أفكار

تأمّلات في الحرية والفن

cou_01_19_auden_01_web.jpg

«بارثينون الكتب»، نصب للفنان الأرجنتيني مارتا مينويين عرض في دوكيمنتا 14 في مدينة كاسل (ألمانيا) سنة 2017. وقد تمّ تصميمه باستعمالكتب ممنوعة سابقا أو حاليا في بعض الدول، كرد فعل ضد الرقابة.

«الشعراء ليسوا بمُشرّعي العالم الذين تم تجاهلهم»، كما ورد في المقولة الشهيرة للشاعر البريطاني شالاي، «لم يكونوا كذلك أبدا، ويُستحسن أن نسعى لإقناعهم بذلك». هذا ما كتبه ويستان هيوغ أودن في نصّ لم يُنشر منذ أن كتبه سنة 1947. يطرح أودن تساؤلات حول حدود الحرية والفن، وعن قدراتِهما الكامنة والتفاعلات في ما بينهما. نظرة هذا الكاتب الأنجلو-أمريكي بعيدة عن منظور الحركة الرومانسية التي تمنح للفن أهميّة أكبر من أهميته الحقيقية، بل هو يُؤيّد النظرة الشكسبيرية: الفن مرآة تعكس الطبيعة.

 

بقلم ويستان هيوغ أودن

الحرّية تعني ضمنيا حرية الاختيار. نُمارس تلك الحرية عندما نواجه وضعيات متعددة ممكنة، فنختار ردة فعل واحدة ونستبعد كل الإمكانيات الأخرى. إن الاختيارات الحرّة هي اختيارات قاطعة. وقد تحمّس علماء اللاهوت الليبراليون - بكل غباء - لمبدأ هايزنبرغ، ذلك أن السلوك المتردد قد يُلائم الإلكترون، لكنّه لا يُرضي الإنسان الحرّ بما فيه الكفاية.

هناك ثلاثة أنواع من الاختيارات:

اختيار الفعل: الرجل العطشان الذي يجد نفسه في قلب الصحراء ليس حرّا، لا لأنه غير قادر على إطفاء ظمئه، وإنما لأن ليس بإمكانه الاختيار بين أن يشرب الماء أو لا يشرب.

اختيار الحكم على القيمة: جيّد أو سيّء، صحيح أو خاطئ، جميل أو قبيح، مطلق أو نسبي، إجباري أو ممنوع. الإنسان الذي لم يُشاهد غير صورة واحدة ليس حرّا بأن يُقرّر إن كانت جميلة أو قبيحة. كما أن الإنسان الذي يُوجد تحت وطأة الغضب أو الخوف ليس حرّا، لأنه لم يعد واعيا بأي حالة نفسية أخرى ولم يعد قادرا على تقييم مدى غضبه أو خوفه.

اختيار السلطة: يجب الإيمان بذلك الإله، أو ذلك الإنسان، أو تلك المنظمة وطاعتهم في كل الحالات. هنا أيضا، إذا غاب الوعي أو امكانية الاختيار، غابت الحرية.

إن التعطّش الروحي للإنسان يختلف تماما عن شهواته الطبيعية مثل الجوع أو الرغبة الجنسية. أذكر نوعين منه: التعطّش إلى التحرّر من الوضعية الشخصية والتعطّش إلى القيمة الذاتية. والنوعان قد يكونا - بل هما فعلا في كثير من الأحيان - مُتصارعين. ذلك أنه في الحالة الأولى، يرى الإنسان في كل ما هو «مُعطى»، سواء من طبيعته الشخصية أو من العالم الذي يُحيط به، أنه يحدّ من حرّيته، ممّا يجره إلى سلوك غير مبرر، في حين أنه لا يُمكن له أن يشعر بقيمته إلا باعتبار ما هو «مُعطى»، لا غير. كل الحالات الإعتباطية المطلقة من شأنها أن تكون في نفس الوقت تافهة بشكل مطلق.

الفن بمثابة اللعبة

من بين المحاولات البشرية لإطفاء هذين النوعين من التعطش، نذكر الفعل الإجرامي دون مبرّر، ومخالفة القانون لمجرّد المتعة بالمخالفة، حيث يمنح القانون أهميّة الفعل، وتتأكّد الحرية من خلال مخالفة القانون. محاولة أخرى تتمثّل في اللعب، حيث يحترم اللاعب قواعد اللعبة لأنه هو الذي وضعها. في الواقع، كل شكل من أشكال الفن، وكل علم محض، وكل إبداع، هو بمثابة اللعبة. أما السؤال «ما هو الفن؟» والسؤال «لماذا يُبدع الفنان؟»، فهما مسألتان مختلفتان.

يبدو لي أن ما يحثّ على الإبداع، مهما كان نوعه، هو الرغبة في تحقيق شيء ضروري لا مناص منه. وتبقى الرغبة في أن يؤول إلى شيء هام أمرا ثانويا.

إن أهمية اللعبة في نظر اللاعب تقاس بمدى تعقيد قواعدها. بقدر صعوبة ممارستها، بقدر ما يتسنى له اختبار مواهبه الفطرية  أو كفاءته المُكتسبة وإثباتها. وحيث أن اللعب مقبول اخلاقيّا، فإن المشاركة فيه لا تتوقّف إلا على وجود الرغبة في اللعب من عدمها، أي على مهارة اللاعب. إذا سألنا جرّاحا ماهرا لماذا يُجري العمليات الجراحية، وإذا كان صادقا، لن يُجيب بأنه «من واجبه إنقاذ الأرواح»، بل «لأنه وَلوع بممارسة الجراحة». وقد يكِن الجراح للمريض كراهية قصوى، إلا أنه سوف يُنقذ حياته لأنه يجد متعة في ممارسة كفاءته.

يجب إذن أن نقول، بالمعنى العميق للكلمة، بأن ممارسة الفن والعلم هي من قبيل العبث لأنها مرتبطة بمواهب خصوصية مَنحتها لنا الصدف. والجانب الجدّي الوحيد يتعلق بما نملكه جميعا كذوات بشرية، تلك الإرادة الداعية إلى أن نحب غيرنا كما نحب أنفسنا. وفي هذا الصدد، لا مجال للحديث عن موهبة للحب، ولا عن متعة وألم. فإذا سألنا السامري الصالح لماذا أنقذ الرجل الذي سقط بين أيدي اللصوص، لن يجيب «لأنني أحب فعل الخير» - إلا إذا أراد الهزل - لأن المتعة والألم ليست لهما أية علاقة بالموضوع: الأمر يتعلق فقط بالطاعة لوصيّة «ستُحب».

حبّ مشترك

هناك ثلاثة أصناف من المجموعات الإنسانية:

الحشود، أي شخصان أو أكثر، خصوصيتهم المشتركة الوحيدة هي وجودهم مع بعضهم. مثال ذلك: أربعة أجانب في  نفس عربة القطار.

المجتمعات، أي شخصان أو أكثر تجمعهم غاية تحقيق عمل يتطلّب مشاركتهم جميعا، مثال ذلك: رباعي عازف على آلات وترية.

التجمعات، أي شخصان أو أكثر يجمع بينهم حب مشترك لشيء ما غير أنفسهم، مثال ذلك: قاعة مليئة بعشّاق الموسيقى.

للمجتمعات حجم وهيكل مُحدّدان، ويختلف طابعها عن طابع مجموع الأجزاء المكونة لها. لذلك، فإن إرادة العضو الفرد تخضع للإرادة العامة للمجتمع، مهما كان مضمون ما اتُّفِق عليه. عضو الرباعي العازِف على الآلات الوترية يجب أن تتوفر لديه القدرة على تقرير ما ستَعزفه المجموعة - قطعة موسيقية لموزار أو لبيتهوفن - وعلى الأعضاء الآخرين طاعته، سواء كان الاختيار ملائما لهم أم لم يكن. والمجتمع يُمكن أن يكون في ذات الوقت تجمّعا، ولكن ليس بالضرورة. إذ يُمكن أن يكون عازف الكمنجة الكبيرة في الرباعي الذي تحدّثنا عنه يكره الموسيقى ولا يعزف إلا لكسب قوته. فالمجتمع حرّ طالما أن من تعود له السلطة لا يُمارسها إلا بموافقة حرة من كل الآخرين. والمجتمعات تسير بطريقة أفضل طالما كانت حرّة، لكن في بعض الحالات، يمكن بل ويجب فرض بعض القيود لإجبار أحد الأعضاء المتمرّدين على أداء وظيفته التشاركية. أما التبرير الأخلاقي لذلك فيعتمد على عاملين:

أهميّة الوظيفة المُناطة بعهدة المجتمع

مدى امكانية تعويض العضو المُتمرّد بعضو آخر أكثر استعدادا.

ومثلما هو الشأن بالنسبة إلى الحشود، فإن التجمّعات ليس لها حجم مُحدّد. فلا يُمكن إذن الحديث عن «إرادة جماعيّة» لتجمّع ما، بما أنه لا  يُمكن أن يوجد خلاف بين الأفراد المُكوّنين له: فهم ينتمون لذلك التجمّع بالذات لأن لهم، كأفراد، نفس الميولات (على عكس أعضاء الحشود الذين ليس لديهم أي ميولات مشتركة). وقد جاء في تصريح لفلاديمير كورتسكي خلال ندوة الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان، نشرته مجلة تايم ماغازين الصادرة بتاريخ 23 يونيو [1947]: «لا يُمكن لأحد أن يحظى بأي حقّ يجعله في خلاف مع تجمّعه. ومن كان في خلاف مع تجمّعه، فهو لا شيء». فإذا كانت الترجمة موثوقة، فإن  كلام كورتسكي غير معقول تماما.

قد يكون الفرد في خلاف مع المجتمع (مثلا، لما يؤدي عازف الكمنجة الكبيرة بنشاز)، لكن إذا كان بقية أعضاء الرباعي مولعين بموزار وهو يكرهه، فذلك يعني ببساطة وجود تجمّعين – تجمّع يتضمّن أفرادا يُحبّون موزار، وآخر مُحتمل يجمع أفرادا يكرهونه - لأن التجمع يُمكن أن يقتصر في البداية على فرد واحد، بينما وجود المجتمع مشروط بحضور كافة أعضائه وارتباطهم بشكل صحيح.

هناك صنفان من التجمّعات: التجمعات المُغلقة أو الخاضعة، والتجمعات المنفتحة أو الحرّة. أعضاء التجمّع المُغلق لهم ميل مشترك، لكنهم لم يختاروه لأنهم ليسوا على علم بوجود ميولات أخرى بديلة يمكن لهم مقارنتها بما يشعرون، ليُحبّذوها أو ينبُذوها. أما أعضاء التجمّع المنفتح، فهم اختاروا عن وعي ميولاتهم من بين أخرى ممكنة.

الفنّ مرآة

إن كنت قد فهمت جيدا أسطورة أورفيوس أو تعريف التطهير النفسي عند أرسطو، فإن نظرية اليونانيين حول الفن هي نظرية خاطئة حسب اعتقادي، وقد ابتلى العالم، منذ ذلك العهد، بتلك النظرية القائلة بأن الفن عصا سحرية ترمي إلى إثارة العواطف الجيّدة وإبعاد السيّئة، للحث على السلوك المناسب. فإن كان الأمر كذلك، كيف نُفسّر فرض الرقابة على الفن الذي دعا له أفلاطون في الجمهورية أو تولستوي في ما الفن؟

التعريف الجيد، في اعتقادي، هو تعريف شكسبير الذي نصب مرآتا أمام الطبيعة. أي أن الفن لا يُغيّر ما أُحسّ به، لكنه يدفعني إلى الوعي بما أحسست به أو بما يُمكن أن أحسّ به، وبالعلاقات الفعلية  أو الممكنة بين أحاسيسي. إن عالم الفن هو عالم المرآة، أو بعبارة أخرى، هو صورة ممكنة للعالم الحقيقي حيث تقع معاينة العواطف بصفة منفصلة عن الشغف الفوري الذي أحدثها. ودور الفنان هو أن يخلق هذه المرآة التي تعكس صورة للعالم بأكثر ما يُمكن من الإحكام والشمولية. أما الفن الرديء، فهو يُشوّه الواقع، والفن المستصغر لا يعكس سوى زاوية ضئيلة أو تافهة من العالم.

الفن لا يُصدر أحكاما

للفن قيمتان: هو أوّلا يمنح متعة، متعة الفضول التافه، ثُمّ إنه يُوسّع مجال الحرية. فإن لم يكن للإنسان خيال، ووجد نفسه أمام طريقين ممكنين، لكان إما مضطرا على أن يسلك كلاهما، أو أن يقيم أحد أحاسيسه قبل أن يشعر بعكسه.

فالفن لا يُؤثّر، بل ولا يُمكن له أن يُؤثّر، على الاختيار أو على التقييم الذي نحمله في آخر المطاف، إنما هو، فقط، يُعطي لذلك وعيا أكبر.

إن قراءة مسرحية مكبث، مثلا، لا يُمكن أن تمنع فردا من ارتكاب جريمة قتل، لكن الذي قرأ مكبث يعلم معنى أن يكون قاتلا أكثر من الذي لم يقرأها، بل إنه، إذا قرّر أن يُصبح قاتِلا، فسوف تكون مسؤوليته أكبر.

بعبارة أخرى، لم يكن الفن أبدا وسيلة تُحوّل تجمّعا سيّئا إلى تجمّع جيّد، وإنما هو من الوسائل الهامّة التي تُحوّل التجمعات المُغلقة إلى تجمّعات مٌنفتحة.

كما أن الفن يمكن له أن يضرّ بطريقتين. أولا عندما يكون رديئا ويُؤدي بالتالي إلى  متعة من النمط القبيح. فلما يرسم صورة خاطئة للعالم، ويجامل المشاهد بتجاهل الجوانب السلبية أو يزرع فيه اليأس بنكران الجوانب الإيجابية (ومن الغريب أن الشعور باليأس قادر على توفير المتعة)، فإنه يكون قد أساء له.

والطريقة الثانية، وهي الأخطر، فتتمثل في أن الفن بقدر ما تعلو جودته بقدر ما يتفاقم خطرُه، مما يجعله قادرا على حشر المُشاهد في شلل حسّي ممتع للتأمّل في ذاته، إلى درجة العزوف عن الاختيار، على غرار هاملت. النرجسية: ذلك هو خطر الفن الراقي. لم يكن نرسيس عاشقا لظلّه من أجل جماله، وإنما لأنه ظله، بكل امكانياته اللامتناهية.

يمكن أن نروي هذه الأسطورة على نحو آخر، لنجعل من نرسيس أحمقا مُصابا باستسقاء الدماغ. عندما رأى صورته على سطح الماء، صاح: «هذا الوجه يُلائمني!». أو لِنقل إن نرسيس لم يكن لا وسيما ولا قبيحا، وإنما كان شكله مألوفا كما هو حال زوج ثوربر*: عندما اكتشف صورته منعكسة على سطح الماء، صرخ: «عفوا، ألم نلتقِ سابقا في مكان ما؟»

إن الفن قادر على الدفع نحو تكوين صنفين من التجمّعات السيّئة: تجمّع الذين لديهم صورة خاطئة عن ذواتهم، وصنف آخر يتمثل في تجمع هو في الحقيقة ليس إلا صورة ساخرة من التجمّع الحرّ حيث تكون معرفة الخير والشر موجهة ضد الإرادة، وبالتالي تضعف الإرادة إلى درجة أنها تصبح غير قادرة على الاختيار.

إن كل عمل فنّي يمثل نقطة محوريّة لتكوين تجمّع مُحتمل بين الأفراد الذين أُعجبوا به أو الذين لهم قابليّة لذلك. هذا التجمّع حرّ، لأنه كان بإمكان الفنان، فعلا، ابتكار شيء آخر، لكنه اختار انجاز ذلك العمل بالذات. والعكس بالعكس: إن المشاهدين  أو القرّاء كان بإمكانهم مشاهدة أو قراءة عمل آخر، لكن اختيارهم أرسى على ذلك العمل. فإذا ابتكر فنان عملا، وكان هو الوحيد المُعجب به، أو إذا كان هناك مُشاهد لم يجد أي عمل يروق له، فإن ذلك لا ينفي وجود الحرية: ذلك يعني، ببساطة، غياب أي تجمّع.

ويمكن عرقلة الحرية  بإحدى الطريقتين: إما أن يُرغم الفنان على إدخال تغيير على عمله، وبالتالي يصبح الطابع الذي يُميّز التجمّع مُختلفا عمّا كان سيكون عليه لو تُرك الفنان يبدع حسب هواه، وإما أن يُمنع المشاهدون من النفاذ إلى العمل الفني، فيُصبح التجمّع أقل عددا ممّا كان يُمكن أن يكون عليه لو لم يحصل المنع.

الرقابة

يُمكن أن تمارس الرقابة في شكلين. يتمثل الأول في رقابة اقتصادية غير مُبرمجة – عندما يفتقد الفنان إلى الإمكانيات الضرورية للإبداع حسب إرادته، أو عندما يكون المشاهدون غير قادرين على دفع ثمن التمتع بالعمل الفني -، والثاني في الرقابة المُخططة من قبل السلطة. على المستوى الاقتصادي، أفضل طريقة لبلوغ الحرية في الفن هي وجود أكبر تنوّع ممكن في أوساط الناشرين، وأصحاب المكتبات، وفي ديار الكتب وأروقة الفنون، الخ...،  على أن يكون بعضهم، وليس جميعهم، ذوي قدرات عالية. وإذا فاق عدد المؤسسات المستوى المناسب، وخاصّة إذا كان هناك احتكار من قبل الدولة، فسوف يتقلص تنوّع الأعمال المتوفرة، حتى في صورة غياب الرقابة المتعمّدة. أما إذا كانت كل المؤسسات صغيرة الحجم، فإن التكاليف تُصبح باهظة جدا بالنسبة لجزء من الجمهور المُحتمل.

إحدى العقبات التي كثيرا ما اعترضت الليبرالية، تكمن في سهولة احترام حرية من ليس له أهمية في نظرنا، أكثر من حرية من نُقدّرهم. إذا كان الوليّ أو الحكومة على يقين من جودة شيء ما أو من صحته، فكلاهما يعلم دون شك أنه بإمكان الأبناء أو الشعب اختيار ما هو في نظره سيّئا أو خاطئا، وكلاهما يعلم أن الاختيار السيئ سوف يولد معاناة الذين يهمه أمرهم وأنه سيُعاني معهم. إضافة إلى ذلك، فإن الولي أو الحكومة لن يعد بعد ذلك ينتمي إلى نفس التجمّع الذي ينتمي إليه الذين يهمه أمرهم.

ومع ذلك فإن محبّة الآخر بقدر محبّة الذات تُؤدّي تحديدا إلى القبول بإمكانية قيام الآخر بأخطائه الخاصة، والقبول بالمعاناة معه عندما يُعاني من تلك الأخطاء، لأنه لا أحد يُريد عن وعي رفض مسؤوليته عن أفكاره وأفعاله، مهما كانت الكلفة. كل شخص قادر على التمييز بين حقوقه وواجباته، ويعلم أن من واجبه اختيار الخير، ولكن من حقّه أيضا أن يختار الشر، كما يعلم أنه، كما قال كافكا: «نحن نكذب أقل ما يُمكن لأننا فعلا نكذب أقل ما يُمكن لا غير، وليس بسبب ندرة المناسبات المتاحة للكذب».

إن السلطات منشغلة بقيام مَنظوريها بالاختيار الأفضل، أكثر مما هي منشغلة بإعطائهم القدرة على الاختيار: لذلك فهي تسعى لاختزال الطريق. على المدى القصير، يتحرّك الإنسان الشغوف بأكثر سرعة ونجاعة من الإنسان الذي بلغ مرحلة التمعن الذاتي في رغباته. وهو ما جعل السلطات تريد، في أغلب الأحيان، أن يُثير الفنان لدى الآخرين التحمّس للخير، بدل أن يزرع فيهم الوعي بالخير والشر. وإن كان لها القدرة لجعلت منه صاحب «الكذبة النبيلة» لأفلاطون.

لم يحدث أبدا أن تمّ منع عمل فني لأسباب جمالية لأنه نادرا ما مارس الفنانون السلطة. وذلك أفضل، دون شك، لأنه لو كان الأمر بيدي، مثلا، لحكمت على من وجدته صدفة وهو يقرأ شالي أو يستمع إلى براهامس بالنفي في مناجم الملح، وعلى من بحوزته فونوغراف آلي بالإعدام.

للرقابة، عموما، سببان: إما الطابع اللاأخلاقي للعمل الفني، بمعنى قدرته على حث الجمهور على التصرّف بشكل لاأخلاقي أو منافٍ للقانون، مما يجعله مُضرا بحسن سير المجتمع، وإما طابعه الشاذ، أي أنه قادر على دفع الجمهور نحو تبنّي قيم غير القيم التي يدعو إليها النظام، وحثه على مغادرة تجمّعه ليلتحق بتجمّع آخر. وتستلزم ممارسة الرقابة دائما عنصرين: أن يوجد جمهور مُحتمل للعمل الفني، وأن يتكون ذلك الجمهور من أفراد غير قادرين على القيام باختيار مسؤول. وبالتالي، تكون الرقابة مقبولة في حالتين دون سواهما: في حالة القُصّر الذين يُفترض قانونا أنهم غير قادرين على الاختيار، وفي حالة الكهول الذين اختاروا عن قصد من يسلط عليهم الرقابة واحتفظوا بحريتهم في التخلي عنه عند فقدان ثقتهم في سلطته. ومثالا على ذلك، لم تقم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بانتهاك حرية أعضائها من خلال منع كتب مُعيّنة، لأن لا أحد مُجبر على أن يكون كاثوليكيا رومانيا، ولأن اختيار الإنتماء لتلك الكنيسة يؤدي حتما إلى الاعتراف بسلطتها التي تُقرّر ما يحقّ للمؤمنين قراءته.

وهذا لا يحقّ لأي دولة كانت، لأن انتماء الفرد إلى مجتمع سياسي يحدث عند الولادة، بمحض الصدفة، وهو ليس ثمرة اختياره.

الثورات وحرية الإنسان

كل ثورة هامة  في التاريخ قامت دفاعا عن جانب مُعيّن من حرية الإنسان، ولكل واحدة منها شخصيتها الرمزية. وكل منها أسّس لنمط من الحرية خاص بها، بصفة دائمة. إلا أن نجاح أي ثورة مُهدّد بادّعائها الزائف بأنها هي الثورة الحقيقية بامتياز. بعبارة أخرى، كل ثورة، أيا كانت، تدعي أن جانب الحرية الذي دافعت عنه يمثل الحرية الوحيدة الجديرة بالإعتِبار.

وبما أن كل ثورة  تُدافع عن جانب خصوصي من الحرية، وأن هذا الجانب مآله استنكار واضح من قبل الثورة الموالية، فإنها، وفي إطار نقدها لفشل سابقتها، تميل إلى معاداة الحرية التي كافحت من أجلها الثورة السابقة. إلا أن مصير كل الثورات مرتبط بعضه ببعض، لذلك هي تنجح أو تفشل معا: فإذا لم تفز الثورة في المعركة التي خاضتها، فإن الثورة التي تليها لن تتمكن من خوض معركتها. وبالتالي، لا بد من تثمين انتصار الثورات السابقة حتى تحقق الثورة الحالية هدفها.

لقد منحت الثورة البابوية للقرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر للفرد حرية الاختيار بين عدة ولاءات، وحقه في الانفصال عن تجمّع للالتحاق بآخر، وحقه في الانتماء لمجموعتين في آن واحد. وكانت الشخصيتان الرمزِيتان في تلك الثورة الكاهن المتصوّف الدولي والجندي المناضل المحلّي.

ومنحت ثورة الإصلاح، في القرن السادس عشر، للفرد حرية اختيار مساره المهني، والحق في مغادرة المجتمع الذي انتمى إليه والده ليلتحق بمجتمع آخر. والشخصية الرمزية فيها هو المهني الماهر.

أما الثورة الفرنسية والثورة الصناعية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر فقد منحت للفرد الموهوب إمكانية التطوّر بحرية والتنافس لجلب انتباه الجمهور. كما وفرت للفكر الفردي الحق في تغيير التجمّع أو قيادة المجتمع إن كان قادرا على ذلك. والشخصية الرمزية في هذه الحالة هي فيغارو. «الفكر وحده قادر على تغيير كل شيء / من بين عشرين ملك نُمجّدهم / تكسر الموت  قداستهم / ويبقى فولتير خالدا أبد الدهر.»

فرد من الأفراد، وسط الحشد العالمي

تسعى ثورتنا في القرن العشرين لمنح الجسم الفردي حرية اقتناء ما يُرضيه، وما يضمن له الازدهار والصحة الجيّدة. شخصيتها الرمزية هي الإنسان العاري المجهول الحامل للوحة هوية مُرقّمة، والذي لا ينتمي بعدُ إلى أي مجتمع ولا إلى أي تجمّع، لكنه فقط فرد من بين آخرين وسط الحشد العالمي.

وهذا ما يفسر انشغال عصرنا بالطب والاقتصاد، وتحركاته المضادة وعداوته لحرية التعبير والفكر التي حققتها الثورة الفرنسية، باعتبارها تهديدا للإجماع. الجميع سواسية على المستوى البدني من حيث الحاجيات، أما الفوارق الفردية من حيث المزاج أو الموهبة، فلا قيمة لها.

وبالتالي، في ثورتنا هذه التي تتمحور حول تحرير الاحتياجات المادية **، كل الحريات المكتسبة من الثورات السابقة مُهدّدة. ولم يحدث ذلك من قبل. لقد تمّ التنكّر للثورة الفرنسية حيثما وُجدت رقابة على الصحافة وكبت للإبداع الفني والإبتكار العلمي. وهذا التنكر لمفهوم الإصلاح في الثورة الفرنسية مستشري حيث تُملي الدولة على الفرد مساره المهني. كما أن هناك تنكر للثورة البابوية حيثما تفرض دولة كلوية سلطة مطلقة.

يدفع اليوم الفرد الموهوب ثمن غرور أمثاله على مدى قرنين. الشعراء ليسوا بمُشرّعي العالم الذين تم تجاهلهم، بل لم يكونوا كذلك أبدا، ويُستحسن أن نسعى لإقناعهم بذلك. والذين دافعوا عن مذهب الفن للفن أو النظرية القائلة بأن الفن مادّة كمالية، كانوا أقرب إلى الحقيقة بكثير ولكن، ما كان لهم أن يروا في العبثية النسبية لمواهبهم حجة على تفوّقهم الذهني على العامل الصالح عديم الموهبة. في الواقع، يتقاسم الرقيب العصري والفنان الرومنسي نفس الرأي: كلاهما يرى أن الفن أهم ممّا هو في الواقع.

أي دور للشاعر؟

يقول الشاعر في غرفة المريض: «ها أنه أصبح اليوم أزرق، بعد ما كان بالأمس ورديا. وتتساءل الممرضة: ما عساني أن أفعل؟». ألم يكن من الأجدر أن يُجيب المريض أو المُمرّضة: «كُفّ، بربّك، عن الإنشاد وأتِ لنا بماء ساخن وضمائد». لكنهما لم يقولا شيئا. بل صاحت المُمرّضة: «قل للمريض بأنني الوحيدة القادرة على رعايته، وإن فعلت فسوف أمنحك جواز سفر، وبطاقات إضافية لأقساط التموين وتذاكر مجانية للأوبرا. وإن قلت له أي شيء آخر، فسوف أخبر الشرطة». أما المريض فيتوسّل في هذيانه: «بشّروني بأنني في صحة جيّدة، وسوف أوفّر لكم شقة ذات طابقين وعشيقة جميلة. وإن كنتما غير قادرين على ذلك، فلن أنصت إلى ما تقولان».

لو كان الشاعر يُحب فعلا المريض والمُمرّضة مثلما يحب نفسه، فلعلّه لازم الصمت وذهب لجلب الماء الساخن. لكنه طالما يُواصل الإنشاد، فسوف يبقى ممتثلا للوصيّة التي تملي عليه بـ«ألا يدلي بشهادة زور ضد الغير».

 

هذا المقال لـ و. ه. أودن  - الذي تنشره رسالة اليونسكو بترخيص كريم من ورثته - هو ذات النص الذي أرسله المؤلف سنة 1947 ردا على تحقيق اليونسكو حول الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان. وقد خصصت الرسالة في عددها المؤرخ أكتوبر-ديسمبر 2018 ملف «زاوية كبرى» لهذا التحقيق، تحت عنوان «حقوق الإنسان: عودة إلى المستقبل».

 

* «الزوج» شخصية متواجدة في العديد من مؤلفات الكاتب الهزلي الأمريكي جيمس ثوربر (1894-1961).

** وضع المُصلح البريطاني ويليام بفريدج سنة 1942 على رأس الأولويات الضرورية لمجابهة المشاكل الكبرى التي تواجهها بريطانيا العظمى، التحرر من الاحتياج والقضاء عليه بإعادة توزيع المداخيل صلب الطبقات الكادحة. وقد تولّت حكومة كليمنت أتلي التابعة لحزب العمّال تطبيق أجزاء هامّة من هذا الإصلاح إبان الحرب العالمية الثانية.

الصورة: بيجاك
 

ويستان هيوغ أودن

شاعر، وكاتب مسرحي، وناقد، وملحن أنجليزي-أمريكي، و. ه. أودن (1907-1973) من الشخصيات الأدبية المرموقة للقرن العشرين. هاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1939 حيث درّس في العديد من الجامعات قبل الحصول على الجنسية الأمريكية سنة 1946