مقابلة

عبد الله أحمد النعيم: حقوق الإنسان، والدولة العلمانية والشريعة اليوم

cou_01_19_naim_web_social.jpg

عبد الله أحمد النعيم

يسعى عبد الله أحمد النعيم، وهو خبير في مجال حقوق الإنسان من منظور متعدد الثقافات، إلى التوفيق بين هويته كمسلم سوداني والتزامه بحقوق الإنسان الكونية. ويرى أنه ينبغي تركيز حقوق الإنسان على المواطنين، وليس على الدولة. ونظرا لوعيه بأن آراءه مثيرة للجدل، يؤكد النعيم أنه مستعد لمواجهة منتقديه، قائلا: «بدون آراء معارضة، أفقد قدرتي على الإبلاغ».

 

أجرت المقابلة شراز سيدهفا

عندما تشير إلى الكلمات الثلاث التي تبدأ بحرف «الميم» في ما يتعلق بحقوق الإنسان، ما الذي تعنيه بالضبط؟

أشير في بعض الأحيان إلى هذه الكلمات لأبيّن أبعاد حقوق الإنسان، ألا وهي المفهوم، والمضمون والمقام.

«المفهوم» هو الطابع الكوني، حيث أننا نتحدث عن حقوق الإنسان باعتبارها حقوق البشر أيّاً كانوا، ولكن ماذا نعني بالضبط؟ هل في مقدورنا حقا حماية حقوق البشر في حد ذاتها؟ وما هي الدولة التي تقوم بذلك؟ إن الحقيقة، مع الأسف، هي عكس ذلك، لأن الدول تستخدم خطاب حقوق الإنسان كسلاح  تشهره في ما بينها لشيطنة سياساتها السلطوية، بدلاً من اعتبارها مبادئ كونية تستند إليها السياسات العامة لحماية كرامة جميع الكائنات البشرية.

ويشير «المضمون» إلى كل ما تجسده هذه الحقوق، وهنا علينا التسليم بأننا لا زلنا بعيدين عن الهدف المنشود، وأن حقوق الإنسان ما زالت غائبة عن السياسات العامة.

ويطرح «المقام» مسألة تطبيق مبادئ حقوق الإنسان على أرض الواقع، ومدى تمتع الأشخاص المعنيين بهذه الحقوق. ما معنى حقوق الإنسان بالنسبة للذين يقبعون تحت أعباء فقر مدقع ودائم في القاهرة أو كراتشي أو لاغوس؟ هل ساهمت تلك الحقوق في تحسين ظروف حياتهم؟

ما هو الدور الذي ينبغي للدولة أن تضطلع به لحماية حقوق الإنسان؟

ما ألاحظه، في كل البلدان، هو أن الدولة تقوم بحماية حقوق مواطنيها، أي الأفراد الذين يعيشون بصفة شرعية على أرضها، وليس حقوق الكائنات البشرية على وجه العموم. لهذا السبب، يبقى اللاجئون والعمال المهاجرون، على سبيل المثال، محرومين من الحقوق التي يمنحها لهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أما حقوق المواطنين والمقيمين بصفة شرعية، فإن الدولة هي التي تحددها وتقوم بمراجعتها باستمرار. كما أن الدولة هي التي تقرر التفاوض مع دول أخرى، والمصادقة على المعاهدات الدولية ذات الصلة أو تجاهلها، وتحديد شروط ونطاق حماية حقوق الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية.

إن مجال حقوق الإنسان خاضع بأكمله لسلطة الدولة. ولا يدّعي القانون الدولي إجبار أي دولة على القيام بعمل ما. إن منظمة الأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية مكونة من عضوية الدول ومسيّرة من طرفها. لذلك ليس في مقدور هذه المنظمات سوى العمل حسبما تقتضيه الدول، وما تمليه عليها من شروط.

هذا الأمر الواقع يتطابق، بدون شك، مع المستوى الذي بلغته التنمية البشرية في الوقت الراهن، غير أنه ليس مؤاتيا لحماية حقوق الإنسان. وأرى تناقضا في التنظيم الذاتي الذي تمارسه الدول، بما أن الحقوق الأساسية من المفترض أن تكون خارج نطاق سيطرة الدولة ومناوراتها.

كيف يمكن إذا ضمان احترام حقوق الإنسان؟

أنا لا أقول إننا لسنا بحاجة لحقوق الإنسان، أو أن حماية هذه الحقوق لا يمكن تحقيقها. أريد التأكيد على ضرورة بلورة فكرة واضحة حول الأصول التي تتجذر فيها حقوق الإنسان، وحول كيفية تحديد معنى هذه الحقوق وطريقة تطبيقها.

في رأيي، ينبغي أولا أن يتولى تحديد معنى حقوق الإنسان الأشخاص الذين يعترفون بها ويطبقونها على أرض الواقع، وأن لا يُترك للسلطات الاستعمارية السابقة مجالا لفرضها على مستعمراتها القديمة، أو لمندوبي دول ما بعد الاستعمار، أوللبيروقراطيين الدوليين.

ثانياً، يجب تطبيق معايير حقوق الإنسان من خلال اتباع مراحل سياقية واقعية تتناسب مع احتياجات المجتمعات المعنية ومواردها، لا من خلال سَنّ تشريعات مدوية معروضة في إطار اجتماعات عقيمة تعقدها منظمات دولية أو مؤتمرات دبلوماسية أو أكاديمية.

ثالثاً، يجب أن ترتبط استراتيجيات التنفيذ ارتباطاً وثيقاً بالسياق، وأن توضع دائما تحت رقابة الأشخاص المعنيين بهذه الحقوق.

هل لك أن تضرب لنا مثلاً على ذلك؟

إن أردت، مثلا، مكافحة تشويه الأعضاء التناسلية للنساء في السودان، لن أتمكن من القيام بذلك من خلال إصدار بيان في جنيف. ولا حتى بموجب قانون تسنّه الدولة السودانية. لا بد لي من السعي لتغيير العقليات على الصعيد المجتمعي. هذا هو الحل الوحيد.

في السودان، قامت السلطات البريطانية بتعديل القانون الجنائي فأصبح ينص على معاقبة تشويه الأعضاء التناسلية للنساء بالسجن لمدة عامين، وذلك في عام 1946، أي العام الذي وُلدت فيه. وها أني بلغت من العمر 72 سنة، وما زالت ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية للنساء سارية المفعول، وذلك بنسبة تفوق 90٪ من السكان.  وحسب معلوماتي، لم يتم تقديم أي كان للمحاكمة. وينطبق ذلك على جرائم «الشرف». ومن الواضح أنه لا بد من إحداث تغيير في هذين المجالين.

ما هو أفضل سبيل لإحداث التغيير؟

علينا أن نتحرر من كبت الأفكار البيروقراطية، بغية إلهام مخيلة الناس ودفع عجلة التغيير.

في بعض الأحيان، يمتنع الناس عن إحداث التغيير لأنهم يظنّون الأمر مستحيل. لكنهم مخطئون. لننظر إلى ما توفقت إليه حركة الدفاع عن المثليين بفضل عزمها على تغيير الأوضاع. عندما انتقلت عام 1995 إلى أتلانتا بولاية جورجيا في الولايات المتحدة للإقامة هناك (علما وأن في الولايات المتحدة، القانون العائلي صادر عن الأقاليم وليس عن النظام الفيدرالي)، كانت ممارسة اللواط تُعتبر جريمة يُعاقَب عليها بالسجن. أما في عام 2015، فقد أصبح زواج المثليين حقاً دستورياً.

وعندما نفكر في السرعة التي حدث بها هذا التطور، يتبين لنا أنه  لا يجب البدء بتغيير القانون. إن التحول على المستويين الثقافي والاجتماعي صلب المجتمعات هو الذي يشكل القوة المحركة للتغيير، وليس نتيجته.

عندما تشير إلى ثقافة حقوق الإنسان التي يمكن تعزيزها من خلال الخطاب الداخلي والحوار بين الثقافات، ما الذي تعنيه بالضبط؟

حين أتحدث عن ثقافة حقوق الإنسان، أشير إلى القيم التي أفعِمنا بها منذ التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة المبكرة، والتي نستمر في تعزيزها طوال حياتنا. ومن شأن هذه القيم تيسير احترام حقوق الغير وحمايتها، حتى في حالة عدم تحديد تلك الحقوق بنفس العبارات. لدى الإنسان وفي إطار كل المجتمعات البشرية، ثمة ميولات لاحترام كرامة الغير، وسعي لتحقيق الوئام الجماعي، والتعايش والترابط المتبادل.

وفي رأيي، كل هذه القيم هي نفس القيم المؤسسة لحقوق الإنسان، رغم أنها غير واردة في حد ذاتها في الخطابات السائدة. لقد أكدت، منذ ثمانينيات القرن الماضي، على ضرورة إرساء ثقافة حقوق الإنسان صلب كل مجتمع، باعتبارها نقطة انطلاق لتعميق وتنمية الإجماع الدولي في إطار الثقافات، وكذلك الحوار بين الثقافات. وهذا ما يتناوله الكتاب الذي أشرفت عليه في عام 1992 والذي يحمل عنوان «حقوق الإنسان من منظور متعدد الثقافات: سعي من أجل تحقيق الإجماع».

على المستوى الشخصي، كيف كان لك أن تهتم بحقوق الإنسان من منظور إسلامي؟

خلال ستينيات القرن الماضي، لما تولّد لديّ صراع داخلي بين عقيدتي الإسلامية ومعارضتي للشريعة، أسعفني الحظ بلقاء الأستاذ محمود محمد طه. ووجدت في تفسيراته للإسلام صبغة ابتكارية حثتني على التوفيق بين معتقداتي الدينية والتزامي بدعم حقوق الإنسان.

وكان الأستاذ طه مهندساً سودانياً ومُصلحاً في مجال التصوف الإسلامي. وقد شارك في النضال من أجل استقلال السودان خلال أربعينيات القرن الماضي، كما أنه سُجن بسبب آرائه السياسية في فترة الإدارة الأنجلوـ مصرية الاستعمارية. لقد أسس وترأس الحزب الجمهوري، الحزب الذي ناضل من أجل إقامة جمهورية ديمقراطية في السودان. وبعد قضاء مدة طويلة في السجن، عقبتها فترة كرّسها للدراسات الدينية، عاد الأستاذ طه في عام 1951 حاملا  تفسيرا إصلاحيا للإسلام.

وعقب تنفيذ حكم الإعدام المأساوي في طه عام 1985، وقمع حركته الإصلاحية في السودان، غادرت وطني إلى المنفى لكني ثابرت في تعميق تفكيري الشخصي وتطبيق المنهجية الإصلاحية التي وضعها أستاذي، ساعياً إلى الإقتداء به.

هل لك أن تحدثنا عن مشروعك «مستقبل الشريعة»؟

يجمع مشروع «مستقبل الشريعة» عدة مواضيع كنت تناولتها في بحوثي الأكاديمية وفي دعوتي إلى إحداث تغيير اجتماعي. لقد تطور تفكيري في هذه المسائل منذ فترة دراستي في القانون، في ستينيات القرن الماضي. وفي ما يتعلق بالمسار الإصلاحي للإسلام والدراسات الإسلامية، فقد توصلت إلى التوفيق بين التزامي بالدفاع عن مفهوم الدولة العلمانية من منظور إسلامي، مثلما قمت به قبل ذلك فيما يخص الدفاع عن حقوق الإنسان، وبين عقيدتي الدينية.

ودعوت، من خلال موقع ومدونة على الإنترنت، إلى إجراء نقاش عمومي على الصعيد العالمي بشأن الأفكار الواردة في كتابي الصادر عام 2008 تحت عنوان الإسلام والدولة العلمانية.

وإني على قناعة بأن مفهوم حقوق الإنسان والمواطنة هو أقرب لمبادئ الإسلام من تطبيق ما يدّعي البعض بأنه الشريعة، من طرف دولة إسلامية مزعومة. أعرض في هذا الكتاب الحجج الإسلامية لصالح فصل الدين الإسلامي عن الدولة، وتنظيم الروابط بين الإسلام والشؤون السياسية. كما أبين أن قيام الدولة بفرض تطبيق الشريعة إنما يُعد إخلالاً بتأكيد القرآن القوي على اعتناق الإسلام بشكل طوعي. من الممكن التوفيق بين التقوى الفردية والهوية الدينية الجماعية: حتى أكون مسلماً عن قناعة واختيار حر، وهو السبيل الوحيد كي أكون مسلماً حقا، فإني أطالب بإقامة دولة علمانية تتسم بالحيادية في المجال الديني، وفي نفس الوقت تعزز الممارسة الدينية الحقيقية.

عبد الله أحمد النعيم

باحث ومؤلف سوداني - أمريكي مختص في القانون، مشهور على الصعيد العالمي، يشغل عبد الله أحمد النعيم منصب أستاذ كرسي تشارلز هوارد كاندلر في معهد الحقوق بجامعة إيموري في أتلانتا (الولايات المتحدة)، كما أنه أستاذ مشارك في كلية إيموري للفنون والعلوم، وباحث رئيسي في مركز دراسة القانون والديانت في جامعة إيموري.