زاوية كبرى

التصدي لاحتكار البحث

cou_03-18_recherche_01.jpg

يوشوا بنجيو: «علينا أن نشجع المزيد من التنوع في عالم الاقتصاد المرتبط بالذكاء الاصطناعي وتجنب الأوضاع الاحتكارية.»

يرى يوشوا بنجيو، الذي يعد من رواد التعلّم العميق على الصعيد العالمي، أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله الأولى، إذ أن «مستوى تفكيره سطحي للغاية، ولا يعادل حتى مستوى تفكير الضفادع». غير أنه يثير بالفعل مشاكل خطيرة تتعلق بالاحتكار والتوزيع غير العادل، لا يمكن حلّها إلا على نطاق عالمي. لذا فنحن في حاجة ماسة لتنسيق دولي لتطوير الذكاء الاصطناعي.

 

يوشوا بنجيو يجيب على أسئلة ياسمينا شوبوفا

 

نشهد منذ حوالي خمس سنوات، أن بعض عمالقة المعلوماتية تعير اهتماما متحمسا للبحوث العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وتستثمر مبالغ طائلة في هذا القطاع. كيف تُفسر هذه الظاهرة؟

إن الجواب على هذا السؤال بسيط جدا. لقد وصلت العلوم إلى درجة من التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، تجعلها مفيدة جدّا للشركات. إن تراكم البيانات الضخمة والقدرة الحاسوبية المتزايدة يسهّل تطوير منتجات الذكاء الاصطناعي، وسوف تدر تلك المنتجات في المستقبل  أرباحا أوفر .

في الوقت الحالي، لما نقوم ببحث على صفحات الإنترنت، تشد انتباهنا باستمرار إعلانات ذات أهداف محدّدة - وتشكل هذه الإعلانات مورد رزق الشركات مثل فيسبوك وأمازون ويوتوب، إلخ. لحد الآن، تمثل منتجات الذكاء الاصطناعي نسبة ضئيلة من السوق، لكن المختصين في الاقتصاد يتوقعون أنه في غضون عقد من الزمن، سوف تصل إلى 15٪ من إجمالي إنتاج السلع. وهي نسبة هائلة.

وبالتالي، سوف يتيح الذكاء الاصطناعي لهذه الشركات تنمية مبيعاتها وثرواتها وكذلك قدرتها على الزيادة في أجور الباحثين الذين توظفهم. وبقدر ما تتوسّع قاعدة زبائنها، بقدر ما تزداد كمية البيانات التي بإمكانها الولوج إليها - وهذه البيانات تعد كنزا بما أنه يجعل النظام أكثر فعالية.

وهذا من شأنه أن يولد حلقة مثمرة لهذه الشركات، لكنه من ناحية أخرى سوف يضر بالمجتمع. إن مثل هذا النموذج من تركيز السلطة قد يؤثر سلبيا على الديمقراطية والاقتصاد في آن واحد. ذلك أنه  يدعم الشركات الكبرى ويضعف من قدرة الشركات الناشئة على التموقع في السوق حتى لو كانت تقدم منتجات أفضل.

علينا أن نشجع المزيد من التنوع في عالم الاقتصاد المرتبط بالذكاء الاصطناعي وتجنب الأوضاع  الاحتكارية.

 

لكن الاحتكار بدأ ينتصب  بالفعل. كيف يمكن معالجته؟

من خلال قوانين مكافحة الاحتكار. لقد علّمنا التاريخ أن هذه القوانين يمكن أن تكون فعالة ضد بعض الشركات التي أفرطت في استعمال السلطة. فلنتذكر شركة ستاندارد أويل بالولايات المتحدة التي اشترت منافسيها لاحتكار سوق النفط، أو هوليوود التي امتلكت حتى منتصف القرن العشرين 70٪ من دور السينما، وفرضت قانونها على توزيع الأفلام. وقد ساهمت العقوبات التي سلطت على هذه الشركات وبعض الشركات الأخرى في إعادة التوازن إلى الأسواق.

أعتقد أن استخدام القواعد المناسبة لحوكمة الإعلانات يمكن أن يساهم بشكل كبير في الحيلولة دون احتكار البحث في مجال الذكاء الاصطناعي. فنحن جميعا، بطريقة أو بأخرى، سجناء الحملات الإعلانية، وكثيرا ما ننسى أنه بإمكاننا اتخاذ قرار جماعي لتقنِينها، بحيث لا تكون مضرة بالمجتمع.

وعلاوة على ذلك، فإن الخدمات التي تقدمها الشركات الخاصة الكبيرة مثل غوغل أو فيسبوك يمكن أن يوفرها القطاع العمومي، على غرار التلفزيون الذي يقدم خدمة مماثلة.

 

أنت قررت عدم العمل في القطاع الخاص، أليس كذلك؟

نعم، أريد أن أبقى محايدا. إن الهدف من مشروعي هو جعل العلم في متناول الجميع، وليس فقط لعدد قليل من المساهمين. المهم بالنسبة لي هو أن يتطور البحث في اتجاه التطبيقات الأكثر فائدة للبشرية وليس بالضرورة المدرة لأربَاح أكبر للاقتصاد.

مع ذلك، حاولت إنشاء نظام إيكولوجي مشترك ومفيد للبحث والصناعة بجامعة مونتريال التي أعمل بها. واستقرت العديد من مخابر البحث الخاصة التي تتعامل معنا، بعاصمة كيبيك. ويتم توظيف الباحثين من قطاع الصناعة كأساتذة مساعدين في الجامعة، وهم يساهمون في تكوين الطلاب. وتقدم الشركات الدعم للجامعات تاركة لها الحرية التامة في اختيار مجالات الأبحاث التي سوف تطورها.

 

ما هي نسبة الباحثين الذين يشتغلون في المجال الأكاديمي اليوم؟

اعتمادا على عدد الأشخاص الذين ألتقي بهم في المؤتمرات الدولية الكبرى، أعتقد أنهم يمثلون حوالي النصف. قبل خمس سنوات، كان تقريبا مجمل الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يعملون في المجال الأكاديمي.

 

تقوم الشركات الخاصة بتوظيف المواهب من جميع أنحاء العالم. هل يساهم هذا في هجرة الأدمغة من البلدان الأقل تقدما؟

هذا أمر لا مناص منه. ولذلك لا بد من التفكير جماعيا حول سبل استفادة أفقر البلدان من أحدث نتائج الأبحاث، بل وأيضًا حول سبل إنشاء مراكز أبحاث داخل جامعاتها. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، تقدم عدة مؤسسات أكاديمية - وعددها في تزايد مستمر - دورات للتكوين في مجال الذكاء الاصطناعي، كما تنظم جامعات صيفية برهنت على نجاعتها.

بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد كبير من الدروس والدورات التعليمية والقوانين المتاحة مجانًا على الخط. تعرفت على العديد من الشبان الذين تكونوا عن طريق الإنترنت. و يجب علينا إذا أن نبحث عن أفضل الطرق لمساعدتهم في التدريب بمفردهم.

 

تستثمر بعض البلدان بشكل كبير في البحث في مجال الذكاء الاصطناعي، وبالخصوص كندا.

بالتأكيد. لقد قررت كندا تمويل ليس فقط البحوث الأساسية وبعث الشركات الناشئة، بل وأيضا الاستثمار في التفكير الجماعي وفي البحث في مجال العلوم الإنسانية، لدعم القدرة على تقييم تأثير الذكاء الاصطناعي في المجتمع.

بمبادرة من جامعة مونتريال، تم فتح نقاش في 3 نوفمبر 2017، لصياغة إعلان مونتريال لتنمية مسؤولة للذكاء الإصطناعي. وتهدف هذه المبادرة أساسا إلى وضع توجيهات أخلاقية في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني. وفي المرحلة الأولى من هذه العملية طويلة الأمد، التي تدعو عامة الناس إلى النقاش مع الخبراء وصانعي السياسات، تم تحديد سبع قيم: الرفاهية،  والاستقلالية، والعدالة، والحياة الخاصة، والمعرفة، والديمقراطية والمسؤولية.

 

إلى أين  وصل التفكير في هذه المسائل على الصعيد العالمي؟

على حد علمي، لا توجد معاهدة دولية تنظم البحث في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم أن الأمر يتعلق برهانات دولية. بدون تنسيق دولي، لن نكون قادرين على التقدم في الاتجاه الصحيح.

وينبغي، قبل كل شيء، تحسيس عامة الناس وصانعي السياسات بالرهانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. في بعض أنحاء العالم، وجه الباحثون تحذيرات بخصوص المشاكل الرئيسية، تفاعلت معها وسائل الإعلام وعامة الجمهور. وتلك هي الخطوات الأولى التي من شأنها أن تقودنا نحو حوار سياسي أوسع، على الصعيد العالمي، يتناول المشاكل التي يطرحها هذا المجال، بما في ذلك الأخلاق والبيئة والأمن.

 

يوشوا بينجيو

باحث وأستاذ بجامعة مونتريال، يوشوا بينجيو (كندا) هو أستاذ بقسم الإعلامية والبحوث العملية، ومدير معهد الذكاء الاصطناعي في كيبيك، ومدير مشارك في برنامج تعلم الآلات والأدمغة بالمعهد الكندي للبحوث المتقدمة، وحاصل على كرسي البحث الكندي في خوارزميات التعلّم الإحصائي. تم ذكر نتائج أبحاثه أكثر من 80.000 مرة (بيانات بتاريخ سبتمبر 2017). وصل يوشوا بنجيو إلى كيبيك سنة 1977 وهو في الثانية عشرة من عمره، مع والديه أصيلي المغرب، بعد قضاء فترة  في باريس. وهو حامل لوسام كندا وعضو في الجمعية الملكية لكندا.