بناء السلام في عقول الرجال والنساء

Editorial

افتتاحية

cou_01_22_wide_angle-editorial_web.jpg

يُمكّن التّصوير بالرّنين المغناطيسي من الحصول على قياسات دماغية عالية الدقّة دون تدخّل جراحي.

في مجال علوم الأعصاب، الواقع يتجاوز الخيال

من كان يتخيّل أنه سيُصبح يومًا ما بالإمكان زرع ذكريات مزيّفة في دماغ حيوان أو نقل الخواطر إلى كلمات على جهاز كمبيوتر ؟ والآن، أصبح ذلك من قبيل الواقع. وليست هذه الثّورة التكنولوجية سوى في بداياتها.

هذه التطوّرات ستكون واعدة عندما تسمح بإيجاد علاج للأمراض العقليّة أو العصبيّة، وعندما تمنح لمصاب بالشّلل التامّ إمكانية التّواصل أو استعادة شيء من الحركة.

بيد أنّ الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها علوم الأعصاب لا تقلّ عن حجم الآمال التي تثيرها، خاصّة وأن مجالات التّطبيق تتجاوز بكثير الإطار الطبّي لتشمل التّسويق والتّعليم وحتى ألعاب الفيديو.

فعندما يصبح بالإمكان قراءة المعطيات الدّماغية ونقلها، فإن السّؤال حول استغلال هذه المعطيات لأغراض تجاريّة أو مسيئة يطرح نفسه بقوّة، إذ هناك خطر حقيقي في استخدام هذه التّقنيات لمراقبة أفكارنا أو التّلاعب بها أو تعديلها، بما في ذلك أفكارنا الحميمية.

ذلك أن علوم الأعصاب لها خصوصيّة التّفاعل مباشرة مع الدّماغ، أي مع ذلك الجزء من ذواتنا الذي هو أساس الهويّة البشرية، وحريّة الفكر، والإرادة الحرّة، والحياة الخاصة.

وفي حين توجد قوانين لحماية الحياة الخاصّة وحقّ المستهلكين، فإن بعض التّهديدات الخصوصية والمرتبطة بعلوم الأعصاب لا يتعرّض لها التّشريع. أمّا الاتّفاقيات والمعاهدات التي تحمي حقوق الإنسان، فهي لا تغطّي مجالات معيّنة مثل حماية الإرادة الحرّة أو مجال الحميمية العقلية. وباستثناء التشيلي وبعض البلدان الأخرى، قليلة هي الدّول التي شرعت في تعزيز ترسانتها القانونية لحماية "الحقوق العصبية" للمواطنين.

لذلك، تظلّ الحاجة ملحّة لوضع ضمانات من أجل تلافي هذه الثّغرات وضمان حماية فعليّة للمواطنين ضدّ إمكانية استعمال معطيات عقولهم. وهو ما تدعو إليه لجنة اليونسكو الدولية لأخلاقيات علم الأحياء في تقريرها الأخير. ذلك هو المغزى العميق من النّقاش الذي تقوده اليونسكو صلب منظومة الأمم المتحدة بهدف وضع إطار عالمي لإدارة التكنولوجيات العصبية.

  أنياس باردون