زاوية كبرى

من أجل الأفضل، لا غير. لِمَ لا؟

cou_03-18_intro_01.jpg

مشهد من النصب السمعي البصري الذكاء الاصطناعي الشاعري الذي يدوم 17 دقيقة، تمّ تصميمه بالكامل من حيث الشكل، والإخراج والموسيقى من قبل خوارزمي. أُنجز في استوديو «ووشههه» للابتكار الرقمي الذي يعد مكاتب في كل من اسطنبول ولوس أنجلس ولندن.

يُكرّس كارل شرودر وقته للقراءة، والدراسة، والتأمّل وتصوّر قصص مستقبلية. هو كاتب في الخيال العلمي ذاع صيته عالميا، يستوحي من مؤلفاته خبراءُ التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي. كما يضع خياله في خدمة المؤسسات والحكومات لاستباق تحوّلها التكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي. بالنسبة لهذا الروائي والكاتب الكندي، يندرج الذكاء الاصطناعي ضمن ثورة ثقافية أكثر منه ضمن ثورة تكنولوجية، ممّا يقتضي تفكيرا في المسائل المتصلة بالأخلاقيات، والحوكمة والتشريع.  

 

كارل شرودر يُجيب عن أسئلة ماري-كريستين بينو-ديمولان (اليونسكو)

 

علاوة عن ولَعك بالإبتكارات الرقمية والتكنولوجية، ما هي مصادر إلهامك؟

أكرّس جزءا هامّا جدا من وقتي لقراءة مؤلفات كبار الفلاسفة. وهذا من شأنه أن يوفر لي نظرة شاملة ويتيح لي تصوّر الصلات الممكنة بين التكنولوجيا والتحرّكات الإجتماعية. وحتى تطمئني، أؤكد لك أنني أخصص نفس القدر من العناية لعرض الأحداث حتى تكون مؤلفاتي مُسلّية.

كما أن الإنترنت يمثّل مصدرا لا نهاية له للمعلومات والتسلية. وكل إبحار في الشبكة هو فرصة لاكتشافات جديدة قد تحثني على إعادة التفكير أو حتى على التغيير الجذري لكل ما انتهيت من كتابته. إن الإنترنت يسهّل عليّ حقا البحث، ولا أحتفظ إلّا على أفضل ما يحتويه.

 

هل ترى أن الذكاء الإصطناعي قد يحلّ يوما محلّك كمؤلف؟

لحد الآن، أعتبر أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في مجالي هي أقرب للوظيفة العشوائية، تُشبه لعبة الورق التي لا تنتهي، حيث تُمثّل كل ورقة شخصية أو مشهدا، الخ. مثلا، قد تقوم ورقة من هذه اللعبة بدور «ملك الأشرار الذي يقيم في برج»، ومن هنا، يُمكن لي صياغة شخصية وحبك تسلسل الأحداث.

أعتقد أن الإبداع سوف ينبثق، يوم ما، من خارج الإنسان. هذا من باب الممكن. ولا أستغرب إذن أن يُصبح الذكاء الإصطناعي قادرا على تأليف كتاب قيّم، ولكن ليس في الشكل الحالي المألوف للكتب. سوف تتولى القيام بذلك أصناف أخرى من الآلات لم يتمّ التفكير فيها بعد. إن الحواسيب الحالية لا تُنتج المعاني، وتدخّل الإنسان لا يزال ضروريا في العملية الابداعية، حتى وإن تبلورت النظم التكنولوجية واقتربت من المهارات البشرية.

في مشهد من روايتي «ليدي أوف مايزس» (2005)، يختلّ الذكاء الإصطناعي ويبتكر ما يشبه قنبلة خلّاقة تقوم بنشر روايات ذات قيمة استثنائية، بكمّيات خياليّة، لحد أنه يستحيل قراءة جميعها ولو في غضون مجموع أعمار البشرية! وماذا عسى أن يكون رد فعل البشر أمام هذا الحدث؟ لا شيء سوى التأقلم معه ومواصلة ابداعاتهم.

لنتخيّل انفجار هذه القنبلة الخلّاقة في يومنا هذا. لأي سبب يمنعني ذلك من مواصلة تأليف كتب جديدة؟ لماذا يجب أن أضع نفسي «أنا ضد مليون كتاب» بدل من «أنا مع مليون كتاب»؟ أنا أعتبر الإبداع، مهما كان مصدره، إضافة في وجودنا وليس طرحا منه.

في الحقيقة، إن مفهوم التعويض ملتصق بمفهوم القيمة. من الممكن اعتبار كل شيء قابلا للتعويض، وفقا لقيمة مُعيّنة. وباعتِباري كاتبا، قد يحصل يوما أن يتم تعويضي بحاسوب يُحقّق نجاحا تجاريا أكثر منّي. لكن هذا المنطق لا يستوي إلا في حال تحقيق النجاح التجاري ضمن منظومة القيمة.

 

ليس لديك، إذن، أية خشية من الذكاء الاصطناعي؟

إن تحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي تهديدا أم نفعا يعود حصرا لمسؤولية الإنسان. انتشرت الكثير من الأفكار الضيقة حول الذكاء الإصطناعي، وحول نظام تشغيله ومخاطره المحتملة بالنسبة للبشرية. بل ويمكن حتى الحديث عن مزايدات مُثيرة للقلق حول فقدان السيطرة على الآلة. وفي المرحلة التي نمرّ بها اليوم، هذا التفكير غير سليم.

في المقابل، لا بد من اختيار الاتجاه الذي يجب أن يتبعه الذكاء الاصطناعي وتحديد استعماله. وإذا ما قررنا الاستثمار في الآلات العملاقة لشن الحروب الاقتصادية أوالسياسية، نكون قد سلكنا، دون شك، طريقا مُؤدّية إلى محيط عدائي. وعلى المجتمع أن يتّخذ القرارات الصالحة عند تطبيق الذكاء الإصطِناعي.

وإن حلّ يوم تصبح فيه منتجات الذكاء الاصطناعي مُستقلّة عن إرادتنا، فسوف تكون مثل الأبناء الذين يُغادرون والديهم، ليعيشوا حياتهم! إن مسؤوليتنا كأولياء تكمن في حسن تربيتهم وفي تعليمهم القيم الإيجابية. تلك هي حجرة الزاوية عند التفكير في الموضوع.

 

ألا يلتقي ذلك مع إشكالية الأخلاقيات؟

بالتأكيد، لقد بدأ الخيال العلمي في التفكير في ذلك منذ قرن! في حين لم يُفكّر فيه أصحاب القرار السياسي والمجتمع إلّا الآن. ونظرا لغياب الاهتمام الجدّي بالموضوع،  كلّما نشأ ابتكار تكنولوجي هام إلا وشعرنا بأنه خارج عن سيطرتنا. رغم أن الحلّ بسيط: يجب ألا نُقرّر تطبيق أي ابتكار تكنولوجي إلّا بعد التحقق من تأثيره على المجتمع، والتحكيم في استعماله، وضبط التشريعات المناسبة.

لقد تناولت هذا الرهان في« ليدي أوف مايزس» وجعلت منه أحد مقاصد الرواية حيث دعوت إلى التخطيط لتطبيق كل ابتكار تكنولوجي لاستباق التغيّرات المجتمعية.

 

ما هي الرسالة التي ستوجّهها في كتابك القادم؟

سوف أتطرّق دون شك لمستقبل السياسة وطريقة اتخاذ القرار، وكذلك للوسائل التكنولوجية التي قد تقودنا إلى مستوى حضاري آخر.

قررت الكتابة بالقلم، وفي ذلك إشارة مازحة! سوف يكون استعمال القلم تجربة مثيلة بسائر ما توفره الوسائل الرقمية. يجب التمييز بين الكتابة ووسيلة الكتابة. إن التكنولوجيا ليست سوى وسيلة ولا بد من إعادتها إلى وضعها الصحيح. لا شيء فينا ولا في ما نُريد أن نكون، يستلزم أن نتخلى عنه، علينا فقط أن نستعدّ جماعيّا.

 

كارل شرودر

روائي في مجال الخيال العلمي، كارل شرودر (كندا) كاتب وأخصّائي في المستقبليات. من مؤلفاته بالخصوص «فانتوس» (2000)، «برمانانس» (2002)، «ليدي أوف مايزس» (2005)، «كريزيس إين زفرا» (2005)، و« لوكستاب» (2014)، تُرجمت أغلبها إلى حوالي عشر لغات. وتسلم جائزة نت إكسبلو تالنت في فبراير 2018 في مقر اليونسكو.