بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

الثورة الرابعة

cou_03-18_big_data_01.jpg

انعكاس، تركيبة من ابتكار الفنانة البرازيلية راكال كوغان: أرقام تنبعث آليّا من حاسوب وتُعرض في قاعة مُظلمة، فتختلط أجسام المُشاهدين بالأرقام المعروضة.

بعد أن أطلقت شبكة الإنترنت وأجهزة الإنترنت المحمولة الثورة الصناعية الثالثة، تقوم تقنيات الذكاء الإصطناعي، مقترنة بالبيانات الضخمة، بالتهيئة لانطلاق ثورة صناعية رابعة من المحتمل أن تغيّر التوازنات على الصعيد العالمي.

 

يانغ كيانغ يجيب على أسئلة وانغ تشاو

 

كيف تمّ التقارب بين الذكاء الإصطناعي والبيانات الضخمة؟

بدأ هذا التقارب في أوائل العقد الأول من القرن الحالي. حين استخدم كل من غوغل وبايدو - وهي محركات البحث الناشئة في ذلك الوقت - الذكاء الإصطناعي لإنجاز أنظمة التّوصية الشخصية في مجال الإعلانات الإشهارية، أدركوا أن النتائج كانت أفضل بكثير مما كانوا يتوقّعون. وكلما زاد حجم البيانات التي يتم جمعها حول كل مستخدم، كلما كانت النتائج أفضل. لكن في ذلك الوقت، لم يكن أحد يدرك أنه يمكن تطبيق هذا التطور في مجالات أخرى.

حدثت نقطة تحوّل حقيقية مع ظهور إيمدج نت، وهي أكبر قاعدة بيانات للتعرّف على الصور في العالم. كانت هذه القاعدة التي قام بتصميمها مختصون في الإعلامية من جامعة ستانفورد وبرينستون في الولايات المتحدة، نقطة انطلاق ثورة التعلّم العميق (ديب لارنغ)، ذلك أن الكميات الضخمة من المعطيات البصرية التي جمعتها إيمدج نت أفضت إلى تقليص الأخطاء في التعرف على مضمون الصور بـنسبة 10٪. وقد بين ذلك أن التقارب بين التعلم العميق والبيانات الضخمة يتيح التحكم في العمليات الحسابية المعقدة للغاية.

 

كيف تحدّد العلاقة بين التعلّم العميق والبيانات الضخمة؟

هي علاقة تدعيم متبادل. إذا تّم تصميم نظام الذكاء الإصطناعي بشكل محكم، فسوف يكون أكثر ملاءمة للاستخدام وأكثر دقة وبالتالي أكثر فائدة. وسوف يؤدي إلى ارتفاع عدد المستخدمين، وبالتالي إلى المزيد من البيانات التي تحسن بدورها نظام الذكاء الاصطناعي.

ومع دمج البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، يمكن بعث نوع جديد من الذكاء الاصطناعي يمكن تسميته بـ«البيانات الذكيّة».

 

كيف يمكن للمؤسسات أن تتكّيف مع هذه المعطيات الجديدة؟

في البداية وقبل الانطلاق في العمل مهما كانت نوعيته، يجب التفكير في الطريقة المتوخاة لتجميع البيانات. ولا بد من تحديد الاحتياجات وفقا للخوارزميات، وتجميع البيانات - من مصادر مختلفة - في اتجاه هدف معيّن. يجب أن تكون الخدمات التي يوفرها نظام البرمجة قادرة على التأثير على المصدر حتى ينتج المزيد من البيانات  وحتى تغذي هذه البيانات بدورها، نظام البرمجة، في «حلقة مغلقة». وبذلك، تُخلق عملية مستمرة لتحسين النظام وتعديله ذاتيا. إن مثل هذه «الحلقة المغلقة» هي منظومة مختلفة تماما عن المنظومة المعمول بها إلى حد الآن في النشاط الاقتصادي.

 

هل لك أن توضح أكثر مفهوم «الحلقة المغلقة»؟

أول شيء يجب مراعاته هو مصدر البيانات - على سبيل المثال، المستخدمون. يجب تسجيل جميع سلوكيات المستخدمين في شكل بيانات. ثم يجب الأخذ بعين الاعتبار مزودي الخدمات، مثل وي تشات باي، أو محفظة النقود الجوالة الصينية، أو تاو باو وهو موقع التجارة الإلكترونية الصيني. وتعتمد ردة الفعل الذكية على تلك البيانات لفهم احتياجات المستخدمين الذين يقومون، عند الاستخدام، بتوفير بيانات أخرى لمزود الخدمات الذي يقوم بدوره بتوفير بيانات للمستخدمين. بحيث يشكل هذا النظام «حلقة مغلقة».

وحتى تكون الحلقة سريعة، لا بد من تشغيلها آليا بالكامل، وتكرير تحيين البيانات عدة مرّات في اليوم، حتى يكون النظام محيّنا بصفة مستمرّة. وهذا من شأنه أن يحث المستخدمين على رد الفعل بصفة دائمة من خلال إرسال المعلومات. باختصار، يجب أن تكون العملية وجيزة، ومستمرة، وسريعة.

 

في رأيك، كم من وقت سيستغرق إنجاز هذه الحلقة المغلقة؟

أعتقد أن تطوير الذكاء الإصطناعي سوف يتم في مرحلتين. في مرحلة أولى، سوف تحاول جميع القطاعات استخدام تلك التكنولوجيا. على سبيل المثال، ستستخدم مصالح الأمن والحماية تقنيّة التعرّف على الوجه، وسوف يستخدم القطاع البنكي الذكاء الاصطناعي للسيطرة على المخاطر، وهلمّ جرا. إنها تقنيات وحلول فريدة من نوعها في تلبية احتياجات القطاعات الموجودة حاليا.

أمّا المرحلة الثانية، فسوف تشهد بروز قطاعات صناعية غير مسبوقة يتمركز الذكاء الإصطناعي في جوهرها. فمثلا، إذا استخدمت مؤسسة بنكية الذكاء الإصطناعي كتكنولوجيا أساسية، فقد تترك له المجال بالكامل للتصرف في الاستثمارات والخدمات والاقتراض. ولن يتبقى لموظفي البنك إلا إجراء تعديلات صغيرة. كما انّه قد يصبح من الممكن إبتكار نظم من نوع جديد لخدمة الزبائن.

في اعتقادي، في المرحلة الثانية، سوف يُحدث الذكاء الاصطناعي تغييرا عميقا في المجتمع البشري وسوف يمنحه شكله المستقبلي. تماماً كما حدث حين ظهر الإنترنت: في البداية، قامت مكتبة تقليدية بإنجاز صفحة ويب وخالت نفسها مكتبة على الخط. ولم تظهر مواقع الإنترنت على غرار أمازون إلّا لاحقا.

 

قد يؤدي التأليف بين البيانات الضخمة والذكاء الإصطناعي إلى تهديد الحياة الخاصة والعدالة الاجتماعية.

سوف يولّد التأليف بين البيانات الضخمة والذكاء الإصطناعي نماذج اقتصادية جديدة ناجعة. لكن وضع هذه النماذج حيز التنفيذ على صعيد واسع مشروط بضمان احترام الحياة الخاصة للمستخدمين. وفي هذا الصدد، هناك ثلاث مشاكل لا بد من حلّها:

أولا، لا بد من سنّ القواعد الاجتماعية والقانونية التي تحمي ملكية البيانات وتبين بصفة واضحة متى يمكن أو لا يمكن استخدامها. يجب تصنيف بيانات المستخدمين في أبواب مختلفة: باب أحمر بالنسبة للبيانات المحمية بالكامل، وأصفر للبيانات التي يمكن النفوذ إليها بصفة محدودة، وأخضر للتي هي حرة الإقتناء. لم يحصل لحد الآن أي توافق حول تصنيف البيانات. علاوة على أنه لا يوجد أي قانون يحدد الشخص المسؤول والعقوبات التي يتعرض لها في حال انتهاك القانون.

ثانيا، من الضروري حماية سرية البيانات من الناحية التقنية. على سبيل المثال، تقوم حاليا 4باراديغم (وهي شركة تزويد خدمات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، مقرها بيجين) بدراسة استخدام تعلّم هجرة البيانات بهدف حماية الحياة الخاصة، وهو ميدان جديد نسبياً. إذا ابتكرت مثلا مؤسسة «أ» نموذجا، ويتم نقل النموذج إلى مؤسسة «ب»، فلا داعي من تبادل البيانات بين «أ» و«ب»، بل يكفي إدماج المعطيات صلب النموذج المنقول، ومن ثم ضمان حمايتها.

وأخيرا، لا بد من إجراء المزيد من الأبحاث حول العلاقة بين الحياة الشخصية للمستخدمين وتسعير البيانات. على سبيل المثال، عندما ينقر المستخدمون على إعلان معروض على الإنترنت من قبل  نظام محكوم بالذكاء الاصطناعي، هل يجب أن تعود نسبة من الأرباح إلى هذا النظام؟ وإذا حصل محرك بحث على عائد مالي، فهل ينبغي توزيع جزء منه على المستخدمين؟ يجدر التساؤل حول هذه القضايا.

في السنوات المقبلة، سوف يدرك الجميع أهمية الذكاء الاصطناعي. ولا بد أن نكون على يقظة والانتباه للشكل الذي سيكون عليه ومجالات تطبيقه. حاليا، المجالات الأكثر قابلية للذكاء الاصطناعي هي المالية، والإنترنت والسيارات ذاتية القيادة.

 

ما عسى أن يكون مفعول التأليف بين البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في الدول النامية؟

في نظري، سوف يمكّن عددا من البلدان النامية الأكثر تقدما من الإلتحاق بالبلدان المتقدمة، بل وحتى تجاوزها، لأن التنافس الاقتصادي سوف يعتمد بالأساس على كمية البيانات وقيمتها. وقد سمح، مثلا، التطور السريع لشبكة الإنترنت والإنترنت الجوال الصيني بتجميع كميات هائلة من المعطيات. وهذا من شأنه أن يسرّع تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين، وقد يتأتى عن ذلك تغيير ملامح العالم.

ومن ناحية أخرى، إذا توفر لبلد ما بنية تحتية ونظام تربوي بجودة عالية، فسوف يكون قادرا على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحسين نجاعة انتاجيته. تماما مثلما سمح استخدام المحرك البخاري لعدد من البلدان بالتطوّر بسرعة أكبر من غيرهم خلال الثورة الصناعية.

الصورة: راكيل كوغان

 

يانغ كيانغ

خبير دولي رائد في مجال الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات. يانغ كيانغ (الصين) هو أول صيني يترأس المؤتمرات الدولية المشتركة المعنية بالذكاء الاصطناعي، وهو عضو في جمعية النهوض بالذكاء الاصطناعي، ومدير قسم الإعلامية والهندسة في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا. شارك في تأسيس 4باراديغم حيث يتولى مهام علمية.

 

وانغ تشاو

صحفي صيني ورئيس فريق في أستديو الذكاء الاصطناعي في قناة نت إيز نيوز التي تقوم بتغطية أهم الأحداث في قطاع الذكاء الاصطناعي.