الأحداث

هوفهانيس تومانيان: شاعر ولوع بسرد القصص

cou_01_19_toumanian_01_web_social.jpg

خلود، نحت للفنان الأرمني جيفورغ تاديفوسيان.

لقد مرّ أكثر من تسعين عاماً على وفاة هوفهانيس تومانيان، غير أن قصائده لم تفقد أيّ ذرة من قيمتها الابداعية ولا من شحنتها العاطفية ولا من قدرتها على إثارة التفكير. في بداية القرن العشرين، ابتكر هذا الكاتب أسلوبه الشخصي، مستلهما من التقاليد الشفهية الأرمنية، لينظم قصائد قصصية مُقفّاة. ومن بين الآثار الفنية التي استلهمت من شعره، نذكر على وجه الخصوص، أوبرا «أنوش» لأرمين ديكرانيان، وأوبرا «ألماست» لألكسندر سبنداريان.

 

بقلم كريكور بِليديان

يقدم هوفهانيس تومانيان (1869ـ1923) في مذكراته في الجزء المخصص لفترة الطفولة، شخصية والده تير ماتيوس، باعتباره لا فقط راعي كنيسة أرمنية يرتل الأناشيد الطقوسية المعتادة، وإنما أيضاً بوصفه شاعراً ينشد قصائد ملحمية،  مصحوبا بالتشونكور، الآلة الموسيقية الشعبية ذات الأوتار المشدودة. وإن أردنا معرفة مصدر انبهار تومانيان عندما كان طفلاً بالشعر القصصي وتأثيره في مخيلته، علينا البحث في هذه البيئة التي نشأ فيها.


هوفهاناس تومانيان حوالي سنة 1910.

أما شخصية الأم، سونا، فهي توحي للطفل تومانيان بالمناظر الطبيعية في قرية ديسيغ، مسقط رأسه، الشبيهة، رغم طابعها البري، بمناظر جبال الألب. «وُلدت أمي وترعرعت في الجبال. لقد كانت بنتاً من الجبال»، هذا ما كتبه لاحقاً هذا الشاعر الذي نظم أبياتا جميلة يصف فيها الجبال الوعرة في أرمينيا، وهي الأبيات التي ننشر مقتطفات منها في نهاية هذا المقال.

وبالإضافة إلى هذه الصورة المثالية، تنسب القصص العائلية أصل الأسلاف إلى أسرة أمراء ماميكونيان العظيمة، الذين تولوا قيادة الجيوش الأرمنية طيلة عدة قرون. وسواء تعلق الأمر برواية عائلية أو قصة أسطورية، فإن تومانيان كان متيقنا من أنها الحقيقية، ولو أن بحثه في أصول سلالته لم تفض إلى النتيجة المنشودة.

قضى الشاعر طفولته في عالم رائع يزخر بالقصص والأساطير التي حفظها عن والده. وقد كان والده مشحونا بطاقة مزدوجة من القداسة والعلمانية. وهذا ما يفسر كيف استوعب ه. تومانيان في ما بعد سرد القصص كطريقة للتفكير ونقل تقاليد الأسلاف والعادات الشعبية.

بحثا عن مجالات أدبية أخرى

كان على الشاب هوفهانيس، الذي وُلد في فبراير 1869 في قرية ديسيغ بمقاطعة لوري الواقعة شمال جمهورية أرمينيا الحالية، أن يترك هذا الفردوس الأصلي ليواصل الدراسة في ستيبانافان الواقعة على بُعد حوالي أربعين كيلومترا من قريته، ثم في تبليسي، عاصمة جورجيا ومنارة الثقافة في منطقة القوقاز بأسرها (أرمينيا، أذربيجان، جورجيا)، حيث قضى كل حياته تقريباً.

إثر وفاة والده، اضطر على الانقطاع عن الدراسة وغادر مدرسة نيرسيسيان الثانوية. فشرع في العمل ابتداءً من عام 1887 كأمين في أسقفية الكنيسة الأرمنية. غير أنه ترك وظيفته، مشمئزا من البيئة المتصنّعة التي كانت تسود المكان. بعد ذلك، حاول قدر المستطاع وبكثير من المعاناة الحصول على بعض المداخيل لتسديد حاجيات أسرته المتعددة الأفراد. إذ أن الفتى تزوج في غضون تلك الفترة وأصبح أباً لعشرة أطفال.

كان هوفهانيس عصامياً مستنيراً ومولعاً بالمطالعة. فانغمس في الثقافة سواء كانت أرمنية أو أجنبية، وقرأ لشعراء روسيين (لرمونتوف، بوشكين)، وألمان (غوتة)، وإنجليز (بايرون، ميلتون، شكسبير)، وأمريكيين (لونغفلو) وغيرهم كثيرون، كما ترجم وكيّف للغة الأرمنية البعض من أعمالهم. وقد تأثر بالفلكلور الغربي والشرقي على حد السواء. في متحف تومانيان في يريفان عاصمة أرمينيا، حيث تم الاحتفاظ بمكتبته وجزء من مَخطوطاته، يمكن تقييم مدى اتساع نطاق مطالعته والاطلاع على جزء من الوثائق التي كان يعتبرها الشاعر ضرورية لِنظم قصائده وتأليف قِصصه النثرية.

ومن المرجح أن تكون مطالعة مؤلفات بوشكين هي التي أكدت أفكاره حول الصياغة الشكلية للقصص، في حين أنه من المحتمل أن يكون «شبح» شكسبير هو الذي ثناه عن نشر مسرحياته التي انتهى به الأمر إلى إتلافها. وما عدى هذا التأثير غير المباشر، فإن الآداب الأجنبية لا تُلمس في نصوصه، ولم تتعد دورها المتمثل في توفير الاحتكاك الضروري في تكوين الشاعر بالنماذج الأدبية المبتكرة، نظرا لغياب مثل تلك النماذج في محيطه المباشر.

العبارة المناسبة

نالت أول مجموعة ألّفها ه. تومانيان التي تحمل عنوان« أشعار» والتي نُشرت في موسكو عام 1890، نجاحاً باهراً في أوساط النقد الأدبي. وفي ما بعد، حملت جميع دواوينه الشعرية نفس العنوان، فيما عدا «نغمات»، وهو ديوان نُشر في تبليسي سنة 1896. ويتناول كل جزء من هذه الدواوين عدداً من القصائد التي سبق نشرها، فضلاً عن قصائد جديدة.

وبعد تلك الفترة الشعرية الوجيزة من 1890 إلى 1896، أضفى الشاعر على قصائده السردية نغمة جديدة غير مألوفة يصعب تصنيفها في أيّ نوع من الأنواع الأدبية الموجودة. أتت كافة مسرحياته الأدبية الجديدة على شكل سرد شعري مقفّى، منظوم في حلقات ـ وذلك هو القاسم المشترك بينها ـ حيث يتناول المؤلف الخرافات والأساطير والقصص المشهورة الأرمنية أو القوقازية، في صياغة أخرى ترمي بكل وضوح إلى طبعها ببعد رمزي.

وعندما ألف ه. تومانيان «الكلب والقطة»، و«التجار الذين لم يسعفهم الحظ»، و«دير الحمامة»، أو أيّة قصة أخرى يعرفها كل أرمني عن ظهر قلب منذ سن الطفولة، فإن قدرته الإبداعية لا تكمن في المواد التي يستخدمها بقدر ما تكمن في الطريقة التي ينتهجها في قيادة الأحداث نحو فكرة أساسية لا يكشفها إلّا في نهاية السرد. وفعلا، تعرض كل قصة حيوانات أو أشخاصا في خضم أحداث تتطور حسب نسق دقيق، لتصل بهم إلى الذروة: العبرة الأساسية المقصودة، في صيغة مختصرة.

وقد جعل هذا المنهج الأدبي المتميّز من ه. تومانيان قصّاصاً لا نظير له، متمكّنا بصفة فائقة من القافية والكلمة على السواء. وهذا المنهج هو ثمرة عمل دؤوب نجد آثاره في المسودات العديدة والصيغ المتتالية لنفس النصوص. وكثيراً ما يعيد الشاعر كتابة نصوصه حتى تلك التي سبق نشرها، ليحوّرها بشكل عميق، ومن الواضح أنه كان يسعى إلى صياغة التعبير الأكثر بساطة ونجاعة. وخلافا للعديد من نظرائه الذين كانوا يفضّلون الإطناب، فقد جعل ه. تومانيان من الاختصار والتلميح والعبارة المناسبة والدلالة الواضحة منهجاً شعرياً حقيقياً.

مرحلة النضج الأدبي

وفي بداية القرن العشرين، أصبح ه. تومانيان متمكّنا بصفة فائقة من أسلوب السرد الشعري المنظوم، لاسيما من خلال قصيدتي «أنوش» و«حصار حصن تموك». وتتألف «أنوش»، وهي ملحمة رعوية تدور أحداثها في الأجواء الرائعة لمنطقة لوري، من ستة أناشيد تسبقها مقدمة موسيقية. وقد ألهمت قصة الحب المنكود هذه، التي تتضمن جميع مقومات مأساة شعرية منظومة، الموسيقار أرمين ديكرانيان (1879ـ1950) بوجه خاص، الذي ألّف أوبرا تحمل نفس الاسم، وهي أوبرا يتم عرضها بانتظام في دور الأبرا في جميع أرجاء العالم.

أما قصيدة «حصار حصن تموك» فهي تتناول واقعة تاريخية: انخِداع زوجة الأمير تاتول بوعود ملك بلاد فارس نادر شاه، وخيانتها لزوجها وتسليمها الحصن إلى العدو. أما المنتصِر، فبعد أن دمّر كل شيء، انقلب على الخائنة وأمر بقطع رأسها. وتكتسي هذه القصيدة بعدا سياسيا أكثر وضوحاً بالمقارنة بقصيدة «أنوش». وقد ألهمت أوبرا «ألماست» لألكساندر سبنداريان (1871ـ1928). واليوم، ينتصب تمثال برونزي للشاعر بالقرب من تمثال الملحن، في ساحة أوبرا يريفان، وهي الساحة الأكثر رمزية في العاصمة الأرمنية، كأن فيهما تذكير بأن القصص التي خلّدتها مؤلفاتهما ما زالت صالحة في الوقت الراهن.

وفي نفس تلك الفترة، شرع ه. تومانيان في كتابة «داود الساسوني» ـ وهي ملحمة لم ينشر منها سوى مقطعا واحدا ـ وقد اقتبسها من مؤلَّف مشهور في التقاليد الأدبية الأرمنية، لتبليغ مبادئ اهتم بها كل الاهتمام، ألا وهي: الاحترام المتبادل بين الشعوب، ونبذ كافة أشكال العنف، ورفض جميع أساليب الاضطهاد.

شاعر قادر على التحرك العملي

ظل هذا العمل غير مكتمل، شأنه شأن قصيدته «طائر النار» بسبب أنشطة الشاعر العمومية التي أصبحت تأخذ منه قدراً متزايداً من الوقت. إذ أن  الشاعر ه. تومانيان كان في نفس الوقت رجلا قادرا على التحرك العملي، رافضا أن يقتصر نشاطه على التردد على الأندية الأدبية، حتى ولو أنشأ في بيته نادي «فيرناتون» (الغرفة العليا)، مع مجموعة من أصدقائه الكتّاب مثل أفيتيس أهارونيان، وألكساندر شيرفانزاده، وأفتيك إسّاهاكيان ونيكول أغباليان.

كان نادي «فيرناتون» يختلف اختلافا جوهريا عن العديد من الصالونات الأدبية والفنية في تبليسي، إذ كان يهدف إلى توفير فضاء للكتّاب، بما فيهم الذين يزورون المدينة بصفة عابرة، للقاء وتبادل الأفكار. ومضى ه. تومانيان في تحقيق هذا الهدف من خلال إنشاء رابطة الكتّاب الأرمن في القوقاز. وظلت هذه الرابطة مركزا للأدب الأرمني حتى قيام ثورة أكتوبر 1917.

كما انخرط ه. تومانيان بنفس الحماس في المجال السياسي. وخلال النزاع الأرمني ـ التتاري الذي نشب عام 1905، اضطلع بدور المفاوض بين الأطراف المتنازعة وتوصل إلى منع انتشار الصراع في مقاطعة لوري. وقد حاول أن يقوم بنفس الدور عند نشوب الحرب الأرمنية ـ الجورجية التي دامت لفترة قصيرة في عام 1919. وفي تلك الفترة، ظهرت أول أعراض المرض الذي أودى بحياته في مارس 1923. وقد أدى هذا النشاط إلى اعتقاله مرتين، في عام 1908 وعام 1911.

وأثناء جريمة الإبادة الجماعية التي اقترفت بحق الأرمن في عام 1915، نظّم ه. تومانيان عمليات إغاثة للاجئين الأرمن الذي فرّوا من المدن والقرى المدمرة. وتقع هذه التجربة الأليمة في صميم أجمل قصيدتين من تأليفه: «صلاة الجنازة» و«إلى وطني»، وهي قصائد خالية من المغالاة في العواطف ومن مشاعر البغضاء، رغم أن مثل هذه العواطف والمشاعر كانت سائدة إلى حد كبير آنذاك في هذا النوع من الأدب.

وإن صح قول ه. تومانيان بأن «الشاعر يُمثل، أولاً وقبل كل شيء، قلب شعبه النابض»، فيصح أيضاً القول بأن الشعب الأرمني سوف يحتفظ في وجدانه إلى الأبد بالقصائد الخالدة لهذا الشاعر. وبعد مرور سنوات عديدة على وفاته، لا زالت أصداء صوت ه. تومانيان تتردد بين منحدرات الجبال في بلادنا:

الطريق مظلم، الطريق حالك

قاتم هو الليل الطويل

ليل هائل لا نهاية له

نحن صاعدون إلى القمم

في الجبال الوعرة

جبال أرمينيا [...]

وتبحث أنظارنا عبثاً في الظلمات

عن نور

وفجر لا بد أن يبزغ

في الجبال الخضراء

جبال أرمينيا

تنشر الرسالة هذا المقال مساهمةً منها في الاحتفال بذكرى مرور مائة وخمسين سنة على ميلاد هوفهانيس تومانيان، بمشاركة منظمة اليونسكو، وباليوم العالمي للشعر، 21 مارس.

 

الصورة: جيفورغ تاديفوسيان​​​​​​​

كريكور بِلِيديان

شاعر وروائي فرنسي من أصل أرمني، وُلد كريكور بِلِيديان في بيروت (لبنان) ويقيم في باريس منذ عام 1967. ألف دواوين شعرية عديدة ودراسات، فضلاً عن مجموعة من القصص حول سيرته الذاتية باللغة الأرمنية الغربية. ونُشرت أعماله في أرمينيا وفرنسا ولبنان والولايات المتحدة.