زاوية كبرى

أودري أزولاي: لنستغلّ أحسن ما في الذكاء الإصطناعي

cou_03-18_dg_itw_01.jpg

تمثيل رمزي للتعاون بين الذكاء الاصطناعي والإنسان.

يُمكن للذكاء الإصطناعي أن يُساعد البشرية على تجاوز عدد كبير من المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي تُواجهها، لكنّه يُطلق، في الآن نفسه، جملة من التحدّيات المُعقّدة بالخصوص على صعيد الأخلاق، وحقوق الإنسان والأمن. إلا أنه لا يوجد، إلى حدّ الساعة، أي إطار أخلاقي دُولي ينطبق على جملة تطوّرات الذكاء الإصطِناعي وتطبيقاته. وبالتالي، من الضروري إيجاد آليّة دولية تُحدّد المعايير في هذا المجال.

 

أودري أزولاي، المديرة العامة لليونسكو، تجيب عن أسئلة ياسمينا شوبوفا

 

لماذا تهتم اليونسكو بالذكاء الإصطناعي؟

أجمع الخبراء على أن الإنسانية تعيش فجر عصر جديد. وسوف يُغيّر الذكاء الإصطناعي  وجودنا بشكل أعمق ممّا نتخيله. لقد بدأ هذا التغيير في التأثير على كافة مجالات حياتنا. ويعدّ الذكاء الإصطناعي الكثير من التطبيقات في ميادين مُتنوّعة مثل الصحة، والتعليم، والثقافة، والأمن، والدفاع... وقد شهدت البحوث تقدّما كبيرا في السنوات الأخيرة: أصبح عمالقة الواب (غوغل، أيبل، فيسبوك، أمازون، مايكروسوفت)، وكذلك العديد من الدول، يستثمرون في الذكاء الاصطناعي، وأصبحوا بذلك صانعي هذه «الثورة الصناعية الرابعة».

في زمن هذه التحوّلات، لليونسكو دور حقيقي عليها أن تضطلع به. أوّلا، لأن تطبيقات الذكاء الإصطناعي مرتبطة مباشرة بمجالات اختصاصها. سوف يغيّر الذكاء الإصطناعي التعليمَ بصفة جذرية، لما سيُحدثه من ثورة في آليات التدريس، وطرق التعلّم والوصول إلى المعرفة، وكيفيّة تكوين المُدرّسين. وسوف تصبح مسألة تطوير الكفاءات الضرورية لمجاراة عالم ينمو باستمرار في اتجاه الآليّة، مسألة مركزية أكثر فأكثر.

في مجال الثقافة، أصبح الذكاء الإصطناعي مطلوبا جدّا، كما هو الحال بالنسبة للتصوير بثلاثة أبعاد في إعادة بناء التراث، وسوف نطبقه في مدينة الموصل العتيقة في العراق. وكذلك في مجالات العلوم، وخاصّة في البرامج البيئيّة وفي استكشاف أعماق البحار، مثل تصنيف صور العوالق أو الكشف الآلي عن الحيتان والطيور البحرية وتعدادها. وبطبيعة الحال، يستند الاتصال والإعلام أيضا إلى التقدّم الذي أحرزه مجال الذكاء الإصطناعي. ويعود لليونسكو التفكير في منافع  الذكاء الاصطناعي ومخاطره على التعليم والثقافة والعلم والاتصال والإعلام.

 

ما هي مخاطره حسب رأيك؟

بصفة عامة، يمكن اعتبار الذكاء الإصطناعي فرصة رائعة لتحقيق أهداف جدول أعمال 2030، لكن ذلك يستلزم معالجة المسائل الأخلاقية التي يطرحها، على الفور. هو فرصة لأن تطبيقاته تُساعد على التقدّم بأكثر سرعة نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فهي تسمح بتقييم أفضل للمخاطر، وتحسين الاستشراف، وتوسيع نطاق تقاسم المعارف، وهي تقترح حلولا مُبتكرة في مجالات التعليم والصحة والبيئة والتخطيط العمراني والصناعات الخلاقة، كما أنها تحسّن مستوى العيش ورفاهية الحياة اليومية. لكنّه يُشكّل أيضا تهديدا، لأنّ تعميم الآليّة والرقمنة يُحدثان اختلالات جديدة، وقد يتسببان في الحدّ من التنوّع في الصناعات الثقافية، وفي اضطراب سوق الشغل والتهميش وتعميق التفاوت بين المتمتعين بالتكنولوجيا الحديثة والمحرومين منها.

ولليونسكو في هذا المجال بالتحديد دور يتمثل في محاولة التقليص من عدم التكافؤ في نيل المعرفة والاستفادة من البحث، وذلك من خلال دعم الدول الأعضاء. إن الفجوة التكنولوجية قد تؤدي إلى مُضاعفة التفاوت الاجتماعي. وعلى اليونسكو أن تكون قادرة على مساعدة الدول الأعضاء في التكيّف مع الواقع الجديد والوصول إلى المعرفة التكنولوجية.

 

كيف يُمكن لليونسكو أن تُقدّم هذه المساعدة بشكل ملموس؟

بالنسبة للدول الأعضاء، يتمثل أحد الرهانات في القدرة على الحصول على معدّات الهندسة المُتطوّرة التي تكون في ذروة الابتكار، وكذلك في توفر الكفاءات البشرية اللازمة، من علماء ومهندسين. وبوسع اليونسكو تقديم مثل هذا الدعم، والمساعدة على تقليص الفوارق بين الدول، بفضل مراكز التعليم والتكوين في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار التابعة لها، والمرصد العالمي لآليات رسم سياسات العلوم والتكنولوجيا والتجديد، بالإضافة إلى البرنامج الدولي للعلوم الأساسية.

 

ما هي التحدّيات التي يطرحها الذكاء الإصطناعي في مجال التعليم؟ وكيف تنوي اليونسكو مجابهتها؟

بطبيعة الحال، التعليم مجال أساسي بالنسبة للمنظمة، وسوف تؤثر فيه هذه الثورة الناشئة بصفة إيجابية وسلبية، في آن واحد. لقد تمّ استخدام برمجيّات بيداغوجية ترتكز على الذكاء الاصطناعي لتحقيق لامركزية التعليم، وتكييفه للاستجابة للحاجيات الخصوصية، وإرشاد الطلبة حول المناهج، وكذلك في تطابق الشهادات. إلا أن هذه التكنولوجيات باهظة الثمن وليست في متناول الجميع، وقد تتعمّق الفجوة بين الأغنياء والفقراء أكثر.

واعتبارا لدورها كمنسق  للهيئة المديرة لأهداف التنمية المستدامة – التعليم 2030 المُكلّفة بمتابعة تحقيق هدف التنمية المستدامة 4 المتعلق بالتعليم، تشغل اليونسكو موقعا مُتميّزا للقيام بهذه المهمة، وذلك من خلال تحديد المساهمات الممكنة للذكاء الاصطناعي في تعليم مفتوح للجميع، وتقييم تأثيره المُحتمل على مستقبل التعلّم.

وقد أدرجنا ضمن أولوياتنا ترويج أدوات الذكاء الاصطناعي المُتاحة للاستعمال الحر التي من شأنها أن تُيسّر الابتكارات المحلّية.

وحتى تكون الأجيال القادمة مستعدة للانصهار في المشهد الجديد الذي يرسمه الذكاء الاصطناعي لعالم الشغل، لا بد أيضا من إعادة التفكير في البرامج التربويّة، وذلك بالتأكيد على تدريس العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، وكذلك بإيلاء مكانة من الدرجة الأولى للإنسانيات، والكفاءات في ميدان الفلسفة والأخلاقيات.

 

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالفلسفة والأخلاقيات؟

عند بلوغهم سن الكهولة، سوف يُواجه حتما تلاميذ وطلبة اليوم مشاكل من نوع آخر لا نستطيع إدراكها في الوقت الحاضر. ومن الصعب التكهّن بكل التطوّرات الممكنة لهذه الآلات التي تتطور باستمرار، والتي تخطو  يوما بعد يوم خطوات في اتّجاه استقلاليّتها لدرجة أنها أصبحت منذ الآن تتحدّى، إلى درجة ما، الهويّة البشرية. ولهذا السبب، فإن الكفاءات في مجال الأخلاقيات، وكذلك في العلوم الاجتماعية والإنسانية بصفة عامة، سوف تكون ضرورية بنفس قدر الكفاءات في العلوم الأساسية. كما أن هناك احتمال في وجود انحرافات في نُظم الذكاء الاصطناعي – وخاصّة في ما يتعلّق بالنوع الجنسي – تتطلّب أكثر شفافية من قبل هذه النظم، وتستدعي مبادئ أخلاقية صارمة لتصحيحها.

 

لماذا يصعب التكهّن بالتطوّرات القادمة للذكاء الاصطناعي؟

يتقدّم البحث في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة، في حين يبقى تطوير البيئة القانونية والاجتماعية والأخلاقية التي يجب أن تؤطره، بطيئا. إلى أي حد يُمكن أن تصل استقلاليّة الآلة وقدرتها على اتّخاذ القرار؟ وفي حال وقوع حادث، لمن تعود المسؤولية؟ ومن يقرر تحديد القيم التي يجب ترسيخها في الآلات خلال ما يُسمّى بفترة «تعلّم الآلة»؟ هذه الأسئلة، وليست الوحيدة، تبقى إلى اليوم دون جواب.

لقد لاحظنا، مثلا، أن الخوارزميات التي صيغت على أساس اللغة البشرية العاديّة، اقتنت أحكاما مسبقة ترتكز على صور نمطية انطلاقا من معطيات لفظية موجودة في ثقافتنا اليومية. فكيف لا ننشغل من خطر ظهور آلات يكون سلوكها تمييزيّا أو عنصريّا أو عدائيّا؟

كما أن هناك دوافع للانشغال على أصعدة أخرى: حماية الحياة الشخصية، والإشهار المستهدف على الإنترنت، وحرّية التعبير وخوارزميات الرقابة، والصحافة الآليّة واحتكار الإعلام...

ورغم أن البحث الأساسي في هذا المجال أتى، إجمالا، بدافع توفير رفاهية العيش، تبقى الانحرافات غير المقصودة، والمقصودة أيضا، ممكنة. ولهذا السبب، يتحتم علينا التأكد من أن هذه التكنولوجيا تتطوّر حسب معايير أخلاقيّة مضبوطة بشكل صارم.

 

ماذا في مقدور اليونسكو أن تفعله في هذا المضمار؟

إذا أردنا أن يستفيد العالم بأسره، وعلى أحسن وجه، من الإمكانيات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، علينا أن نسهر على أن يكون في خدمة البشريّة، مع احترام حقوق الإنسان وكرامته.

إلا أنه لا يُوجد لحدّ الساعة أي إطار أخلاقي دُولي يعنى بجملة  تطوّرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.

تمثل اليونسكو المنتدى الكوني الوحيد الذي يحظى بتجربة تفوق العشرين سنة في إعداد الآليّات الدولية المُتعلّقة بأخلاقيات البيولوجيا وأخلاقيات العلوم والتكنولوجيا*. كما أن بإمكانها الإعتماد على جهازين استشاريّين يضمّان خبراء يعملون جاهدين على هذه المسائل: اللجنة العالمية لأخلاقيّات المعرفة العلمية والتكنولوجيا، واللجنة الدّولية لأخلاقيات البيولوجيا.

ومن مسؤوليتنا إدارة حوار كوني ومستنير – لا يكون حوارا تقنيّا وإنما أخلاقيّا بالمعنى الكامل – حتى نقتحم هذا العصر الجديد بأعين مفتوحة، دون أن نُضحّي بقِيمنا، وحتى نتيح، إن أرادت الدول الأعضاء ذلك، إمكانية التوصّل إلى أرضية مشتركة من المبادئ الأخلاقية.

 

روبوتات وأخلاقيات

من يصنع القرار؟

 

المزيد من المعلومات:

الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان (1997)

الإعلان الدولي بشأن البيانات الوراثية البشرية (2003)

الإعلان العالمي لأخلاقيات البيولوجيا وحقوق الإنسان (2005)

إعلان المبادئ الأخلاقية في علاقة بالتغيّرات المناخية (2017)

التوصية المُتعلّقة بالعلم والباحثين في العلوم (2017)