بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

في البيرو، تزايد أعداد المهاجرين لأسباب مناخية

cou-04-2021-wide-angle-peru-web.jpg

إنقاذ ضحايا إعصار ألْ نينو بمنطقة بيورا، شمال غربي البلاد حيث أجبرت سيول الأمطار على تهجير حوالي 000 300 شخص من ديارهم، سنة 2017.

نظرا لامتداد السواحل على حوالي 3.000 كم، ووجود أنظمة بيئية شديدة التأثّر بالتغيّر المناخي، تُعتبر البيرو واحدة من البلدان التي تشهد ترابطا وثيقا بين الأحداث الطبيعية وتنقّل البشر.

لورا بيرديخو

اليونسكو

بين سنتي 2008 و2019، اضطر حوالي 656.000 من بين سكان البلاد البالغ عددهم 33 مليون نسمة، إلى التنقّل إثر حدوث كوارث طبيعية، حسب مركز رصد التنقلات الداخلية (IDMC). ويُتوقّع أن تبلغ هذه التنقلات، بحلول سنة 2100، مستويات غير مسبوقة مع تصاعد حادّ لوتيرة التقلّبات الطبيعية واشتدادها.

إنّ الكلمة المفتاح، هنا، هي "هوايكو" huayco، كما تقول ليليانا ماركيز، ضابطة الصّورة بالتلفزيون في ليما، مضيفة: "ذلك هو الاسم الذي يُطلق على الفيضانات التي تتسبّب فيها، كل صيف تقريبًا، ظاهرة النينيو El Niño، والتي أُجبِرتنا على التّعايش معها في بلاد يعود فيها تاريخ أول نزوح مُكثّف مرتبط بالمناخ إلى القرن الثامن عشر، عندما خرج النهر، الذي يسقي مدينة زانيا Zaña، عن مجراه، وأجبر المدينة كلها على الرّحيل". 

تعتبر ظاهرة النينيو/التذبذب الجنوبي (الإينوا ENOA) العامل الأول للتغيرات الطبيعية للمناخ في البيرو. وهي ظاهرة تتميّز بتعاقب مراحل احترار (النينيو El Niño) ومراحل انخفاض (لدرجة الحرارة النينيا Niña) على سطح البحر في المحيط الهادئ، تتسبب في حدوث تغيّرات في الغلاف الجوي قد تصل إلى تغيير عميق في المناخ، لا سيّما في أنظمة التساقطات. وكان من تبعات آخر موجة نينيو ساحلية الإلقاء، سنة 2017 بما يقرب من 300.000 شخص على الطرقات. غير أنه، علاوة عن ظاهرة النينيو، تتعرض كلّ من الأنظمة البيئية الثلاثة في البلاد إلى مخاطر خصوصية يمكن أن تتسبّب في موجات هجرة هائلة.

تزايد المخاطر الطبيعية

علاوة على تعرّض سكان الكوستا، المنطقة الساحلية التي تأوي الجزء الأكبر من السكان وتُعتبر مركز اقتصاد البلاد، إلى تأثيرات الإينوا باعتبارهم في الخطّ الأوّل، فهم عرضة أيضًا للجفاف المتكرّر في فترات انحباس الأمطار، وبدرجة أقل، للارتفاع الشديد في درجات الحرارة وحرائق الغابات والرّياح العاتية.

في سييرا، منطقة الهضاب المرتفعة، ترتبط معظم المخاطر المناخية بالمياه، إضافة إلى الحرارة المرتفعة وموجات الحرّ في بعض المناطق، أو إلى الحرارة المنخفضة جدًا والتي تبلغ التجمّد في أماكن أخرى مثل كوزكو. ومن أكبر المخاطر، التي يمكن أن يتسبب تسارعها في هجرة %28 من سكان المناطق المرتفعة، تراجع الأنهار الجليدية الذي يهدّد أحد مصادر المياه الرئيسية في البلاد.

وأخيرًا، تشهد السيلفا، أو الغابة الاستوائية، تعدّد الفيضانات الكبرى، أو، على العكس من ذلك، فترات جفاف شديد، وانهيار الضفاف، والانجراف، وتراجع الغابات، والمخاطر الصحية الناجمة عن فرط الحرارة.

في بلاد تتجاوز فيها نسبة الفقر %20، وتعمّقت فيها التفاوتات الاجتماعية مع تفشّي الجائحة، فإن هذه التهديدات تزيد من حدّة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية للسكان. حاليًا، فإنّ نصف المجال الترابي للبيرو مهدّد بالكوارث المتكرّرة؛ وثلث السكان يعيشون في مناطق معرّضة للخطر، وأكثر من 9 ملايين شخص مُعرّضون للأمطار الغزيرة والفيضانات المتكرّرة والانهيارات والانجرافات الأرضية؛ في حين يتهدّد الجفاف حوالي 3.5 ملايين نسمة.

في أسوأ السيناريوهات، أي في حالة احترار الأرض بأكثر من 4 درجات مئوية بحلول سنة 2100، تخيّم على بلد الأنديز ثلاثة تهديدات كبرى سوف تتسبّب في تنقّل عشرات الآلاف من الأشخاص، وفي التوتّر الحراري "الساخن" في منطقة الأمازون، والذوبان شبه الكامل للأنهار الجليدية في جبال الأنديز، وحدوث دورات نينيو أكثر حدّة من ذي قبل قد تُعرّض سكان السواحل إلى الخطر.

تنقّلات داخلية

تعتبر الهجرة في البيرو، سواء كانت دائمة أو مؤقتة وداخلية أو خارجية، من التقاليد التاريخية. فسكان البيرو يهاجرون لتحسين ظروف عملهم، ووضعهم الاجتماعي أو التعليمي، وللهروب من الضغوط البيئية في الفترة الأخيرة. هذه التدفقات التاريخية خلقت شبكات قوية شجّعت على الهجرة في اتجاه المدن والساحل وساعدت على حركة التحويلات المالية نحو المناطق الريفية في البيرو.

ويتسبّب المناخ في الهجرة الداخلية بالخصوص، التي أصبحت ديناميكيتها تعتمد حاليا على معايير التمايز الاجتماعي سواء من حيث السن (الشبان هم أكثر المغادرون)، أو مستوى الدخل (الفقراء هم الأكثر عرضة للهجرة)، أو الجنس (تنقّل الرجال يفوق بقليل تنقّل النساء).

على السواحل، يتنقل الصيادون على طول الشريط الساحلي وفق توفر الموارد البحرية التي تحدّدها ظاهرة الإينوا. في حين يهاجر فلّاحو بٍييُورا (في الشمال) بشكل مُؤقّت أثناء فترات الجفاف بحثا عن تنويع دخلهم. وفي الهضاب المرتفعة، أدّى التغيّر المناخي إلى التسريع في أدفاق الهجرة التاريخية الواسعة حيث يهاجر الناس بسبب موجات البرد والجليد، ونقص المياه الناجم عن تراجع الأنهار الجليدية، والتغيرات الطارئة على نظام التساقطات. وفي مناطق سيلفا، يهاجر الفلاحون بالخصوص مؤقتـا ومن باب الاحتياط خلال موسم الأمطار لضمان أمنهم الغذائي.

وغالبًا ما تنطوي الأماكن المقصودة على مُجازفات ومخاطر (مجاري الأنهار، سهول مُعرّضة للفيضانات، مرتفعات يشحّ فيها الإمداد بالماء في ضواحي المدن، إلخ)، ممّا قد يؤدي، حسب المنظمة الدولية للهجرة إلى "ارتفاع التكلفة النفسية-الاجتماعية لدى الأشخاص الذين يفقدون منازلهم وسبل عيشهم وممتلكاتهم".

في هذا السياق، يكتسي دور وسائل الإعلام في التعامل مع التنقلات الناجمة عن التغير المناخي أهمية إضافية. تقول ليليانا ماركيز، معربة عن أسفها: "ما زال ضحايا هوايكو 2017 يعيشون في خيام في ليما بعد مضيّ ثلاث سنوات". أما بابلو إسكريبانو، أخصائي الهجرة وتغير المناخ في مكتب المنظمة الدولية للهجرة بالولايات المتحدة، فيلاحظ بدوره: "هناك اهتمام متزايد بالسّرديات البشرية المرتبطة بالهجرة المناخية".

ويضيف: "هذه السّرديات هامّة لأنها تُقرّب المتلقّي من الواقع الذي يعيشه ضحايا التغيّر المناخي والهجرة القسرية."

ظاهرة عالمية

يندرج تزايد الهجرة بسبب المناخ في البيرو ضمن توجّه عالمي كما هو الشأن في عدد من البلدان الأخرى التي بلغت مستويات عالية - مثل بنغلاديش، وفيجي، وغانا، وتنزانيا، على وجه الخصوص–.

ففي أبريل المنقضي، نشرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقريرًا يبيّن أنه، خلال العشرية الماضية، أثارت الأحداث المُتّصلة بالمناخ تنقلات جديدة بمعدل 21.5 مليون حالة كل سنة، أي ضعف ما تسبّبه النّزاعات وأعمال العنف.

وحسب بيانات مركز رصد التنقلات الداخلية، لسنة 2020، أُجبر 30.7 مليون شخص، في العالم، على المغادرة بسبب الكوارث الطبيعية. وقد مثّلت الظواهر المناخية %98 من أسباب التنقل المرتبطة بالكوارث.

تقول ألكسندرا بيلاك، مديرة مركز رصد التنقلات الداخلية: "يُظهر تقريرنا، أيضًا، أن معظم الأشخاص الذين ينتقلون يبقون داخل بلدهم الأصلي"، معبّرة عن خشيتها من أن تؤدي المخاطر "إلى احتداد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية".

استجابة في طور التنظيم

يُؤكّد يوهان روكستروم، مدير معهد البحوث حول تأثير التغيّر المناخي في بوتسدام، أن "نموذج البيرو يبيّن أن تأثيرات التغيّر المناخي وتدهور النظم البيئية يزيدان من مخاطر تنقّل البشر وهجرتهم".

ويلاحظ بابلو إسكريبانو أنه "بالنظر إلى أنّ البيرو لديها أنظمة بيئية (سييرا، كوستا، سيلفا) مشتركة مع البلدان المجاورة، فإن هذه البلدان يمكن أن تتقاسم معها عددا من الحقائق والأوضاع. وأنّ الذي يميّزها عن بعضها البعض هو طبيعة استجابة السلطات".

ويضيف أن "أمريكا اللاتينية تعتبر رائدة في وضع سياسات في مجالات الهجرة والبيئة والتغيّر المناخي، ربما بنفس القدر ومنطقة المحيط الهادئ. ففي العديد من بلدان المنطقة، مثل البيرو أو غواتيمالا أو بليز أو تشيلي، تُبذل، حاليا، جهود لتحسين المقاربة السياسية للهجرة الناجمة عن التغيّر المناخي."

ورغم بعض الثغرات القانونية، فقد اعتمدت البيرو منذ سنة 2000 العديد من الأطر المرجعية حول التغيّر المناخي، وتتوفّر لديها، الآن، مجموعة واسعة من الأدوات القانونية والسياسية لتأطير الهجرة الناتجة عن المناخ.

ويؤكد بابلو إسكريبانو أنه، لئن ظلّت معظم الهجرات المناخية داخلية، وتعود بالتالي إلى مسؤولية الدول، فهناك، أيضا، مبادرات إقليمية جارية الآن.

ثم يُضيف مُوضّحا: "في أمريكا اللاتينية، يُعتبر المؤتمر الجنوب-أمريكي حول الهجرة المنظمة الإقليمية ذات المقاربة الأكثر تقدّما بخصوص الهجرة المناخية، وهي تقوم حاليًا برسم خرائط السياسات المتعلقة بالهجرة والبيئة والتغيّر المناخي". وهي أداة ضروريّة بالنظر إلى التأثير المستقبلي للأخطار الطبيعية على سكان القارة. 

قراءات ذات صلة:

تغيّر المناخ يهدّد بنزاعات جديدة، رسالة اليونسكو، أبريل - يونيو 2018

لاجئو المستقبل سيهاجرون لأسباب مناخية، رسالة اليونسكو، عدد 10، 2009.

 

اشترك في رسالة اليونسكو لمتابعة الأحداث. الاشتراك في النسخة الرقمية مجاني %100.

تابع  رسالة اليونسكو على تويتر، فيسبوك، أنستغرام