بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

إزالة الكربون: لِنبدأ بالمدن!

cou_03_19_wide_angle_manuel_website.jpg

مدينة الغد، رسم للطفل وانغ بويا، 7 سنوات، في إطار الحملة التحسيسية «هكذا أتصور عالم الغد» التي نظمتها رسالة اليونسكو سنة 2019.

يجب على الجهات الفاعلة غير الحكومية، وعلى رأسها البلديات، أن تكون أول من يغرس بذور مجتمع خال من الكربون. ولتفادي كابوس أحوال جوية مضطربة، ينبغي مواصلة التخفيض من انبعاثات الكربون إلى ما أبعد مما تنص عليه اتفاقية باريس. ويقتضي هذا الأمر بذل جهود متضافرة على نطاق عالمي، واتخاذ مبادرات ملموسة من قبيل كهربة وسائل النقل وجعل المساكن خالية من انبعاثات الكربون، فضلاً عن إجراء تحوّل في مجال الطاقة على أوسع نطاق.

 

بقلم مانويل غوزمان هينيسي

ساد الاعتقاد، قبل نشر التقرير الخاص الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ في أكتوبر 2018، بأن نقطة التحوّل في ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض تعادل 2 درجة مئوية (تعني نقطة التحول العتبة الحرجة لانتقال المناخ من حالة مستقرة إلى حالة مستقرة أخرى). غير أنه، منذ ذلك الحين، تم إثبات أن نقطة التحول تعادل 1,5 درجة مئوية. ويلاحظ المختصون في العلوم في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ أنه، إذا ما تم تجاوز هذا الحد، فإن المجتمع سيتعرض لعواقب وخيمة مثل اختفاء نظم إيكولوجية بأكملها وزوال عدة أنواع حيوية، وذَوبان القمم القطبية، وارتفاع مستوى سطح البحار، وحدوث موجات حرارة وجفاف شديدة، إضافة إلى تزايد الظواهر المناخية القاسية وتَفاقم حدّتها.

لكن تبين أن اتفاق باريس لعام 2015 غير كافٍ لتفادي هذه الكارثة. وقد بين العلماء أن الحد من  من ارتفاع درجة حرارة العالم، كي لا يتخطى 1،5 درجة بدلاً من 2 درجة مثلما نص عليه هذا الاتفاق، يجب، بحلول عام 2030، تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصافية على الصعيد العالمي بنسبة 45% تقريباً مقارنةً بمستويات عام 2010، وتقليص الانبعاثات لتبلغ «مستوى الصفر»  حوالي عام 2050. غير أن الأهداف المحددة للتخفيض من هذه الانبعاثات بموجب اتفاق باريس لا تتعدى في المتوسط نسبة 25%. 

ما هو موقف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ من هذه المسألة؟ ترى الهيئة أنه يجب «إدخال تغييرات واسعة النطاق وغير مسبوقة»، تخص بشكل أساسي تخفيض انبعاثات الكربون التي نحدِثها. وترتبط مباشرةً انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتراكمة ومتوسط ارتفاع درجات الحرارة بإنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري. ويترتب على ذلك احترار عالمي لم نشهد له مثيلاً حتى الآن. واتسمت السنوات الثلاث الأخيرة بكونها أكثر السنوات حرارةً في التاريخ.

بصيص من الأمل

ما الذي يبرر إذن قناعة أهل العلم بأنه من الممكن زرع بذور مجتمع خال من الكربون بحلول عام 2030؟ في رأيهم، من الممكن تحقيق مجتمع خال من انبعاثات الكربون. ولا يتعلق الأمر بمجتمع «بديل» أو بنموذج اجتماعي تجريبي، بل تمثل إزالة الكربون الشرط الجديد لضمان بقاء الحياة على وجه الأرض.

منذ عام 1977، تنشر الوكالة الدولية للطاقة التي تُعد من أوثق المصادر المعترف بها، تقريرا سنويا حول توقعات الطاقة في العالم. ومن الممكن أن نستخلص من التحليلات المنشورة في تلك التقارير أن المجموعات غير الحكومية المؤلفة من مواطنين، وباعِثي مشاريع، وبلديات وجامعات، قامت بالدور الريادي في الجهود الرامية إلى إزالة الكربون. وهناك عدد لا يحصى من المنصات التي تعرض الأنشطة في مجال المناخ التي تقوم بها هذه الجهات الفاعلة الجديدة، والتي ترسم يوميا بشكل واضح تحولا يشق طريقه - أحياناً بسرعة تتجاوز خطى البلاد التي تنتمي إليها - نحو تحقيق الأهداف التي حددتها. وفي ما يلي عرض لهذه القناعات الجديدة  التي من شأنها أن تعطينا أملاً جديداً. 

أولاً،  تجاوز نمو قدرات الطاقة الشمسية الضوئية القائمة في عام 2016 نمو جميع مصادر الطاقة الأخرى. ثم إنه منذ عام 2010، انخفضت تكلفة الإنشاءات الجديدة بنسبة 70% في ما يتعلق بالطاقة الشمسية الضوئية وبنسبة 25% في ما يخص الطاقة الريحية. وبالإضافة إلى  ذلك، انخفض سعر البطاريات الضوئية بنسبة 40%. ومن ناحية أخرى، سوف تمثل الطاقات الريحية والشمسية معاً، في الفترة ما بين 2020 و2050، ما نسبته 48% من إجمالي توليد الكهرباء. وقد حدد مجلس أوروبا أهدافاً جديدة يتعين بلوغها في عام 2030 وهي: التخفيض بنسبة 40% من انبعاثات الكربون، وبلوغ نسبة 27% من الطاقات المتجددة في مجمل إنتاج الطاقة، وتحسين نجاعة استخدام الطاقة  بنسبة 27%.

مدن تتحرك لصالح المناخ

أعتبر أنه من باب الممكن تحقيق مجتمع خال من الكربون إذا ما تم تركيز الأنشطة الانتقالية المتعلقة بالمناخ على إدارة المدن، وإذا ما تم إنجازها بطريقة مترابطة وتعاونية وعالمية، وذلك خلال الفترة ما بين 2020 و2030.

لماذا نبدأ بالمدن؟ لأن المدن تتسبب في ثلاثة أرباع انبعاثات الغازات الدفيئة وتستهلك ثلثي الطاقة العالمية. كما أن 70% من المدن تعاني بالفعل من الآثار الناجمة عن تغيّر المناخ، فضلاً عن أن جميعها تقريبا معنية بالتهديدات الناجمة عن تغير المناخ.  وفي أفق عام 2060، سوف يعيش أكثر من مليار كائن بشري في مناطق حضرية ساحلية قليلة الارتفاع عن سطح البحر ـ أي ما يناهز حسب التوقعات 10% من سكان العالم في ذلك الأفق ـ، والجزء الأكبر منهم في البلدان النامية. 

هذه الأرقام التي استقيتها من الخبيرة باهاريه سيادي، المستشارة في مجال السياسات المتعلقة بالمناخ في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ترسم ملامح هشاشة المدن في مواجهة تغيّر المناخ، كما تدفعنا لإمعَان التفكير في الموضوع. 

من الواضح أنه يجب على المدن إعداد خطط عمل في مجال المناخ، بحلول نهاية عام 2020 (أي في الغد القريب!)، ترمي إلى  ضمان عدم تجاوز 1،5 درجة مئوية كحد أقصى، والتكيف مع آثار تغيّر المناخ. ومن الممكن بناء خطط العمل هذه حول المحاور الثلاثة التالية: الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وزيادة القدرة على التكيّف، والتثقيف. 

وتشمل عملية الحد من انبعاثات الكربون تحقيق تحول نوعي في نظم النقل، والكفاءة في استخدام الطاقة، والتصرف في النفايات بصفة متكاملة مع تعزيز عملية إعادة التدوير، فضلاً عن تجديد البنى التحتية الحضرية نحو أنماط مستدامة. أما الزيادة في القدرة على التكيف، فلا بد أن تنطلق  من التسليم بأن المدن هي نظم معقدة ويجب بالتالي أن تستجيب لآثار تغيّر المناخ بطريقة معقدة. ويشمل هذا المحور تكييف الأقاليم مع تغيّر المناخ، وإدارة المخاطر والوقاية منها، وتعزيز نظم الاقتصاد الدائري والمحلي، وتطبيق نظم للطاقة اللامركزية (فيما يتعلق بإنتاج وتوزيع فوائض الطاقات المتجددة وتسويقها). أما تثقيف سكان المدن، ولاسيما الأجيال الشابة، فهو أمر أساسي حيث أنه يتيح لهم تطبيق التحوّلات على نحو منتظم وسريع.

أما المدن التي سوف تتقيّد بمسار «لا كربون على الإطلاق»، فسوف تضطر على ربط التصميم الأفضل للمناطق الحضرية بالتكنولوجيات الرقمية المتطورة حتى تنجح في مواجهة التحديات.

وسوف يقتضي الأمر أن تقوم هذه المدن بتخليص الشوارع من الوقود الأحفوري من خلال الاقتصار، إعتبارا من عام 2025، على استخدام حافلات لا تتسبب بتاتا في حدوث الانبعاثات، وضمان خلو المناطق الحضرية الكبرى من انبعاثات الكربون بحلول عام 2030.

ومن الإجراءات الهامة أيضاً إزالة الكربون من الأبنية من خلال اعتماد أنظمة أو صياغة سياسات تقتضي من الإنشاءات الجديدة تخفيض صافي انبعاثات الكربون إلى مستوى الصفر بحلول عام 2030، وتطبيق ذلك على جميع الأبنية بحلول عام 2050.

ومن أبرز التدابير التي يتعين اتخاذها تخفيض كمية النفايات التي ينتجها الفرد الواحد بنسبة 15% على الأقل بحلول عام 2030 وتخفيض حجم النفايات الجامدة التي تنتجها البلديات والموجهة نحو المزابل أو المحارق بنسبة 50% على الأقل.

وأخيراً، سيتعيّن على المدن اتخاذ إجراءات في مجال المناخ يكون لها تأثير اجتماعي قوي، من شأنها أن تجلب فوائد مهمة على المستوى البيئي والاجتماعي والاقتصادي والصحي، وذلك بالتركيز  أولاً وقبل كل شيء على المجتمعات الهشة والأفراد ذوي الدخل الضعيف.

اليونسكو: مسألة المياه في المدن الكبرى

مانويل غوزمان هينيسي

أستاذ في جامعة روزير في بوغوتا (كولومبيا). أسس مانويل غوزمان هينيسي شبكة «كليمافوروم لاتينوأمريكا نتوارك» وهي مؤسسة مستقلة تعتني بتعزيز الأنشطة في مجال المناخ التي تساهم في في إزالة الكربون من المجتمعات. وتعمل هذه الشبكة بالاشتراك مع جامعات وشركات وجمعيات مواطنية وتتألف من مجلس استشاري وفريق من مناصري البيئة المعترف بهم.