الأحداث

النوروز: براعم يوم جديد

cou_01_19_norouz_web.jpg

الاحتفال بالنوروز حذو قلعة مدينة حصار في طاجيكستان، سنة 2018.

تستند العديد من الطقوس على رمزية براعم النباتات، كما هو الشأن في عبادة أوزوريس الراكدة في مصر القديمة، وفي الاحتفالات بانقلاب الشمس في الصيف  في سردينيا، مرورا بالقديسة بربارة لدى المارونيين في لبنان، ومراسم تقديم التمنيات في مجتمع بيرامالاي كلار في منطقة تاميل نادو في جنوب الهند. كما أن براعم حبوب القمح والشعير والعدس تمثل محور عيد النوروز، الموافق لرأس السنة بالنسبة للشعوب التي كانت تُمثّل جزءا من الامبراطورية الفارسية، والذي يحتفل به كل ربيع حوالي 300 مليون نسمة عبر العالم. لكن، ما هي رمزية إلقاء البراعم في الماء؟

بقلم سلفاتوري دونوفريو

 

في معتقدات كافة شعوب العالم، عند حلول سنة جديدة وانتهاء الحقبة الزمنية السابقة، تتعرّض الإنسانية إلى خطر الفناء. لذلك وجب آداء طقوس تسمح بتجاوزها. من هنا جاءت أعياد رأس السنة التي كثيرا ما يُحتفل بها عند قدوم الربيع الذي يُبشّر بعودة سريان الحياة في شرايين الطبيعة . نوروز، الذي يعني حرفيّا اليوم الجديد، هو واحد من هذه الأعياد.

أصل هذا العيد الذي يعود إلى ألفي سنة على الأقل، لا زال غامضا، لكنه بقي تقليدا حيّا في كل الدول التي كانت تنتمي إلى الامبراطورية الفارسية.

في إيران، قلب بلاد فارس القديمة، يبدأ الإعداد للاحتفالات قبل موعد رأس السنة بأسبوعين أو ثلاثة: تشرع النساء في «خض» بيوتهن، أي تنظيفها بالكامل. وفي يوم الثلاثاء الذي يسبق العيد، يُنظّم الرجال ألعابا تتمثّل في القفز على النيران. أما الأطفال، فيضعون أقنعة يذهبون في جماعات صغيرة لطرق أبواب المنازل، حيث تنتظرهم الحلويات وبعض النقود. يُذكّرنا هذا التقليد بهالوين، ذلك العيد الذي أصبح اليوم مُرتبطا بعيد القديسين في العالم الأنجلو ساكسوني والسلتي، كما يُذكّرنا بكوليدا، العيد السلافي الذي اندمج مع مرور الزمن في الاحتفال بعيد ميلاد المسيح.

لنعد إلى إيران، حيث يتمّ الإعلان عن بداية الاحتفالات، يوم الاعتدال الربيعي، على وقع طبل حاجي فيروز، وهو بمثابة مُضحك الملك ذي البشرة المطلية بالسواد. في كل بيت، تنتصب مائدة «الأشياء السبعة» (هافت سين)، بما في ذلك بيوت الإيرانيين القاطنين في المهجر. كل أسماء الأشياء السبعة تبدأ بحرف السين: السبزاح (براعم القمح والشعير والعدس و بذرات أخرى)، السير (الثوم)، السيب (التفاح)، السماق، السنجد (العناب)، السركه (الخلّ)، والسامانو (عصيد براعم القمح المطحونة).

أحيانا، تُضاف على المائدة مرآة (إيني)، ومرطبات أو قطع من النقود. كما يجد كتاب القرآن مكانه على الطاولة (بعد أن عوّض الأفستا، الكتاب المُقدّس للديانة الزردشتية)، وأيضا مؤلفات شعرية، مثل ديوان حافظ، ذلك الشاعر الصوفي المشهور بحفظه للقرآن عن ظهر قلب، والذي كثيرا ما كان يُستعمل للتنجيم.

وجبة الطعام العائلية تتكون من سمك وأرز، أما الطبق الرئيسي فيبقى السبزاح المطبوخ بالبراعم النابتة عن البذور التي زرعتها النساء في صحون داخل المنزل، عند بداية الاحتفالات، وقامت بسقيها بانتظام حتى تكون مخضرة يوم نوروز.

لماذا هذه البراعم؟

ليس من السهل استعادة أصول الطقوس المرتبطة بالبراعم. وتعود أقدم مظاهرها المؤكدة إلى «أسرّة أوزوريس» (أو أوزوريس الراكد) في مصر البطلمية، في تقليد يتمثّل في وضع تماثيل صغيرة في القبور، في وضع ممدود، ترمز إلى آلهة الأموات وانبعاث الحياة الخالدة. وكانت تلك التماثيل مصنوعة من عجين طيني، مخلوط بالماء وحبوب الشعير.

في اليونان القديمة، في القرن الخامس، يتم غرس الحبوب في حاويات من الطين أو من السلال، تُسمّى حدائق أدونيس. ولما تينع البراعم، تستعمل في طقوس أدونيس التي تقام في منتصف يوليو من كل سنة، تكريما لعاشق آلهة الحب أفروديت.

في المقابل، لا يُوجد أي أثر لطقوس البراعم في الأفستا، لا في الكتابات الفارسية المتعلقة بالنوروز، ولا حتى لدى الفارسيين معتنقي الديانة الزرادشتية الذين فرّوا بأفواج متتالية إلى الهند، بسبب الغزو العربي-الإسلامي إلى فارس، في الفترة ما بين القرنين السابع والعاشر.

مع ذلك، بقيت البراعم اليانعة تحتل الصدارة على مائدة «الأشياء السبعة» التي يجتمع حولها، في كل ربيع، 300 حوالي مليون نسمة عبر العالم.

ويجوز الاحتمال بأن التقليد المتصل بالبراعم قد انتشر انطلاقا من جنوب الهند، حيث لا يزال استعمالها ساريا في الاحتفالات. وحسب عالم الأجناس الفرنسي لوي دومون، ضمن شعب برامالاي كالر في منطقة تاميل نادو، تنظم النساء اللاتي يُردن تحقيق أمنياتهن، موكبا يحملن فيه أوعية مليئة بأشياء مختلفة، من بينها براعم «أينعت في الظلام من سبعة أو تسعة  بذور، طيلة أسبوع، في إناء عادي».

في التقليد اليهودي-المسيحي

وتحتل البراعم أيضا مكانة مركزية في شتى الاحتفالات في أوروبا.من تقاليد منطقة بروفانس الواقعة جنوب فرنسا، في  يوم 4 ديسمبر الموافق ليوم القديسة بربارة، يتم زرع حبوب قمح من الحصاد السابق في ثلاثة أكواب، كي تنمو لتُوضع على مائدة «العشاء الفاخر»مساء يوم 24، ثمّ في مهد الميلاد. نفس التقليد يُوجد أيضا في لبنان، عند المسيحيين المارونيين ذوي الأصل العربي، وفي جزيرة صقلية، عند سكان كاستلبونو في مقاطعة باليرمو.

لسكان صقلية عادة أخرى تتمثّل في استعمال البراعم يوم 19 مارس، لإعطاء رونق لـ«طاولات سان جوزيف» التي توضع فوقها أطباق يصل عددها إلى 101، للاحتفاء في ذات الوقت بفضائل الفقر التي يُمثّلها القدّيس، وبفضائل الثراء التي يُمثّلها القمح والخبز بالخصوص الذي يتمّ إعداده بالمناسبة حسب وصفات في غاية الإتقان.

وفي جنوب إيطاليا، في يوم الخميس المُقدّس الذي يسبق عيد الفصح، تُوضع البراعم في مذبح المستودع في الكنيسة، حيث يُحفظ القربان المقدس حسب الطقوس الكاثوليكية. أما المجتمع اليهودي في روما، فهو يواصل تقليد استعمال البراعم الذي يعود إلى القرون الوسطى، عند الاحتفالات بروش عشانه وكيبور.

وتنتهي جولتنا الأوروبية في 21 يونيو، يوم انقلاب الشمس الصيفي، في مدينة باري سردو الصغيرة الواقعة في سردينيا. نشاهد أفواجا من النساء يحملن على رؤوسهن براعم، تُسمّى «نينيري»، في حاويات يعلوها هيكل من القصب مُحاط بخبز مُرصّف بمهارة وغلال موسمية. وتسير النساء عبر الأنهج في اتجاه البحر، حيث يُلقين النينيري.

اليوم الثالث عشر

في الهند الجنوبية أيضا، تسير النساء في موكب، وهن يحملن على رؤوسهن البراعم، وفي نهاية المسار الاحتفالي، يرقصن حولها قبل غمرها في الماء.

وفي اليونان القديمة، يتم رمي حدائق أدونيس في النوافير أو في البحر، بعد حملها فوق السطوح، تماما كما يفعل اليوم الإيرانيون من ذوي الديانة المزدكية في يزد، وفي غيرها من المناطق الإيرانية.

في إيران، وفي اليوم الثالث عشر الذي يلي النوروز، يذهب الجميع لقضاء يوم في الهواء الطلق حيث يأكلون ويلعبون ويُغنّون ويُؤدّون آخر مرحلة من طقوسهم: رمي البراعم في المياه الجارية... وذلك، بعد أن برمت الفتيات ضفائر من بعض البراعم، معبرة عن أملهن في الزواج أثناء السنة الجديدة.

يعتبر النوروز من بين الطقوس التي تمثل قاسما مشتركا بين مجتمعات يفرقها المكان والزمان، ويجمعها اعتبار العودة الموسمية للنبات رمزا لانبِعاث الحياة من جديد. وإذا كان بروز البراعم يرمز إلى التجديد، فإن البذرة تحمل في طياتها سلبيات السنة المنقضية. وهذه الخصوصية المزدوجة للبراعم هي التي تفسر إرادة التخلص منها، وترك المياه تجرفها بعيدا عنّا.

 

* * *

يتمّ الاحتفال بالنوروز، عيد رأس السنة، في فصل الربيع، في كل من أذربيجان، وأفغانستان، وأوزباكستان، وإيران (جمهورية ـ الإسلامية)، وباكستان، وتركمانستان، وتركيا، وطاجيكستان، والعراق، وقيرغيزستان، وكازاخستان والهند. وقد تمّ تسجيل هذا العيد، سنة 2009، كأحد عناصر التراث الثقافي اللامادّي للبشرية الذي يجب صيانته. علما وأنه تم توسيع التسجيل لدول أخرى سنة 2016. وخُصّص يوم 21 مارس كيوم النوروز الدولي  منذ عام 2010.

 

سلفاتوري دونوفريو

استاذ بجامعة باليرمو، سلفاتوري دونوفريو (إيطاليا) عضو بمخبر علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية التابع لمعهد فرنسا حيث يتولّى مهمة منسق لكراسات الأنثروبولوجيا الاجتماعية ولفريق العمل حول «أرشيف رأس السنة في باريس». وهو مؤلف كتاب «صباح الآلهة. من النوروز الإيراني إلى الفصح المسيحي»، 2018.