زاوية كبرى

«هذا ليس بيتكِ، يا ابنتي»

cou_01_19_uganda_web_social.jpg

تستعمل النساء من فرقة الباهيما في جنوب غرب أوغندا، قوارير الحليب يوميا.
©اليونسكو

تعيش راعيات الغنم من قبيلة باهيما في جنوب غربي أوغندة تحت وطأة أعباء التقاليد والحداثة، في آن واحد.  في الماضي، كانت حياتُهن مليئة بالصعوبات. واليوم، يدفعن ثمنا باهضا مقابل تحرّرهن.

 

بقلم إليزاباث كاتوشابي

قبيلة باهيما مكونة في الأصل من رعاة رُحّل في جنوب غربي أوغندة، استقرت مع مرور الزمن. وحسب الأسطورة السائدة، تنحدر هذه الفرقة  من كاهيما وهو أحد الأبناء الثلاثة للإله روهنغا الذي عهد لابنه تربية البقر ذات القرون الطويلة المعروفة باسم أنكولي. وقد أصبح هذا النوع من الماشية – الذي يمثل مورد قوتها الأساسي – رمز هويّة فرقة باهيما، رغم أن أعضاء الفرقة يقومون اليوم بتربية أنواع أخرى من الماشية ويُمارسون مِهنا متعددة.

مصير مكتوب منذ الولادة

حسب التقاليد الموروثة، عندما تُولد بنت من فرقة الباهيما، تُرفع المولودة على ظهر ثور أو يُوضع على ركبتيها إناء لمخض الزبد، ثمّ تُتلى هذه العبارات: «إيزاوي زيري أوبوسيري!» أو «أواوي نوبوسيري!»، بما معناه في لغة رونيانكولي (لغة البانتو): «أغنامك (أي أملاكك) توجد في الجانب الآخر من الوادي وبيتك أيضا!».  والمقصود بذلك هو أن البنت ستُغادر المنزل الذي وُلدت فيه ولن ترث شيئا من والدها. ورغم أن ممارسة هذه الطقوس في حد ذاتها بدأت تتقلص، إلا أن العادة بقيت. وباستثناء البعض من الباهيما ذوي العقول النيرة والمتعلّمين، فإن الآباء لا يتركون شيئا لبناتهم.

لما تبلغ الفتيات سن السابعة أو الثامنة، يبدأ تَدريبهن على المهامّ المنزلية: تنظيف أكواب الحليب  والأواني و وطليها، ترتيب الكوخ (أكواخ البهيما مبنية من الطين، سقوفها من القش وأرضيتها من روث البقر)، وكنس الفناء. وعند بلوغ سن التاسعة، يبدأن في صنع الإيميهايها(أغطية أكواب الحليب) والأواني، وإعداد الزبد المُصفّى، والاعتناء بالعجول: تنظيف المأوى، وقطع العشب للفضلات، وأخذها للمرعى  قريبا من البيت.

وفي سن الرابعة عشر، يحين وقت الزواج. وعندما يتمّ الاتفاق على «ثمن العروس»، بعدد رؤوس الماشية، ويتمّ تسليمه من قبل عائلة العريس، تبدأ طقوس التسمين.

هي ملك للزوج

قبل موعد الزفاف، تنتقل الفتاة  للإقامة عند إحدى قريباتها طيلة أشهر عديدة لتأخذ نصيبا من الراحة وليتمّ تسمينها: عليها أن تشرب كميات ضخمة من الحليب، إلى أن تظهر على جلدتها علامات التمدّد بما يُفيد أنها وصلت حدّ التخمة. ولما تنتهي عمليّة التسمين، تُصبح الفتاة الموعودة جاهزة للأوكوهنجيرا، أي حفل الزفاف التقليدي. وبهذه المناسبة، تقدم لها شتى أنواع الهدايا، من أكواب الحليب إلى الأدوات المنزلية والمواشي... التي ستصبح جميعها على ملك الزوج.

وعندما تستقرّ في بيت الزوج، تحجب طيلة أربعة شهور وراء الستائر، ولا تقابل أيا كان سوى زوجها والمقرّبين من عائلتها. وبما أنه من المفروض أن تُحافظ على وزنها الزائد، تواصل حماتها أو أية امرأة أخرى من عائلة زوجها إجبارها على شرب الحليب. كما تُمنع من القيام بأي جهد بدني أو من مغادرة المنزل.

كعُربون للعاطفة التي يكنها لزوجته، يعود للزوج اختيار الإينيويزا، أي البقرة التي تشرب من حليبها.

وعند انقضاء الأربعة أشهر الأولى، تستأنف المرأة المهام المنزلية: تمخض اللبن لإعداد الزبد المُصفّى تحسّبا للموسم الجاف. والزبد المُصفّى يُستعمل لطلي الأونكوندا أي الجلود التي تُصنع منها الملابس والأغطية، وكذلك في إعداد صلصة تُسمّى إيشابواي، ولإعطاء نكهة إضافية للّحم والدم المطبوخ. كما تقوم بتزويق الانسيكا (جدران الكوخ)، والأميرونغو (المقاعد الثابتة المصنوعة من الطين والقش)، والأوروجياجي (المنصة التي يتم فيها تخزين أواني الألبان).

نساء قبيلة باهيما اليوم

بفعل التعليم والاستقرار،  تغيّر مجتمع الباهيما على عديد المستويات. اليوم، تكسب بعض النساء  ممتلكات خاصة، وأغنام وأراضي. ويمارسن فلاحة مُتنوّعة (زراعة وتربية المواشي)، ويتحصّلن على موارد رزق من أنشطة أخرى: يبعن الحليب ويفتحن المطاعم، ومحلات للصناعات التقليدية، ودكاكين بقالة ومتاجر للمأكولات الجافّة. وعدد النساء اللاتي  يخترن العيش في المدن في ازدياد مستمر، حيث يتسنّى لهن ضمان ذهاب أطفالهن للمدارس. بعضهن يتحمّلن مسؤولية رئاسة العائلة، ويتّخذن القرار بشأن الأغنام المُعدّة للبيع، ويُشغّلن العمّال، ويدفعن بأنفسهن مصاريف دراسة أطفالهن. وبعضهن يُهاجر إلى الخارج، بالخصوص إلى الشرق الأوسط وأوروبا .

وتتلقّى نساء فرقة باهيما دعما من المجتمع المدني ومن الحكومة  لتحقيق استقلاليتهِن الاقتصادية، بفضل شركات تعاونيّة للاقتراض والادّخار، مثلا، وبفضل برامج لخلق الموارد للشباب.

ومن قبيل المفارقة أن تتحقق استقلالية نساء الباهيما بالموازاة مع ازدياد هشاشة أوضاعهن. فكثيرا ما يعتبر الرجال تحرّر النساء تهديدا، وهذا من شأنه أن يؤثر  إلى حد كبير، في تزايد العنف العائلي.

من ناحية أخرى، لا زال الزواج المُبكّر يمارَس على نطاق واسع، ولا زالت المرأة تُعتبر ملكا لزوجها. يحرّم عليها تأدية أية زيارة للأقارب أو الاعتناء بمريض من العائلة أو بأطفالها الذين أنجبتهم من زواج سابق. زوجها هو الذي يقوم بذلك بدلا عنها.

كانت الحياة التقليدية قاسية على نساء قبيلة الباهيما. ويبقى الجيل الجديد يعاني من أعباء التقاليد، بالإضافة إلى تحديات الحياة العصرية.

 

أفراد من قبيلتي كاراموجونغ وباهيما يتقدمون بأطيب التمنيات بمناسبة اليوم الدولي للشعوب الأصلية، 9 أغسطس 2017. (فيديو)

 

الصورة: سومي سادومي

i

إليزاباث كاتوشابي

عضوة في جمعية المحافظة على بقر الأنكولي، تسعى إليزاباث كاتوشابي (أوغندة) من أجل بقاء هذه الفصيلة. تشتغل  لفائدة المنظمة غير الحكومية بانها-أوغندة التي تهدف أساسا إلى تحرير النساء الراعيات والمزارعات، اجتماعيا واقتصاديا.