بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

الشبكات الاجتماعية: الألدورادو الجديد للمهرّبين

cou_03_20_wide_angle_mashberg_web.jpg

فسيفساء مقتلعة على نحو غير قانوني ومعروضة للبيع على فيسبوك

تحوّلت مواقع البيع بالمزاد والشبكات الاجتماعية، في سنوات قليلة، إلى منصات رئيسية للاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية. ولئن فرض موقع فيسبوك مؤخراً حظراً على تداول الآثار عبر منصته، فما زال هناك الكثير مما يجب القيام به للقضاء على مثل هذه الممارسات التي توفّر للمهربين واجهة عالمية.

توم ماشبرغ

صحفي استقصائي سابق في صحيفة بوسطن هيرالد، يتعاون حاليا، على نحو منتظم، مع قسم الثقافة بصحيفة نيويورك تايمز. متخصص في عمليات سرقة القطع الفنية والآثار واسترجاعها. شارك في تأليف كتاب بعنوان سرقات رامبرانت: "القصص غير المرويّة عن عمليات سطو شهيرة على أعمال فنية Stealing Rembrandts: The Untold Stories of Notorious Art Heists "وهو كتاب يسرد تاريخ سرقات العديد من اللوحات والقطع الفنية.

في شهر يونيو، وبعد أكثر من عامين من الشكاوى الرسمية المقدّمة من قِبل متعقبي الآثار، اعترفت فيسبوك بأن موقعها كان يُستخدَم كسوق كبير على الإنترنت لبيع القطع الفنية المنهوبة من الشرق الأوسط.

وأعلنت مجموعة الشبكات الاجتماعية تغييراً رئيسياً في سياساتها مصرّحة بأنّه: "حمايةً للقطع الأثرية والمستخدمين (...)، فإننا نحظر من الآن فصاعداً تبادل، وبيع، وشراء أيّ قطعة تاريخية عِبر فيسبوك وإنستغرام".

وكان الوقت قد حان للقيام بذلك. فوفقاً للخبراء المعنيين بمشروع آثار، المتخصّص في تعقّب مهربي الآثار وأنثروبولوجيا التراث، والذين أدانوا هذه الممارسات منذ عام 2014، فإن المنصات الإلكترونية لم تبذل ما يكفي من الجهود لمنع التبادل غير المشروع بالآثار وغيرها من القطع التاريخية.

وقد زادت جائحة كوفيد ـ 19 من تفاقم هذه المشكلة بدفعها عددا متزايدا من البائعين والمشترين نحو الإنترنت بعد أن اكتشفوا أنّ انضمامهم إلى بعض مجموعات فيسبوك غير الخاضعة للرقابة يؤهلهم إلى دخول الأسواق غير القانونية بسهولة. 

آفة عالمية

ليس فيسبوك نقطة البيع الوحيدة عِبر الإنترنت. فبيع الآثار بطرق غير قانونية يتم أيضا عبر طيف واسع ومتنوّع من مواقع البيع بالمزاد، لاسيما إيباي eBay وإنفالوابل Invaluable وكاتاويكي Catawiki، وجو أنتيك GoAntiques، التي تُستخدم، جميعها، للعثور على مشترين من بين المقيمين بصفة أساسية في أوروبا والولايات المتحدة رغم أنّ ميثاق الاستخدام لهذه المواقع يحظر نظرياً مثل عمليات البيع هذه.

فعلى سبيل المثال اعتمد موقع إيباي القاعدة التالية: "يشترط أن تشير الإعلانات عن القطع العتيقة إلى مصدر مِلكيتها أو إلى التسلسل الزمني لانتقال ملكيتها مع توفير صورة فوتوغرافية، إن أمكن، أو صورة رقمية لوثيقة رسمية تحدّد بلدها الأصلي والتّراتيب القانونية لبيعها. كما يجب أن تكون القطعة موضوع ترخيص في توريدها وتصديرها".

بيد أنه من شبه المستحيل، عملياً، إيقاف عمليات البيع التي تنتهك هذه القواعد. يقول نيل برودي، مدير البحوث في جامعة أوكسفورد، المتخصص في الآثار المعرضة للخطر وصاحب العديد من المقالات عن التجارة عِبر الإنترنت: "نظرا للعدد الكبير للقطع المباعة على الأنترنت وسرعة تداولها، ليس في مقدور الهيئات الرقابية الوطنية العديدة أن تمارس رقابة مستمرّة على الأسواق الإلكترونية".

إنه من الصعب تقدير عدد القطع المعروضة للبيع بالمزاد العلني عِبر الإنترنت بطرق غير قانونية. ففي تقرير اللجنة الأوروبية عام 2019 بشأن التجارة غير المشروعة في أوروبا، يقدِّر نيل برودي مجموعات القطع الاثرية التي بيعت في المملكة المتحدة عام 2018 بحوالي 52.560 مجموعة مقابل مبلغ 1,8 مليون يورو، والأرجح أنّ جزءا كبيرا من هذه المعاملات تمّ على نحو غير قانوني. 

كما أدانت اليونسكو وشركاؤها المكلّفون بتطبيق القانون ـ ومن بينهم منظمة الشرطة الجنائية الدولية (أنتربول)، ومنظمة الجمارك الدولية، والمعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص ـ ازدهار تجارة القطع الأثرية عِبر الإنترنت.

وخلال محاضرة عِبر الفيديو أُلقيت في 26 يونيو لدعم تدابير جديدة تمنع ممارسة مثل هذه الصفقات، قال إرنستو أوتوني راميريز، المدير العام المساعد لليونسكو للثقافة: "علينا مضاعفة الجهود من أجل مكافحة هذه الآفة العالمية". والواقع أن فيسبوك وإباي وغيرهما من المواقع تتعرض منذ وقت طويل إلى انتقادات حادّة بسبب دورها كمنصات للاتجار غير المشروع.

نهب حسب الطلب

يرجّح الخبراء أنّ الاتجار بالآثار بدأ منذ عام 2011، أي تزامنا مع الربيع العربي تقريباً. ويرى عمرو العظم، أستاذ التاريخ وأنثروبولوجيا الشرق الأوسط في جامعة شاوني ستايت بولاية أوهايو (الولايات المتحدة) ومنسّق مشروع "آثار"، أن تنظيم الدولة الإسلامية قد اكتسب في الفترة ذاتها طابعاً احترافياً في مجال نهب المواقع الأثرية في كلّ من العراق وسوريا، مستخدماً الفيسبوك بوجه خاص.

ويضيف العظم: "إن الشبكات الاجتماعية قد أسقطت الحواجز أمام اقتحام الأسواق". وقد أحصى، في سبتمبر 2020، رفقة كاتي بول، عالمة الأنثروبولوجيا والمديرة المشاركة في مشروع "آثار"، ما لا يقل عن 120 مجموعة فيسبوكية، أغلبها باللغة العربية، مرتبطة بالتجارة غير المشروعة للآثار القادمة من الشرق الأوسط. ويُعدّ أعضاء هذه المجموعات بمئات الآلاف.

إضافة إلى أنّ مواقع المزادات عبر الإنترنت تشكل جزءاً من المشكلة إذ كما تقول كاتي بول: "هذا، دون احتساب مئات الآلاف من الأشخاص الذين يتابعون نفس بائع الآثار غير القانوني كما هو الحال بالنسبة إلى مجموعات الفيسبوك هذه".

وتضيف:"إنها مسألة تفاوت في الأحجام. فموقع إباي يضمّ نحو 182 مليون مستخدِماً في حين يضمّ فيسبوك أكثر من 2 مليار مستخدِم إضافة إلى إمكانية النّفاذ إليه في جميع البلدان النامية".

 ووفقاً لعمرو العظم، فإن أولئك الذين يسعون إلى شراء قطع أثرية أو بيعها يشرعون في البحث، عادة، انطلاقا من إحدى المجموعات الفيسبوكية  ويتمّمون الصفقات بالانتقال إلى التطبيقات المشفّرة. ويضيف أن المشترين يقومون بنشر الطلبات على القطع الأثرية على نطاق واسع، مما يشجّع على ما يسمّيه "النّهب حسب الطلب".

وقد نشر  مشروع "آثار"، في تقرير صادر عام 2019، عديد الصّور وشرائط الفيديو، المأخوذة عن مجموعات فيسبوكية، تعرض لوحات فسيفسائية، وعناصر معمارية، وتماثيل، وأقنعة جنائزية مصرية، بل حتّى توابيت جنائزية.

وتقول كاتي بول أنّ المهربين لا يتردّدون في نشر صور كتالوجات لقطع معروضة علنيا للبيع بالمزاد من أجل إعطاء فكرة عن قيمتها. وتضيف أن المهرّبين يسعون أيضاً إلى طمأنة المشترين غير القانونيين للقطع الأثرية بشأن أصالة التحف المعروضة من خلال نشر صور أو شرائط فيديو تبيّن عملية استخراجها من مواقعها الأصلية. ويذهب بعضهم إلى حدّ نشر تعليمات مفصّلة وموجّهة إلى السّاعين إلى النّهب بشأن كيفية تحديد المواقع الأثرية  الهشّة وطرق استخراج الكنوز المحتملة على نحو سليم.

وأخيراً، تقول كاتي بول، معبّرة عن غضبها، إن بعض المجموعات والمواقع المختصّة في الاتجار بالآثار "توصي بها" خوارزميات المنصات الإلكترونية لفائدة مستخدميها "ففي كل مرّة يتصل فيها مشروع "آثار" بإحدى هذه المجموعات لتفتيشها، توصي خوارزمية فيسبوك بالتوجّه إلى ثلاث مجموعات أخرى".

كما اكتشف مشروع "آثار" توجّها آخر يتمثّل في البيع المباشر والآني بالمزاد العلني عِبر الإنترنت للقطع الفنية، حيث يُشاهَد النهّابون وهم يستخرجونها من الأرض دلالة على أصالتها. وحين يظفر أحد المشترين بقطعة أثرية، تُبيَّن له كيفية لصق بطاقة مزوّرة على القطعة وطريقة تسفيرها عبر بلدان العبور.

وكان كلّما بادر عمرو العظم وآخرون، في بعض في الحالات التي يفرض فيها فيسبوك أو غيره من مواقع المزادات حظرا على أحد الباعة، بطلب عدم حذف صفحاته باعتبارها أدلة حاسمة للشرطة ولخبراء التراث نظرا لما تمثله، أحيانا، الصور وشرائط الفيديو المحمّلة من قِبل النهّابين من أدلة وحيدة على وجود هذه القطع، إلاّ وكان الردّ بأنّ المنصات لا تحتفظ بالمحتويات المحذوفة لأسباب تتعلق بسرية البيانات.

وقد يتواصل تدفّق القطع الأثرية على الأسواق خلال السنوات المقبلة إذ كثيراً ما يحتفظ المهرّبون بهذه القطع خلال سنوات عديدة إلى حين تهدأ الأمور أو في انتظار تزوير الوثائق الخاصة بها قبل عرضها في الأسواق. 

وفي هذا السياق، تكتسي الصور وشرائط الفيديو الخاصة بالقطع المسروقة أهمية حاسمة. يقول عمرو العظم بشأنها: "إنها تشكل أدلة رقمية  من المقام الأوّل بالنسبة لأهل الاختصاص العلمي، وعنصرا أساسيا في الجهود المستقبلية المتعلقة بإعادتها إلى بلادها الأصلية".

قراءات إضافية

نهب الآثار: حتى يتوقف النزيف، رسالة اليونسكو، تشرين الأول/ أكتوبرـ كانون الأول/ ديسمبر 2017

 

اشترك في رسالة اليونسكو لمتابعة الأحداث. الاشتراك في النسخة الرقمية مجاني 100%.

تابع  رسالة اليونسكو على تويتر، فيسبوك، أنستغرام