بناء السلام في عقول الرجال والنساء

Editorial

الافتتاحية

cou-04-2021-wide-angle-editorial-web.jpg

في مهبّ الرّيح، رسم رقمي للفنّان سيمين يانغ، جمهورية كوريا.

عائلات ملقاة على قارعة الطرق جرّاء الحروب؛ مخيّمات مرتجلة مقامة على مشارف المدن؛ ناجون من مجازفات محفوفة بمخاطر عبور البحر... تلك هي الصّور المتداولة عبر القنوات الإخبارية عن المهاجرين والتي أفضت إلى التهوين من قضيتهم لمجرّد تحويلها، في غالب الأحيان، إلى نوع من التنميط الذي يحيل إلى مأساة العصر. ومع ذلك، فإنّ هذه الأحداث تعكس أوضاعا حقيقية تماماً مثل تلك التي يعيشها، حاليّا، المدنيون السّاعون إلى مغادرة أفغانستان.

إنّه الوجه التراجيدي للهجرة، وهي أبعد من أن تلخّص الواقع المعقد، والمتعدّد، والمتغيّر لهذه الظّاهرة الكبرى للقرن الحادي والعشرين. ففي عام 2020، قدّرت المنظمة الدولية للهجرة عدد الأشخاص الذين غادروا بلادهم بنحو 272 مليون شخص هربوا من العنف أو الكوارث الطبيعية أو الآثار الناجمة عن تغير المناخ، وكذلك من أجل الدراسة، والبحث عن شغل، والسعي وراء حياة أفضل في مكان آخر.

هذا الرقم، الذي ما فتئ يتزايد بانتظام، أصبح يُستغلّ بسهولة من قِبل الذين يستخدمونه سلاحا سياسيا ويلوّحون بالتهديد الذي يُمثّله المهاجرون، فيجعلون منهم كبش الفداء المناسب ويحمّلونهم مسؤولية مخاوف المجتمعات المضيفة ومشاعر الإحباط التي تنتابها. هذه المخاوف، التي تشتدّ في فترات الأزمات الصحية، تتغذّى أيضا من الأفكار النمطية والأحكام المسبقة عن المهاجرين فتحجب عددا من المعطيات الثابتة على نطاق واسع، خاصةً منها القائلة بأنّ موجات نزوح السكان تجري أولاً فيما بين البلدان المنخفضة الدخل أو المتوسّطة الدخل، وأنّ حوالي نصف عدد المهاجرين لا تعبُرون حدود أوطانهم.

كما أن هذه الأحكام المسبقة تغذّي خطابات الإقصاء، والعنصرية، والتّمييز ضد الوافدين الجدد، وتستهدف النساء على نحو خاص. وقد بادرت اليونسكو بإنشاء التحالف الدولي للمدن المستدامة الشاملة للجميع (ICCAR) من أجل تشجيع العيش معاً والحدّ من أوجه التّمييز. كما تسعى المنظمة إلى التّذكير بأنّ وراء جفاف الإحصائيات تختفي آلاف المصائر البشرية، وقصص لا حصر لها، أحيانا مأساوية، وأحيانا أخرى كثيرة سعيدة، فضلاً عن ثراء التمازج الثقافي الذي يشكل جزءًا من حياتنا وتاريخنا الجماعي.

وبالمناسبة، هل مازال لمصطلح الهجرة من معنى في مجتمعاتنا المُعولمة، والموسومة بتكثّف المبادلات، والتنقلّات، إلى درجة أصبح معها المكان الآخر البعيد في متناول العدد الأكبر من الناس؟ في مؤَلَّفه نَوْلُ أو "منسج التّمازج" Le Métier à métisser، يدعونا الكاتب الهاييتي، رينيه ديباستر، إلى إعادة النّظر في فكرة المنفى ذاتها، بقوله: "إن صيرورة العولمة تدعونا إلى تجاوز الاعتقاد البائد بأنّه يجب على المرء أن يكون في منزله الذي تفوح منه رائحة قهوة جدّته، حتى تكون له هويّة".

أنياس باردون