بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

نشأة اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات

cou_01_21_wide_angle_ioc_website_01.jpg

إطلاق جهاز إرسال للرصد الجوي، سنة 1963، في إطار نشاط بعثة المحيط الهندي الدولية (1959-1965) بتنسيق من اللجنة الحكومية الدّولية لعلوم المحيطات.

غداة الحرب العالمية الثانية، دعت بعض الدول إلى تبادل المعارف المتّصلة بالمحيطات على الصعيد العالمي. وقد وجب انتظار ديسمبر 1960 لإنشاء أول هيئة مُكلّفة بتعزيز التعاون في مجال علوم البحار (الأوقيانوغرافيا)، وهي لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات.

ينس بويل

مؤرخ دنماركي ورئيس قسم الأرشيف باليونسكو من سنة 1995 إلى سنة 2017. كان وراء إطلاق مشروع "تاريخ اليونسكو" سنة 2004، وهو مشروع يشجع على استغلال أرشيف المنظمة. له كتاب سيصدر سنة 2022 بعنوان استكشاف المحيط Exploring the Ocean، يتناول فيه تاريخ لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات.

خلال الفترة الممتدّة من سنة 1959 إلى سنة 1965، جالت المحيط الهندي 45 سفينة مختصّة في البحوث، حاملة لأربعة عشر علمًا مختلفًا. وكان لمجموعات الأطلس والخرائط والدراسات العلمية التي أنتجتها هذه البعثة أثره في إحداث ثورة في المعارف الجيولوجية والجيوفيزيائية والبيولوجية المتعلقة بهذا المحيط حيث مكّنت البيانات التي تم جمعها من معرفة أفضل للرياح الموسمية وتنوعاتها، إضافة إلى اكتشاف موارد غذائية وحقول معدنية. كما ساعدت البعثة بلدانًا مثل الهند وإندونيسيا وباكستان وتايلاند على تطوير بُناها التحتية في مجال علوم البحار. وتعتبر هذه البعثة الدولية للمحيط الهندي إنجازا فريدا من نوعه وأكبر مبادرة لم يسبق إطلاق مثيل لها من قبل.

وقد مثّل هذا التنسيق للجهد البحثي الدولي غير المسبوق أوّل مهمة كبرى للجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات التي احتفلت بالذكرى الستين لتأسيسها في 14 ديسمبر 2020.

التشارك في المعارف

كان الطريق طويلا نحو إنشاء اللجنة الحكومية الدولية للمحيطات. فمنذ الدورة الأولى للمؤتمر العام، في نوفمبر 1946، اقترحت الهند إنشاء معهد لعلوم المحيطات وصيد الأسماك يُكلّف بدراسة المحيط الهندي. لكن المبادرة السياسية الأولى من أجل إدراج علوم البحار في برنامج اليونسكو تعود إلى اليابان التي قدمت، سنة 1952، مشروع قرار يدعو المنظمة إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال علوم المحيطات. ويهدف المشروع إلى بلوغ الاستغلال الأمثل للموارد البحرية (صيد الأسماك والموارد المعدنية والطاقة) و"توفير أرضية للعيش السلمي للإنسانية جمعاء". وقد حظي المشروع بقبول حسن لكنه لم يُشفع برصد موارد ذات بال من قبل اليونسكو. ووجب انتظار سنة 1954 ليحظى المشروع باهتمام أكبر بمناسبة انعقاد الجلسة الموالية للمؤتمر العام، عندما اقترحت اليابان من جديد إطلاق برنامج في مجال علوم البحار.

وقد كان لمشروع السنة الجيوفيزيائية الدولية ( يوليو 1957 - ديسمبر 1958 ) دور أساسي في الديناميكية التي دفعت إلى إنشاء لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات حيث تولّى هذا المشروع إعداد إطار لسلسلة هامّة من الأنشطة الجيوفيزيائية العالمية. ورغم أن أبرز هذه الأنشطة كان إطلاق السوفييتيين للقمر الصناعي سبوتنيك 1، كأول قمر صناعي، إلا أن السنة الجيوفيزيائية الدولية عزّزت أيضا، على نحو كبير، اهتمام المجتمع الدولي بمشاريع علوم المحيطات.

هذا الاهتمام أملته دوافع مختلفة، خاصّة منها دراسة الأمواج والتيارات البحرية، وحركات المد والجزر، والانشغال بخصوص التلوث الإشعاعي، والبحث عن الموارد الغذائية أو الطبيعية، ورغبة العلماء في تحسين المعرفة بالقيعان العميقة للبحار، والتفاعلات بين المحيطات والغلاف الجوي. هكذا أخذت فكرة وجوب جمع البيانات حول كل هذه المواضيع وتقاسمها، عالميًا، تفرض نفسها تدريجيا.

في يوليو 1960، نظّمت اليونسكو في كوبنهاغن، بالدنمارك، مؤتمرا حول علوم المحيطات، شاركت فيه وفود من 35 دولة وممثلون عن منظمات دولية أخرى، وأوصى بإنشاء هيكل حكومي دولي جديد لتطوير الدراسة العلمية للمحيطات. وتمت الموافقة على هذا الاقتراح في ديسمبر 1960 من قبل المؤتمر العام.

هذه المبادرة كانت الأولى من نوعها، إذ لم يسبق لعلوم المحيطات أن حُظيت بمثل هذه المكانة المُتميّزة في جدول الأعمال السياسي الدولي.

من الفكرة إلى التطبيق

عند تأسيس اللجنة الحكومية الدولية للمحيطات، كان بعض العلماء يفضل إنشاء وكالة تابعة للأمم المتحدة قائمة بذاتها تحت تسمية المنظمة العالمية لعلوم المحيطات. وتساءلت وكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة عن الأسباب التي جعلت اليونسكو تأخذ بزمام المبادرة في هذا المجال، نذكر منها بالخصوص منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، اللتين رجّحتا خبرتهما في مجالي صيد الأسماك والرصد الجوي.

فمسألة توزيع الصلاحيات داخل منظومة الأمم المتحدة مثّلت تحديًا على مرّ السنين، إلّا أن معظم أنشطة اللجنة الحكومية الدولية للمحيطات كانت تُنجز بالتعاون الوثيق مع وكالات الأمم المتحدة وشركاء آخرين. كما لعبت هذه اللجنة دورًا نشيطا في أشغال الأمم المتحدة لا سيّما في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تعتبر الإطار القانوني العالمي للمحيط.

أما التحدي الآخر فتمثّل في تحديد مشمولات هذه اللجنة الجديدة. فمنذ البداية، طُرح السؤال حول ما إذا كان يجب دعم البحوث المتقدّمة لتوسيع حدود المعرفة في أسرع وقت ممكن، أم التركيز على تنمية قدرات علوم المحيطات في البلدان النامية. وفي واقع الأمر، استطاعت اللجنة الحكومية الدولية للمحيطات تأمين الخيارين معا، مع تركيزها اليوم، على نحو أكبر، على تعزيز القدرات.

خلال 60 عامًا من وجودها، عملت اللجنة، التي أصبحت تضم الآن 150 دولة عضوًا، على إعادة توجيه أنشطتها تدريجياً نحو أنظمة المراقبة المنهجية والمستمرّة مثل النظام العالمي لرصد المحيطات الذي أُنشئ سنة 1991، والمفهوم العام للتنمية المستدامة. لكن يبقى من صميم نشاطها البحث وتبادل المعارف حول جميع المواضيع المتعلقة بعلوم المحيطات، كما هو الشأن بالنسبة لتقرير علوم المحيطات العالمي.

 وكان من أوّل إنجازات اللّجنة إنشاء برنامج التبادل الدولي للمعطيات والمعلومات الأوقيانوغرافية سنة 1961، والذي ما زال يمثل حجر الزاوية في عمل اللجنة الحكومية الدولية للمحيطات، ونذكر من بين المشاريع التي يتكوّن منها هذا البرنامج  نظام المعلومات البيوجغرافية للمحيطات (منذ 2009). ومن بين نقاط القوة الأخرى في أنشطة اللجنة الحكومية الدولية للمحيطات نظام الإنذار المبكّر ضدّ التسونامي والتخفيف من نتائجه في المحيط الهادئ الذي أنشئ سنة 1965 لإنقاذ الأرواح، وصار من وقتها نموذجا يحتذى به لفائدة المناطق الأخرى المُعرّضة للأخطار مثل المحيط الهندي، ومنطقة البحر الكاريبي، وشمال شرق المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط.

كما أخذت اللجنة الحكومية الدولية للمحيطات زمام المبادرة خلال العشرية الدولية لاستكشاف المحيطات (1971-1980) للتحسيس بأهمية علوم المحيطات. لذلك، من الطبيعي أن تُصبح، بعد خمسين سنة، الوكالة الرائدة بمناسبة إعلان الأمم المتحدة فترة 2021-2030 "عشرية علوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة".

مطالعات ذات صلة

لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات: خمسة وعشرون سنة من البحوث، رسالة اليونسكو، فبراير 1986

اليونسكو وعلوم المحيطات، رسالة اليونسكو، يناير 1977

عشرون دولة تستكشف المحيط الهندي: على خطى العلوم، رسالة اليونسكو، أكتوبر 1962

اشترك في رسالة اليونسكو لمتابعة الأحداث. الاشتراك في النسخة الرقمية مجاني 100%.

تابع  رسالة اليونسكو على تويتر، فيسبوك، أنستغرام