضارب المصالح.

شهدت الصحافة الإخبارية في السنوات الخمس عشرة الماضية تدهورا كبيرا حيث أنّ التكنولوجيا قد غيّرت من طرق التواصل بين الناس وطريقة عمل وسائل الإعلام. واليوم، يحصل معظمنا على الأخبار من خلال الهواتف النقالة ومن المنصات الإلكترونية التي نمت بكثرة باستغلال البيانات الشخصية لمستخدمي الإنترنت، وبالحوز على الإعلانات المربحة التي كانت تنتفع منها وسائل الإعلام التقليدية.

صدى عالمي

أُغلقت الآلاف من وسائل الإعلام أبوابها (الصحف أساسا). كما فَقد عشرات الآلاف من الصحفيين وظائفهم. وبتقلّص مصادر الأخبار التقليدية، خاصة على المستوى المحلي والجهوي، قلّت المسالك  للوصول الى الاخبار الموثوقة، بالرغم من أنّ مساحة حرّية التعبير قد توسعت بشكل كبير.

تمّ إنشاء شبكة الصحافة الأخلاقية  منذ خمس سنوات، بهدف تعزيز الصحافة في مواجهة هذه الأزمة.
وبوصفها ائتلافا يضم أكثر من ستين مجموعة من الصحافيين والمحررين وأصحاب الصحف ومجموعات الدعم الإعلامي، تشجع الشبكة على التدريب والقيام بالإجراءات العملية لتعزيز الأخلاقيات والحوكمة. وقد تردّد صدى نشاط هذه الشبكة إيجابيا لدى الصحافيين في جميع أنحاء العالم، سواء في ما يتعلق بتطوير نماذج اختبارية للصحفيين للكشف عن خطاب الكراهية، أو وضع مبادئ توجيهية بشأن تغطية النزاعات، أو إعداد التقارير حول موضوع الهجرة.

وبما أن جذورها مزروعة في وسائل الإعلام، فإنّ تقارير شبكة الصحافة الأخلاقية التي تغطي عدة بلدان تحظى بالمصداقية لدى الإعلاميين، بما في ذلك التقارير التي ترفع الغطاء عن الممارسات الصحفية المخفية أو تلك المتعلقة بتحديات التعديل الذاتي.

وقد بينت عمليات سبر الآراء التي أجرتها الشبكة في هذه الفترة المتقلّبة، أنه بالرغم من المناخ الإقتصادي والسياسي المعادي، فإنّ الصحافيين في كل مكان - من تركيا، وسوريا ومصر إلى الباكستان، والصين وأندونيسيا - ملتزمون بالكشف عن الحقيقة وبأخلاقيات المهنة.

اكتساب ثقة الجمهور

إن هذا الإلتزام بالمعايير الأخلاقية هو بمثابة "الضمانة الذهبية"، في عهد التحولات الاجتماعية التي ألقت بالمنظومة العالمية  للاتصالات في مرحلة إنتقالية فوضوية. وبالنسبة للعاملين في وسائل الإعلام ولأيّ شخص يسعى للحصول على وسائل اتصال موثوقة وآمنة، في المستقبل، أصبح الدفاع عن الصحافة الأخلاقية وتعزيزها أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

وبفعل الأخبار الزّائفة والدعاية السياسية والمؤسسية إضافة إلى الإنتهاكات الوقحة المتداولة عبر الإنترنت، أصبحت أسس الديمقراطية مهدّدة وفُتحت خطوط أمامية جديدة للمدافعين عن حرية التعبير والمسؤولين السياسيين والإعلاميين. وعلى نطاق أوسع، أدى هذا المزيج السام من التكنولوجيا الرقمية، وغياب الضمير السياسي والإستغلال التجاري لمشهد الاتصالات الجديد إلى زعزعة منظومة الإعلام الجماهيري وإنهاكها.

وبما أن شبكة الصحافة الأخلاقية على وعي بهذا الوضع، فقد شجعت على فتح باب جديد للنقاش حول الحاجة إلى إدراك دور الصحافة المقيدة بإطار المعايير الأخلاقية، كضرورة لكسب ثقة الجمهور.
لكن ليس هناك حماس واسع النطاق لوضع ميثاق شرف مهني جديد. وتظل تلك القيم الأساسية – مثل الدقة والإستقلالية والمعالجة المسؤولة للخبر - التي تطورت على مدى الـ 150 سنة الماضية، قيما ثابتة وعلى نفس الأهميّة، حتى في هذا العصر الذي تطغى عليه الرقمنة.

والمطلوب حسب ما تراه شبكة الصحافة الأخلاقية، هو تأسيس شراكة جديدة مع جمهور وسائل الإعلام وصناع السياسة لإقناعهم بضرورة تعزيز الصحافة الأخلاقية، وبإمكانية استخدامها كمصدر إلهام لوضع برامج جديدة للتربية على وسائل الاتصال والإعلام.

مبادئ أساسية

واليوم، ليس الإلتزام بمراقبة أسلوب التعبير واحترام الحقائق حكرا على الصحفيين، بل يتحتّم على كل من لديه ما يقوله على ساحة الاعلام العامة أن يتشبث بالمعايير الأخلاقية.

وتعتبر شبكة الصحافة الأخلاقية أن القيم المهنية للصحافة – كالتمسّك بالحقائق، والروح الإنسانية واحترام الآخرين والشفافية والإقرار بالأخطاء - هي مبادئ أساسية ينبغي أن يقتاد بها الجميع، بما في ذلك مستخدمي الوسائط الإجتماعية والصحفيين المدنيين. لكن هذا السلوك لا بد أن يكون طوعيا وناتجا عن قناعة وليس  بإملاء القانون.

ويبقى أن بعض الحكومات، بما في ذلك البلدان الديمقراطية، أصبحت في قلق أمام التجاوزات التي تحصل على شبكة الإنترنت وما يُبث من أخبار زائفة، فأخذت بإنذار شركات الخدمات التكنولوجية بتسليط عقوبات مالية عليها إن لم تقم بالإجراءات اللازمة لسحب المعلومات الضارة والخطيرة من مواقعها. إلا أن في ذلك احتمال للحدّ من حريّة الرأي والتعبير، وهو ما نخشاه، إلا إذا قررت هذه الشركات دعم القواعد الأخلاقية للاتصال، وبصفة جدية.

المشكلة تكمن في أنّ شركات التكنولوجيا العملاقة التي تهيمن على ساحة الإعلام الجماهيري، مثل غوغل، وفيسبوك، وآمازون، وتويتر، تقوم بترويج المعلومات في جوّ خال تماما من القيم. فهي لا تعير أية أولويّة للمعلومات باعتبارها مصلحة عامة كما هي الحال مع الصحافة المهنية. ولا تميّز هذه الشركات في سياستها التسويقية، بين الانتاج الصحفي وغيره من المعلومات حتى لو كانت ضارة وفاسدة.

فخ الخوارزميات

استخدام الخوارزميات المتطورة وبنوك بيانات لا حدود لها مفتوحة لملايين المشتركين، هي مكونات هذا النموذج التجاري الذي يرمي إلى هدف بسيط، ألا وهو تشجيع «المعلومات الفيروسية» التي توفر نقرات كافية لدفع الإعلانات الرقمية. ولا يهم ما إذا كانت المعلومات أخلاقية، موثوقة أو صادقة ؛ المهم هو أن تكون مثيرة، واستفزازية، ومحفزة بما فيه الكفاية لجذب انتباه الزبائن.

ومهما كانت درجة رقي الآلات الروبوطية الرقمية، فهي غير قابلة للتجهيز برموز ذات بعد أخلاقي أو معنوي. ويبقى البشر الحساس هو الوحيد القادر على تناول المسائل الأخلاقية : الصحفيين والمحررين ذوي الخبرة والكفاءة من حيث التكوين والإلمام بالمعلومات والإحساس بالمسؤولية.

حصلت في الفترة الأخيرة سلسلة من الفضائح، منها الغضب من فرض الرقابة على الصور الشهيرة، والبث المستمر لمشاهد التعذيب والقتل، والشكاوى التي رفعتها الشركات الكبرى إثر نشر إعلاناتها على مواقع الدعوة الى الإرهاب والكراهية والاعتداء الجنسي على الأطفال. وعلى إثرها، وعدت شركات التكنولوجيا باتخاذ الإجراءات. ولكن هل سيكون ذلك كافيا؟

في 3 مايو 2017، وعد رئيس شركة فيسبوك مارك زوكربارغ بتوظيف 3000 من مراجعي المحتوى (بالإضافة إلى الفريق المكلف بعمليات المجتمعات المحلية الذي يبلغ قوامه 4500 شخص)، وذلك بعد موجة الإحتجاجات التي أثارها بث عدد هائل من مقاطع الفيديو فيها تقتيل وانتحارات واغتصابات جماعية.

وبما أن فيسبوك يعدّ ملياري مشترك، فهذا يعني أن هناك مراجع واحد لكل 250.000 مستخدم. إن ذلك لا يمثّل إلاّ جزءا بسيطا ممّا يستوجب توفيره لمتابعة ومراقبة تفاقم المحتويات غير الأخلاقية والمنتهِكة للأعراض ومواجهة أخطار الدعاية والأخبار الزّائفة.

الديمقراطية مهدّدة

هناك حل بسيط يكمن في قبول شركات التكنولوجيا تقمّص دور الناشر في هذا العصر الرقمي، والإستفادة من العدد الهائل من الصحفيين الأكفاء والملمين بالأخلاقيات المهنية، الذين شردتهم  ثورة المعلومات. نحن نعلم أن هذه الشركات بإمكانها تحمّل التكلفة. ففي أوائل عام 2017، قدر السعر التجاري لفيسبوك بحوالي 400 مليار دولار أمريكي، أما سعر غوغل فقد فاق 600 مليار دولار أمريكي. وهي من أغنى الشركات في العالم.

وفي الوقت الذي يكتفي فيه السياسيون وأرباب المؤسسات التكنولوجية الكبرى بالتباكي والتذمر من هذا الوضع، دون أن يأخذوا أي إجراء فعلي، نلاحظ تزايدا في عدد السياسيين عديمي الضمير الذين يستخدمون التكنولوجيا لتقويض الديمقراطية والتدخل في المسارات الانتخابية. وما الأخبار  الزائفة المليئة بالكذب إلا جزءا من هذه الإستراتيجية.

وقد ندد العالم والأكاديمي البريطاني مخترع شبكة إنترنت العالمية، تيم بيرنرز-لي، بهذا الإنحراف حيث حذّر من وقوع عالم الإنترنت تدريجيا تحت هيمنة الحكومات والشركات الرقمية ومن اختناق الإنترنت من جراء استغلال المعطيات الشخصية.

كما أكّد تيم برنرز-لي بإلحاح على الخطر الوخيم الذي يشكله تسويق المعلومات الكاذبة على السياسة.

وفي رسالة مفتوحة نشرها في 12 مارس 2017، بمناسبة الذكرى 28 لإنشاء شبكة الإنترنت، كتب بيرنرز-لي عن انتخابات عام 2016 في الولايات المتحدة الأمريكية: « تم تقديم ما لا يقل عن 50.000 نوع من الإعلانات يوميا على فيسبوك بحيث أصبح من المستحيل تقريبا رصد ما يحدث. وهناك إيحاءات بأن بعض الإعلانات السياسية، في الولايات المتحدة وحول العالم، تم استخدامها بطرق لا أخلاقية لتوجيه الناخبين إلى مواقع الأخبار الزّائفة، على سبيل المثال، أو للحث على هجر صناديق الإقتراع ... فهل هذا سلوك ديمقراطي ؟ »

كشف الأخبار الزّائفة

هذا سؤال جيّد، وقد تمّ طرحه أيضا في فرنسا قبيل الإنتخابات الرئاسية الفرنسية في مايو 2017، عندما غمر  قراصنة الإعلامية شبكة الإنترنت بآلاف الملفات السرية تمّ نهبها من مواقع البريد الإلكتروني، وكثير منها مزيّف، تخص المرشح إيمانويل ماكرون، الذي فاز في نهاية المطاف.

ولم يتمكن الصحافيون من فحص هذا الجبل المعلوماتي أو التحقق منه أو تكذيبه، لأنّ القانون الفرنسي يحجّر الإدلاء بأي تصريح له علاقة بالإنتخابات، في الساعات الأخيرة التي تسبق عملية التصويت. لكنها نشرت بكل حرية عبر الوسائط الإجتماعية.

وإذا حصل أن تسرّع يوما أحد الصحافيين في نشر خبر ما، فإن الصحافة التي تحترم القيم الأخلاقية تقرّ دوما بأخطائها. ولأنها تعتمد على حقائق الواقع وتؤمن بالمصلحة العامة، فهي توفر للسياسيين خارطة طريق لبناء فضاء إعلامي عام آمن وموثوق به.

آيدن وايت

آيدن وايت هو مدير شبكة الصحافة الأخلاقية، ومؤلف كتاب «حتى أصارحكم بالحقيقة : مبادرة الصحافة الأخلاقية»، وهو استعراض على الصعيد العالمي للقضايا المتعلقة بأخلاقيات المهنة الصحفية (2008). شغل منصب أمين عام  الإتحاد الدولي للصحفيين على مدى 24 عاما حتى مارس 2011. وهو مؤسس المعهد الدولي للسلامة الإخبارية ومؤسس "آيفكس" (تبادل حرية التعبير الدولية).