زاوية كبرى

روبوتات وبشر

cou_03-18_robots_01.jpg

مقيمون في دار المتقاعدين تسوكوي، في مدينة كاوازاكي باليابان يمارسون قليلا من الرياضة صحبة مدرّبهم الآلي بيبر.

حتى يتقلّد وكيل اصطناعي دورا اجتماعيا حقيقيا ويربط علاقة عاقلة مع كائن بشري، لا بد أن يكون مجهزا في وقت واحد بملامح نفسية وثقافية واجتماعية وعاطفية. إن الطرق المستعملة حاليا لتعلّم الآلات لا تسمح بمثل هذا التطوير. لن تكون روبوتات الغد سوى مساعدين متواضعين في خدمتنا، ليس إلّا.

 

بقلم فانيسا إيفرس

 

نعيش عصرا تقوم فيه الروبوتات بالأعمال المنزلية، ونقل الأشخاص ونزع فتيل القنابل، كما تُنجز الأعضاء الاصطناعية، وتُساعد الجرّاحين وتصنع منتجات مختلفة. الروبوتات تُسلّينا، وتُعلّمنا وتُفاجئنا. ومثلما تتجاوز عمليّة الربط الحالية للهواتف الذكية ووسائل الاتصال الاجتماعية حدود خيالنا السابق، يُتوقّع أن تكون لرُوبوتات الغد قدرات مادّية وللذكاء الاصطناعي مهارات معرفية ليس بإمكاننا تصوّرها اليوم، منها القدرة على حلّ مشاكل خطيرة مثل شيخوخة المجتمع، والتهديدات البيئيّة والصراعات العالمية.

كيف ستكون حياتنا في المستقبل القريب؟ سوف نعيش لمدة أطول دون شك، بما أن الأعضاء الواهنة في جسدنا سوف تُعوض بأجهزة اصطناعية، وبما أن العمليات الطبية التي تعتمد على تقنيات النانو ستتمكن من استهداف الأمراض والجينات، وبما أن السيارات ذاتية القيادة ستحدّ من حوادث المرور. وسوف تتغيّر وظائفنا جذريا: سيندثر بعضها وتُخلق أخرى، مثلا في مجال تطوير التطبيقات الخاصة بالمعدات الروبوتية في منازلنا.

كما أنه من المتوقع أن يتغير التعليم بصفة جذرية. فقد يصبح من الممكن تطوير حواسّنا وعقولنا بشكل اصطناعي، وتحسين قدرتنا على التفكير في الآفاق المتاحة، بفضل التحليل الآلي لكمّيات ضخمة من المعطيات :كل ذلك يتطلّب طرقا أخرى لمعالجة المعلومات في المدارس.

ولكن ماذا عن علاقاتنا البشرية؟ كيف ستتطوّر الطريقة التي نلتقي بها، ونعيش معا، ونُربّي أطفالنا؟ وإلى أي مدى سيقع في يوم ما الاندماج بين الروبوتات والبشر؟

يتساءل الكثير منا إن كان الذكاء الاصطناعي سيكون يوما ألمعيا وخبيرا في مجال التواصل البشري، لدرجة أنه لن يمكن بأي حال التفريق بين الكائن البشري وتوأمه الاصطناعي. وفي حال أصبح، يوما ما، من الممكن التواصل الطبيعي مع وكيل اصطناعي، والإحساس بمعاضدته لدرجة الاعتماد عليه وربط علاقة واعية ودائمة معه، فهل سيبقى هناك تمييز بين علاقاتنا في ما بيننا نحن البشر وعلاقاتنا مع التكنولوجيا؟ ولما تتطوّر أجسامنا وعقولنا بالذكاء الاصطناعي والروبوتيّة، ما عسى أن يكون معنى الإنسانية؟

 

حِيَل

من حيث الهندسة، ما زلنا بعيدين كل البعد عن مثل هذه التطورات. إذ يستوجب ذلك تخطّي عقبات كثيرة وعسيرة. أولى هذه العقبات تتعلّق بضرورة ربط معظم الروبوتات والحواسيب بمصادر الطاقة: وهو ما يُعقّد إدماج عناصر روبوتيّة في النسيج العضوي البشري. أما المعضلة الثانية فتتمثّل في تشعّب التواصل البشري. وإذا كان من الممكن تصوّر روبوت قادر على الحديث بلغة طبيعية في لحظة محدودة وفي وضعيّة خاصّة، فذلك لا يعني أنه سوف يصبح قادرا على التواصل بالكلام وبغير الكلام طيلة المحادثات وفي مختلف الوضعيّات.

إذا هاتفت وكيلا اصطناعيّا مسؤولا عن الأمتعة المفقودة في المطار مثلا، فمن الممكن  التحاور معه بصفة مُرضية: لأن موضوع المكالمة مضبوط، والتفاعل مُهيكل وأهداف الطلب محدودة. في المقابل، إذا أردت ربط علاقة وطيدة مع روبوت يمثل حيوانا أليفا، فإن إنتاج النموذج المطلوب مُعقّد أكثر بكثير. لأن الروبوت يتطلب أهدافا باطنيّة، وذاكرة ضخمة قادرة على ربط كل تجربة بمختلف الظروف والأشخاص، والأشياء، والحيوانات التي تعترضها، كما يجب أن يكون قادرا على تطوير مثل هذه الطاقات عبر الزمن.

بعض «الحِيَل» تسمح للروبوت أن يظهر أذكى وأقدر ممّا هو في الواقع: مثلا إذا تم إدراج  بعض التصرّفات بوتيرة عشوائية في برمجته، تجعل الروبوت الذي يقوم مقام الحيوان الأليف أكثر إمتاعا وأطول دواما. أضف إلى ذلك أننا، معشر البشر، نميل إلى تأويل سلوك الروبوت وكأنه سلوك بشري، وبالمناسبة نحن نتصرف بالمثل مع الحيوانات. لكن، ولكي نربط معه علاقة معقولة وقادرة على أن تزداد كثافة وأن تتطوّر مع مرّ الزمن في الظرف المُتنوّع للحياة اليومية، على غرار سلوك البشر فيما بينهم، يجب منح الروبوت حياة باطنية ثريّة.

 

كيف تتعلّم الآلات؟

تكمن الصعوبة في خلق هذه الحياة الباطنية الاصطناعية في طريقة تعلّم الآلات.

و يرتكز تعلّم الآلة على الإقتداء بالأمثلة. يتم تدعيم الحاسوب بأمثلة عن الظاهرة التي نرغب أن يستوعبها، مثل الرفاهية عند الإنسان. وحتى نُعلّم الآلة كيف تتعرّف على حالة الرفاهيّة، نُوفّر لها معطيات شخصية مرتبطة بهذه الظاهرة: صورا، وأشرطة فيديو، وتسجيلات صوتية لعبارات معينة، ودقات القلب، ورسائل نُشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، وأصناف أخرى من العيّنات. وعند تسجيل  مشهد من مشاهد الشريط في الحاسوب، تُنسَب له علامة تُبيّن ما إذا كان الشخص الذي يظهر في الشريط في وضع مُريح أم لا – هذا التصنيف يُمكن إنجازه من قبل خبراء في علم النفس أو في الثقافة المحلّية.

بعد ذلك وبفضل هذا التعلّم، يتمكن الحاسوب من «التفكير» انطلاقا من هذه الأشرطة المُصنّفة، وتحديد أهمّ السمات المُرتبطة بالرفاهيّة: هيئة الجسم، نغمة الصوت، احمرار البشرة. ولما تنتهي الألة من تحديد تلك السمات، يكون الخوارزمي القادر على التعرف عليها في الشريط جاهزا، فنمر إلى تمرين الآلة وتحسين أدائها عند تزويدها بمجموعات أخرى من المشاهد. في نهاية العملية، يُصبح الخوارزمي مؤهلا، والحاسوب المُجهّز بكاميرا قادرا على أن يُفرّق بدقّة بين شخص في حالة رفاهيّة وآخر مختلف. وطبعا، الحاسوب ليس موثوقا بنسبة 100٪، وسيقوم حتما ببعض الأخطاء في تقييمه.

الآن، وقد عرفنا كيف تتعلّم الآلة، ما المانع من خلق حياة باطنية مُقنعة تسمح لوكيل اصطناعي بالاندماج في المجتمع الإنساني بشكل مُلائم؟

 

ذات اصطناعية مُعقّدة

حتى يكون الوكيل الإصطناعي قادرا على ربط علاقة دائمة فعليّا مع شخص ما، لا بد أن تكون له شخصيّة وسلوك مُقنع، ويكون قادرا على فهم الشخص والوضع الذي يتواجدان فيه، وتاريخ تواصلهما. ويجب بالخصوص أن يكون قادرا على الاستمرار في هذا التواصل في مواضيع شتى وفي حالات مُتنوّعة. ومن الممكن خلق وكيل مُقنع، على غرار برمجيّات ألكسا لأمازون أو سيري لآبل، يتسنّى لنا التخاطب معه بلغة طبيعية والتفاعل معه بالمنطق في الإطار المُحدّد لاستعماله: تعديل مُنبّه السّاعة، وضع قائمة، طلب منتوجات، التخفيض في درجة التدفئة.

لكن التواصل يتوقّف فور الخروج من هذا السياق. سوف يجد الروبوت أجوبة مقبولة لمجموعة واسعة من الأسئلة، إلا أنه لن يقدر على مواصلة التحاور لمدّة ساعة في موضوع مُعقّد. وعلى سبيل المثال، يمكن للوالدين أن يتَحاورا مُطوّلا لاتّخاذ القرار المناسب بخصوص طفل غير مُنتبه في المدرسة. سوف يكون هذا الحوار ثريّا جدّا، وسوف يُعبّر الوالدان خلاله، لا عن تفهّمهما للطفل فحسب، بل وأيضا عن كل ما تتّسم به شخصيّتهما: مشاعر، نفسيّة، مسار شخصي، إطار اجتماعي واقتصادي، مخزون ثقافي، مخزون جيني، سلوك معتاد وطريقة فهم العالم.

وإذا أردنا أن يتقمّص وكيل اصطناعي دورا اجتماعيا واسعا بهذا القدر، وأن يربط علاقة معقولة مع كائن بشري، يجب أن نمنحه ذاتا اصطناعية، مبنيّة في نفس الوقت على النواحي النفسية، والثقافية، والاجتماعية، والعاطفية. كما يجب أن نجعله قادرا، مع مرور الزمن، على تعلّم «الإحساس» والاستجابة للحالات انطلاقا من بنيته الباطنية الإصطناعية .

ويتطلّب ذلك نهجا مختلفا جوهريّا عن تعلّم الآلة الذي نعرفه حاليا. المطلوب هو بناء نظام ذكيّ بشكل اصطناعي، قابل للتطوير على غرار العقل البشري تقريبا، وقادر على تخزين التجارب البشرية بكل ثرائها، والتعامل معها منطقيّا. إن طريقة التواصل بين الناس التي تقودهم إلى فهم العالم الذي يُحيط بهم، هي عمليّة يصعب جدّا تلخيصها. إن نماذج الذكاء الاصطناعي المُتوفّرة أو المُقترحة، مُستوحاة من الدماغ البشري أو من جزء من وظائفه، لكنها لا تُمثّل نموذجا معقولا للدماغ البشري.

ونحن نشاهد كل ما يُسجّله الذكاء الاصطناعي من نجاحات مُذهلة. فهو يتصفح الإنترنت بالكامل، وينتصر في لعبة الجو، ويقود معملا مُسيّرا كليا بصفة آلية. لكنّنا، كما كان حال عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكنغ (1942-2018) الذي كان يشعر بأنه لا يزال بعيدا كل البعد عن فهم الكون، ما زلنا بعيدين كل البعد عن فهم الذكاء البشري.

 

المسافة  لا زالت طويلة

وبفضل طاقاتها الاستثنائية، سوف تتمكن الروبوتات وأنظمة الذكاء الإصطناعي من تيسير وتحسين قراراتنا وفهمنا للأوضاع وأسَاليبنا في التعامل. وسوف تكون الروبوتات قادرة على التخفيف من أعباء العمل وعلى التنفيذ الآلي للوظائف. وعندما يتمّ تجاوز العقبات، قد تُدمج الروبوتية مادّيا في جسم الإنسان. وقد نربط مع وكلاء اصطناعيين علاقات مُشابهة لتلك التي تربط بيننا: سيتسنّى لنا التواصل معهم بلغة طبيعية، وملاحظة تصرّفاتهم، وفهم مقاصدهم. ولكن، طالما لم نمنح الذكاء الاصطناعي الحياة الباطنية الملائمة، لا مجال لإيجاد علاقة منطقية مع الروبوتات شبيهة بالعلاقة بين البشر، بما تتضمنه من حوارات وطقوس وقابلية للتعمّق والتطوّر بمرور الوقت، في إطار حياة يومية زاخرة بالأحداث.

وما دامت قدرتنا تقتصر على الاستنساخ  أو التغلّب على بعض الوظائف، ولا تستطيع خلق تلك الشمولية التي يتّسم بها الذكاء البشري في سياق الحياة اليومية، فإن الأمل ضعيف في أن يتحقق الاندماج الكامل بين الإنسان والآلة.

 

 

فانيسا إيفرس

مختصة في تطوير الحلول الروبوتية، فانيسا إيفرس (هولندا)، أستاذة في الإعلامية ضمن فريق هيومن ميديا إنترأكشن (تفاعل الوسائط البشرية) في جامعة توينت، والمديرة العلمية لمخبر ديزاين-لاب. صدر لها حوالي 200 مقال بمراجعة من زملائها، وهي رئيسة تحرير انترناشيونال جورنال أف سوشيال روبوتيكس ومُحرّرة مُشاركة في جورنال أف هيومن-روبوت إنترأكشن.