بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

لغات الشعوب الأصلية: معارف وآمال

cou_01_19_minnie_web.jpg

احتفال بنهاية موسم الحصاد في حقول الأرز بسلسلة جبال الفيلبين، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو.

بالنسبة للشعوب الأصلية، اللغة ليست فقط علامة من علامات الهوية والإنتماء للمجموعة، وإنما هي أيضا وسيلة لنقل القيم الأخلاقية، وهي قيم حيكت على أساسها نظم المعارف التي سمحت لتلك الشعوب بالعيش في ارتباط بالأرض، والتي اتضح أن دورها كان حاسما في بقائها. وتبقى أساسية لضمان مستقبل الأجيال القادمة.

بقلم ميني ديغاوان

 

اللغات الأصلية في طور الاندثار في مناطق عديدة من العالم ويعكس وضعها وضع الناطقين بها. والسبب في ذلك يعود بالأساس إلى سياسات الدول. لقد تعمّدت بعض الحكومات فسخها من الخريطة من خلال تسليط العقاب على مستعمليها، كما حدث مثلا في الأمريكتين في الفترة الأولى من الاحتلال. وتواصل دول أخرى إلى يومنا هذا نكران وجود شعوب أصلية على أراضيها وتعتبر لغاتها مُجرّد لهجات لا قيمة لها مُقارنة باللغات الوطنية، مما يؤدي حتما إلى اندثارها.

ويكمن السبب الأول للوضع المأساوي للغات الأصلية في الخطر الذي يُهدّد وجود الناطقين بها.

أي تهديدات؟

ما يهدد بقاء الشعوب الأصلية بالأساس هي التغيّرات المناخية التي تضرّ أيما ضرر بالموارد الاقتصادية الضرورية لكسب العيش. بالإضافة إلى الأضرار الجسيمة التي تخلفها المشاريع المُسمّاة بـ«مشاريع التنمية» - على غرار السدود، والزراعات، والمناجم، وغيرها من أنشطة استخراج المواد من الأرض – وكذلك السياسات التي تُقاوم التنوّع وتُشجّع على التناسق. هناك نزعة مُتزايدة لدى الدول لتجريم الأصوات المغايرة مما يؤدي إلى تكثيف انتهاك الحقوق: ونحن شاهدون على الارتفاع غير المسبوق لعدد السكان الأصليين الذين يتعرضون للمضايقات والإيقافات والاعتقالات وحتى الإعدام بدون محاكمة لمجرّد تجرّئهم على الدفاع عن أراضيهم.

لكننا عند ذكر هذه التهديدات، غالبا ما نغفل تأثيرها على ثقافات السكان الأصليين وقيمها. فالشعوب الأصلية تستمدّ هويتها، وقيمها، ونظم معارفها من تفاعلها مع الوسط الطبيعي الذي تعيش فيه، من بحار وغابات. ولغاتهم ناتجة عن ارتباطهم بهذا المحيط، لأن طريقتهم في وصف ما يُوجد حولهم هي التي تضفي الطابع الخصوصي لنظامهم اللغوي. ولما يتغيّر هذا المحيط، تتأثر الثقافة واللغة.

شعب الإنويت، مثلا، يستعمل خمسين عبارة لوصف الثلج في مختلف حالاته. وبما أنها المادّة الطبيعية الرئيسيّة بالنسبة له، اكتسب معرفة دقيقة وحميمية لها.  وكذلك الحال بالنسبة لمجتمع الإيغورو في حزام الفيليبين عندما يتكلم عن الأرز فتتنوّع الكلمات لتدل بكل دقة عن البذرة القابلة للزرع، والسنابل الناضجة قبيل الحصاد، مرورا بشكل الحبوب حال طبخها، والكحول المستخرج منها.

بإمكان التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال أن تُساهم في تحسين عملية تعلّم  اللغات المحلية وأن تُصبح أداة للمحافظة عليها. لكن الأمر ليس كذلك، مع الأسف، لأن لغات الشعوب الأصلية التي تعتبر أقليات، كثيرا ما تتناساها سياسات المحافظة على لغات الدول. ففي الفيليبين، مثلا، تشجع الحكومة على استعمال لغة الأم في المدارس، لكنها لا تُخصص التمويلات لتوفير المدرّسين أو الأدوات التي تسمح لأطفال السكان الأصليين بتعلّم لغتهم. فيؤول بهم الأمر إلى إتقان لغة أخرى وإتلاف لغتهم.

قيم مفقودة

بعد القبوع تحت التمييز لسنوات طويلة، انتهى الأولياء الأصليين إلى التسليم بوجوب تخيير اللغات السائدة لأطفالهم سواء للتواصل أو التعلّم، ليوفّروا لهم أحسن الظروف للنجاح الاجتماعي. وبما أن لغتهم الأم بقيت محصورة في التخاطب بين الأشخاص المتقدمين في السن، لم يعد الأحفاد قادرين على التواصل مع أجدادهم.

على سبيل المثال، يوجد في مجتمع الإيغورو مفهوم يدعى «إنايان» الذي يحدّد بالأساس السلوك الذي يجب توخّيه في مختلف الوضعيات، و يُلخّص علاقة الفرد بمجموعته وأسلافه، ولا يكتفي بالتحريض على السلوك المستقيم، بل يُنبّه إلى أن «الأرواح أو الأسلاف لا يستحسنون» السلوك الخاطئ. وحيث أن العديد من الشبان أصبحوا يجهلون لغتهم الأم، تلاشت هذه القيم التقليدية. إن غياب تواصل الشباب مع كبار السن آل إلى نتائج وخيمة، ليس على مستوى اللغة فحسب، وإنما أيضا على المبادئ الأخلاقية القديمة.

المحافظة على حيوية اللغات

إلا أن الاعتراف المتزايد على المستوى العالمي بنُظم معارف الشعوب الأصلية من شأنه أن يعيد إلينا الأمل في أن تسترجع لُغاتنا حيويتها وانتشارها، شفويّا وكتابيّا. وقد أنشأت العديد من المجموعات الأصليّة بنفسها أجهزة لإعادة إحيائها، على غرار ما قام به الآينو، في اليابان، الذين وضعوا نظاما يتولّى فيه القدامى تعليم لغتهم للشبان. كما أن مدارس التقاليد الحيّة، المفتوحة في مختلف التجمّعات الأصليّة بالفيليبين، سمحت بالمحافظة على حيوية اللغات وغيرها من الوسائل الثقافية القادرة على نقل القيم التقليدية للأجيال القادمة.

يساهم هذا العدد من الرسالة في دعم الجهود المبذولة على الصعيد العالمي لإيلاء اهتمام أكبر بلغات الشعوب الأصلية، ويمثل إضافة ثمينة للكتاب الذي نشرته منظمة  اليونسكو بالاشتراك مع جامعة كامبريدج سنة 2018 تحت عنوان «معارف الشعوب الأصلية لتقييم تغيّر المناخ والتكيّف معه» والذي يُؤكّد على الدور الحاسم للمعارف الأصليّة في مواجهة التحدّيات الكونية الجديدة.

 

آلصورة: جاكوب ماينتز

 

ميني ديغاوان

أصيلة  فرقة كاكانا من شعب الإيغورو الذي يعيش في أحزمة الفيليبين، ميني ديغاوان هي مديرة برنامج الشعوب الأصلية والتقليدية في منظمة المحافظة الدولية بفرجينيا (الولايات المتحدة). كما دأبت منذ سنين طويلة على النضال من أجل الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية واحترامها، وساهمت في أنشطة عديدة لأخذ القرار، من بينها صياغة إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية.