زاوية كبرى

رابا نوي: دقّ ناقوس الخطر

cou_01_19_haoa_web.jpg

مواي من بحيرة رانو راروكو. تحتوي حديقة رابا نوي الوطنية، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، على حوالي 900 مواي، وهي تماثيل عملاقة منحوتة تعود للفترة بين القرن العاشر والقرن السادس عشر.

في عزلتهم وسط المحيط الهادئ، بين سواحل الشيلي وتاهيتي، يستخدم شباب رابا نوي (جزيرة الفصح)، اللغة الاسبانية للتواصل مع العالم. ذلك أن الأغلبية الساحقة منهم فقدت استعمال اللغة الأم - الرابانوي -   وهي لغة بولينيزية الأصل. لم يعد اليوم يتقنها سوى 10% منهم، مقابل 76% قبل أربعين عاما. ماريا فيرجينيا هاوا، العضوة بأكاديمية رابا نوي، تدق ناقوس الخطر.

أجرت الحوار ياسمينا شوبوفا وكارولينا رولان أورتيغا

 

لماذا يعتبر انقراض لغة ما، مشكلة في حد ذاته؟

لا يُمكن فصل اللغة عن نمط عيش المجتمعات، وعن أفكارها، ومشاعرها ومسرّاتها إلى ما غير ذلك. لغتنا هي التي تُمكّننا من التعريف بهويتنا. يؤدي انقراض اللغة حتما إلى تهديد الأساس الاجتماعي والثقافي لمجموعة المُتحدّثين بها.

في جزيرة الفصح، فقدت لغة رابانوي دورها في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية لمجموعتنا. لقد تم استبعاد هذه اللغة البولينيزية من المصالح العمومية والأنشطة السياحية، وتم تعويضها بسرعة مُذهلة بالإسبانية، وكانت لذلك تداعيات وخيمة على قيم المجموعة.

لقد تمّ التخلّي عن الفلاحة العائلية لفسح المجال أمام استهلاك مواد وطنية وأجنبية، لا علم بمصدرها ولا بطريقة صنعها. في الماضي، كان الفلاحون منتبهين إلى مراحل ظهور القمر ليُحدّدوا موعد الزراعة ونوعيتها. لكن هذا الفن قد تلاشى اليوم.

واندثرت عدة ممارسات، مثل تقاسم المواد بين العائلات والجيران، الذي يشكل ضربا من تقاليد التضامن والتفاعل صلب المجموعة. كما تضاءل الحوار بين الأجيال. يُقضي الشباب وقته في ممارسة ألعاب الفيديو وفي مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يعد لهم ما يكفي من الوقت لمقابلة الكهول والأجداد. وفي بعض الأحيان، الأولياء هم الذين يُهملون الأهمّ أي توفير تربية لأبنائهم وبناتهم، ترتكز على ثقافتهم الأصلية، بسبب انشغالهم بنشاطهم المهني لتحسين رفاهيتهم المادّية.

ما مدى حيويّة لغة رابانوي حاليا؟

حسب تحقيق اجتماعي-لغوي أنجزته سنة 2016 كل من وزارة التربية في الشيلي واليونسكو،  ينحصر نصف المتحدثين بلغة رابانوي في البالغين من العمر 40 سنة فما فوق.

بالنسبة للفئة العمرية ما بين 20 و39 سنة، تنزل النسبة إلى حوالي 35%. والأغلبية الساحقة للأولياء لا ينقلون اللغة الأصلية لأطفالهم. وبصفة عامّة، في حالات الزواج المختلط (رابانوي وآخر)، يستعمل أفراد العائلة اللغة الإسبانية يوميا.

أما عدد المُتحدّثين بلغة رابانوي الذين هم دون سن 18 سنة، فهو في تضاؤل مستمر. في سنة 1976، عندما اعتُمد تعليم اللغة الأصلية كمادّة من مواد البرنامج الدراسي، أصبح 76% من التلاميذ يتكلمون الرابانوي. وفي سنة 1997، تقلّصت نسبتهم إلى 23%. وتدنّت إلى 10% سنة 2016،  وهو رقم مُفزع بالنسبة إلى كل من يهمه مستقبل لغتنا وثقافتنا.

ماذا فعلتم للحفاظ على التراث اللغوي؟

أنشأنا سنة 1990 صلب المؤسسة التربوية لورنزو بايزا فيغا، قسم اللغة والثقافة الرابانوي، بدعم من الهيئة المُكلّفة بتنمية السكان الأصليين التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية [كونادي] ومن وزارة التربية. أنتجنا في هذا الإطار، صحبة المُعلّمين الرابانوي بالمدرسة، نُصوصا لتعليم القراءة والكتابة وتدريس العلوم الطبيعية، والتاريخ والرياضيات، مُخصّصة لتلاميذ المرحلة الابتدائية.

وقد أنجزت أكاديمية رابانوي، منذ إنشائها سنة 2004، موارد توجيهية لمرحلة ما قبل الابتدائي وأعادت نشر نصوص لتعليم القراءة والكتابة للسنتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي. كما أنتجت أدوات إلكترونية تفاعلية تتناول مفاهيم ثقافية، ورياضية وهندسية.

وقامت الأكاديمية سنة 2011 بتحقيق للإعداد لبعث ثلاث مؤسسات تربوية أخرى وروضة أطفال عمومية في الجزيرة. وفي سنة 2012، ساهمت في تقييم القانون الذي تمّ اعتماده في 2011 والهادف إلى بعث قطاع للُغة السكان الأصليين في كافة المدارس التي يؤمّها تلاميذ الشعوب الأصلية في الشيلي.

ما هي مكانة اللغة على المستوى التربوي؟

عندما تمّ بعث التعليم الرسمي في الجزيرة، سنة 1934، لم تدرج  لغة رابانوي في البرامج. كان التلاميذ يحفظون كل الدروس بالإسبانية عن ظهر قلب، دون أن يفهموا شيئا، ولم يكن لما يدرسون أي معنى بالنسبة لهم. علاوة على ذلك، كان عليهم حفظ مضامين لا تمت بأي صلة لواقعهم. على سبيل المثال، عندما يسمع التلاميذ جملة «تشرق الشمس على سلسلة الكوردييرا»، لا يمكن لهم أن يعرفوا حول ماذا يحوم الموضوع، لأن لا أحد منهم شاهد أو سمع عن الكوردييرا.

وبعد ثمان عقود، لا توجد سوى مؤسسة تربوية واحدة، لورنزو بيزا فيغا، لتأمين برنامج إدماج في لغة رابانوي، يغطي فترة التدريس الممتدة من السنة ما قبل الابتدائي إلى السنة الرابعة من التعليم الابتدائي (أي لصالح التلاميذ في سن تتراوح بين 5 و9 سنوات). خلال ثمانية عشر سنة، أي منذ أن تم بعثه، تراوح مردود هذا البرنامج بين النجاحات والإخفاقات، حسب تغيير عدد الساعات المُخصّصة لتعليم الرابانوي. ذلك أن الإدارة المعنية بالمدارس كانت مُنشغلة بتحقيق تفوق التلاميذ في الاختبار الوطني، فكانت تضيف ساعات لتَدريس الرياضيات، واللغة، والتربية البدنية باللغة الاسبانية.

وفي سنة 2017، أنشأنا المنظمة غير الحكومية «نيد رابانوي» التي تهتم بحوالي عشرين طفلا تتراوح أعمارهم بين السنتين والثلاث سنوات. هي منظمة مستقلّة، لكنها تتلقى دعما من الهيئات الحكومية لتسديد مرتبات المُربّيات وتحسين الهياكل الأساسية. كما حصلنا، سنة 2018، على دعم من جمعية السكان الأصليين البولينيزيين ماو هينوا، سهّل علينا تسديد مُرتّبات المُدرّسين. أُنشئت هذه الجمعية في شهر يوليو 2016 بهدف وضع نظام جديد لإدارة المنتزه الوطني الرابا نوي، المسجل على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

والآن، نحن بصدد إعداد برنامج بيداغوجي لنيد رابانوي لإدماج أبعاد فلسفية خاصة بالثقافة المحلية، انسجاما مع هدف المنظمة، ألا وهو تحقيق مدرسة توفر تعليما كاملا باللغة المحلية.

هل يوجد العدد الكافي من المعلمين القادرين على التدريس بلغة الرابانوي؟

لا. قمنا بتشريك العديد من حكماء المجموعة والاستعانة بالمربين التقليديين. كل واحد منهم منحنا الخبرة التي حصل عليها في إطار عائلته. تلك الخبرة لا تقاس بثمن. لكنهم في حاجة إلى تكوين في مجالي التخطيط والمنهجية، بهدف تحسين تعليم المضامين الثقافية الرابانوية.

لمعالجة مشكلة النقص في عدد المُدرّسين، يجب، في اعتقادي، تحفيز الشباب على دراسة البيداغوجيا وتشجيعهم، عن طريق تكثيف إسناد المنح، على التسجيل في جامعات مثل جامعة وايكاتو في أوتيروا (نيوزيلاندا) أو جامعة هاواي في هيلو، نظرا لتجربتهما المرموقة في تعليم اللغات البولينيزية.

وختاما، أرى أنه لا بدّ من إقناع جامعة شيلية بقبول تكوين مُدرّسين رابانوي عن بعد بواسطة دروس على الإنترنت.

مزيد من المعلومات

مقابلة مع ماريا فيرجينيا هاوا (فيديو باللغة الاسبانية)

انقراض لغة ما، يمثل مشكلة اجتماعية، وثقافية وحتى روحانية (بالإنجليزية)

ادماج المهمشين: دعم التعليم المتعدد اللغات

 

الصورة: إيريك لافورغ

ماريا فيرجينيا هاوا

عضوة مؤسسة لأكاديمية رابانوي في سنة 2004، تولت ماريا فيرجينيا هاوا إدارتها لحد سنة 2010. وهي حاليا رئيسة المنظمة غير الحكومية «نيد رابانوي». كُلّلت جهودها من أجل إعادة إحياء الرابانوي بوسام الاستحقاق «غابريالا ميسترال» سنة 2004. كما شُهرت باسم فيكي هاوا كاردينالي.