زاوية كبرى

شعب سامي جوكموك يتحدّى الحداثة

cou_01_19_lapland_web.jpg

مُربّي الرنات من شعب سامي في كوتوكاينو (النرويج) يمد شريطا طويلا من نسيج الجوتة لتجميع القطيع.

في منطقة لابلاند السويدية، يربي شعب سامي غزال الرنّة. لكن المنطقة أصبحت مُهدّدة بسبب استغلال الغابات، والخطوط الحديدية، والسدود والنمو الحضري. وكوسيلة للصمود أمام هذا التهديد، يضع السامي استراتيجيات مُتنوعة، منها التأقلم الجزئي مع نمط الحياة الحضرية واستعمال مهاراتهم التقليدية للتعرف بدقّة على أوضاع المراعي.

بقلم ماري رواي

 

يحتل شعب سامي، أو اللابيون كما كانوا يُسمّون سابقا، المناطق الواقعة في الدائرة القطبية الشمالية في أوروبا منذ آلاف السنين. ويُقدّر عددهم اليوم بحوالي 80.000 نسمة، ويقطن أغلبهم بأقصى الشمال، في منطقة سابمي (لابلاند) التي تتوزع على أربع دول – فنلندا، والنرويج، وروسيا والسويد – في حين استقر جزء منهم في الناحية الجنوبية، لا سيما في أوسلو وستوكهولم.

وقد أنشأ السامي مجلسا خاصا بهم يسمح لهم بالتفكير المشترك في مستقبل بلدهم، دون اعتبار للحدود الوطنية، علما وأنه في واقع الأمر، لم تمنعهم تلك الحدود أبدا من الشعور بالإنتماء لشعب واحد. وكانت لهم دائما تلك القدرة الفائقة على التأقلم مع الحداثة، مع الإحتفاظ بتجذّرهم في تقاليدهم. حتى أن أول رئيس لهيئة الأمم المتحدة الدائمة المعنية بالشعوب الأصلية كان منهم، كما أنهم يتعاونون بشكل حثيث مع مجلس القطب الشمالي.

وعلى مستوى التمثيل السياسي، تأسس البرلمان السامي بفنلندا منذ 1973، تلاه آخر بالنرويج سنة 1989، وثالث بالسويد في 1993.

يُمارس السامي عدّة مهن. بعضهم فنانون أو مُثقّفون مشهورون، رسامون، ونحاتون، وصحافيون، وكُتّاب، وسينمائيون، ومُطربون، أمثال نيلس-أسلاك فالكيبا أو ماري بوان. لكن المهنة التقليدية لشعب سامي تبقى بامتياز تربية الرنّة.

قدرة فائقة على التأقلم

لنأخذ مثال منطقة جوكموك الواقعة في السويد بجهة نوربوتن (التي تمسح 100.000 كلم2 ، أي حوالي ربع البلاد). تمتاز تلك المنطقة بتربية الرنّة و تعد ما لا يقلّ عن 4000 مُربّ للرنّات ينتمون لشعب سامي. رغم المخاطرالعديدة التي تهدد أرضهم، فإنهم يحتفظون  بقدرة فائقة على الصمود. ولا غرابة في ذلك! لقد برهنوا في الماضي على قدرتهم على التأقلم. فبعد أن كانوا يتعاطون الصيد البحري والأشغال الغابية وصيد الرنّات الوحشية، ابتدعوا تربية الرنّة عند قدوم المُعمّرين الإسكندينافيين الأوائل، منذ أربعة أو خمسة قرون خلت، والذي تسبّب في التضاؤل الفادح في عدد الحيوانات الوحشية.

في بداية القرن العشرين، عندما أراد الإنجليز والإسكندينافيون استغلال أنهارهم، بإنشاء سدود لتوليد الكهرباء، وعندما قاموا بحفر جبالهم لاستخراج معدن الحديد لصنع الفولاذ، تمكن السامي من تجاوز تلك الاضطرابات.

في الستينات، لما أصبح استغلال الغابات في السويد وفي فنلندا نشاطا صناعيّا، على حساب التنوع البيولوجي، بقي مُربّو الرنّات على صمودهم المعتاد. بعد ذلك، في السبعينات، أنشأ السامي في ألتا، بالنرويج، واحدا من أول التحالفات البيئية، يضمّ مُدافعين عن حقوق الإنسان وعن السكان الأصليين، للتصدّي لمشروع بناء سد كان يهدد بالقضاء على قرية شتويّة هامّة.

وما انفكّ التوسع الاستعماري يُهدّد بشكل مُتزايد حقوقهم في الصيد البحري والبرّي وحقوقهم على أراضيهم. ومع ذلك فإن مُربي الرنات ما زالوا قائمي الذات.

تهديدات شديدة الخطر

يأخذ سامي جوكموك رنّاتهم إلى الجبال طيلة فصل الصيف، وينزلون بها في الخريف إلى الغابات في السهول. واليوم، أصبحت هذه الغابات تُستغل صناعيا، ويتقاسم المُربّون حقوق الانتفاع مع مالكي الغابات. ويُمثّل هذا التعايش  تحدّيا هامّا، ذلك أن مُستغلّي الغابات يقومون بقطع الأشجار بكاملها ثم يزرعون غيرها، بالإضافة لما تتسبب فيه الآلات الضخمة المستعملة من تدهور للأراضي وإتلاف لنبتة الحزاز التي تحصل عليها الرنّات عند حفر الثلج، لِتتغذى منها. علما وأن الحزاز يتطلب فترة تتراوح بين ثلاثين وخمسين سنة حتى ينبت من جديد!

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فالأراضي المخصصة لتربية الرنات أضحت اليوم مُجزّأة، تعبرها سكة حديدية لنقل معدن الحديد والمسافرين. كما أن السدود والبحيرات الاصطناعية التي شيدت أصبحت تُعرقل الطرقات التي يستعملها المربون الرحّل، في حين تقلّصت مساحات المراعي جراء اتساع المدن وحفر المناجم  .

وها أن شعب سامي يُواجه اليوم صعوبة جديدة، تتمثل في التغيّر المناخي. في الشمال، المشكلة لا تكمن في ارتفاع درجة الحرارة، بل في تداعياتها على عدم استقرار الحرارة في الشتاء. فعندما تتعاقب التقلبات بين الحرارة والبرد باستمرار، تتكون طبقة من الجليد فوق سطح الثلج، مما يجعل الرنّات غير قادرة على الحفر كي تتغذّى.

استراتيجيات تؤلف بين الحداثة والعراقة

لما تُصبح الرنّات غير قادرة على الحصول على غذائها لحالها، يضطر المُربّون لشراء التبن أو مواد غذائية جاهزة (وهي باهظة الثمن وقد لا تتحمّلها الحيوانات)، أو أكياس من الحزاز، وذلك هو الأفضل. ويقوم المربون أحيانا بجمع الحزاز بأنفسهم من الأماكن التي لا تقدر الرنّات على الوصول إليها، كتلك المحاذية للمطار مثلا. هذا جزء من الاستراتيجيات الجديدة التي تبنّاها السامي لضمان بقائهم.

من جهة أخرى، لتحسين مداخيلهم، يُحاولون بيع لحم الرنّات مباشرة من المربي إلى المستهلك، أو اللجوء إلى العمل الموسمي في مجال السياحة. وكثيرا ما تتّجه النساء إلى الشغل القار في مجال التعليم، أو الطب، أو الصحافة، أو الخياطة أو التجارة لضمان اتزان الدخل العائلي الذي أصبح هشّا جرّاء انخفاض عائدات تربية الرنّات.

لكن سلاح السامي الأفضل يكمن في معارفهم التقليدية. ذلك أن معرفتهم بالثلج وتغيّر حالته حسب درجة الحرارة، وما تحتوي عليه لغتهم من مفردات دقيقة ومفصلة لوصف حالاته على تنوعها، كل ذلك يسمح لهم بالمراقبة الدائمة لأوضاع المراعي.

وخلافا للعلوم الغربية التي تحدد، حسب منهجية ثابتة، قدرة الحمولة (أي عدد الحيوانات التي يمكن لقطعة أرض معينة استيعابها) بالإستناد إلى تحليل كمي للنبات، فإن علم شعب سامي يعتمد على ما تكنه الطبيعة.

وبالفعل، حتى يقيّموا وضع المرعى، يقومون يحفر طبقات الثلج وتحليل ما تحتويه من بلّوريات لتقدير آثار الأحداث التي تتالت أثناء الفصل: تطوّر الرياح ودرجات الحرارة، والغابة، والنباتات، وعلاقتها المتبادلة مع الرنّات. ومن ثمّ، يتسنى لهم معرفة وضع المرعى بكل دقة في زمن ومكان محددين، وليس معرفة مدى ثراء المرعى بصفة مطلقة، وهو ما يُمكّنهم من التصرّف بالطريقة الملائمة.

وبِوصفهم مُختصين في التغيّرات المناخيّة، يستند السامي على معارفهم وتجاربهم، حتى يتمكنوا من الصمود، بالرغم من أن قدرتهم على التحرك محدودة بسبب ما يتّسم به التغيّر الشامل من عنف.