أفكار

الرقص للتعبير عن المنكر أو مسألة تأثير ذاكرة العبودية على الإبداع الفني المعاصر

cou_03_18_foix_01.jpg

مشهد من «ريفلايشن»، عرض للراقص والمخرج الأفريقي-الأمريكي ألفين آيلي
يلقي الفنان ألان فوا نظرة الفيلسوف حول مسألة العلاقات بين التاريخ والذاكرة والإبداع الفني. بفضل الفن، الفنان غير مقيّد بلون بشرته ولا مُجبر على الرقص على الدّوام على أنغام تاريخ شنيع. وبالأحرى، يندرج الفنان  ضمن مقاربة جدلية: فهو حرّ وممسُوس في ذات الوقت. لما يكون في طور الإبداع، يُصبح سيّد تاريخه، مما يسمح له بتجاوز الماضي. ويجب اعتبار ذكائه الفني بمثابة «الحيلة» التي تُنتج تأثيرا جديدا في العالم، وتدعو إلى تقاسم الثقافات، من خلال ابتكار عمل مفتوح وغير مُحدّد.

 

بقلم آلان فوا

التأثير: «فعل سيل  ينساب من الكواكب يُفترض أن له مفعول على مصير البشر». ذلك هو المعنى الأصلي للكلمة. في نظرية الجاذبية الكونية، تُؤثّر الكواكب  على بعضها البعض حسب حجم كل واحد منها. هذا التأثير ينتُج عمّا يُسمّى بموجات الجاذبية التي قد تكون، نوعا ما، ذلك السيل المتأتي من الأسلاف. ونحن إذن، معشر البشر، مُتأثّرون شيئا ما بهذا المبدأ الذي يرسّخنا في الأرض.

فكرة التأثير هذه، التي انطلقت من المفهوم الأسطوري لتصل إلى المفهوم العلمي، ومن علم التنجيم إلى علم الفلك، طوّرها العالم البونابرتي بيار سيمون دو لابلاس خلال القرن التاسع عشر، في قالب الحتمية الآلية (الواب – الرسالة – العدد 3 لسنة 2018 – تعليق – ملاحظة). ويتجلى مفهوم هذه الحتمية في الجملة الشهيرة المقتبسة من مؤلفه الفلسفي حول حساب الاحتمالات: «يجب علينا إذن أن ننظر إلى الوضع الحالي للكون على أنه نتيجة لوضعه السابق وعلى أنه مصدر لوضعه التالي. إن الذكاء القادر، في لحظة معينة، على التعرف على كل القوى التي تُسيّر الطبيعة وعلى الوضعيات الخاصّة بكل الكائنات فيها، إذا كان في وسعه تحليل هذه المعطيات، فمن المحتمل أن يكون ذكاء يضم في نفس الصيغة تحرّكات أكبر الأجسام في الكون وتحركات أصغر ذرّة فيه. لا شيء يُمكن أن يكون محل شك بالنسبة له، والمستقبل، كما الماضي، هو حاضر في نظره».

بعبارة أخرى، يُخيّل إلينا أننا أشخاص يتمتعون بالحرية والاستقلالية، في حين أننا كيانات ناتجة عن الأحداث التي سبقتنا، ونظل تحت تأثيرها.

ولكن، هل من باب الصدفة أم جراء توقيت معرفي وأيديولوجي إن كان علماء آخرون، على غرار جورج كوفيي، قد استحوذوا على فكرة الحتمية هذه، في ظل حكم نابليون (1804-1815) وفي الوقت الذي أعاد فيه العبودية ونشر الاستعمار المُكثّف، لاعتمادها في تطبيق مفهوم الأجناس البشرية؟ لقد أحدثوا بذلك عنصريّة علمية تورّط فيها علماء سيّؤو الذكر أمثال غوبينو، وفريديريش بلومنباخ، وهيوستن ستيوارت تشامبرلين، وفاشي دو لابوج وكلهم يقيّدون ما يُسمّونه بالأجناس في أشكالها، بحكم الحتمية التاريخية.

وإذا كان «الله ليس بلاعب النرد في الكون»، حسب عبارة أينشتاين الشهيرة، فمن المحتمل أن يُوجد في سياق هذا الانسجام الكوني، نسق منطقي يُبين المحظوظين من الملعونين، يمكن التعرّف عليهم وتحديد مواقعهم علميّا بالاعتماد على أشكالهم. ونحن نعلم أن مثل هذا الفكر الآلي هو الذي شجّع على الآلية الشرسة للانتشار الصناعي للعبودية.

مع الأسف، وبعد مرور فترة طويلة منذ إلغاء العبودية، ورغم تقدّم العلم في كل مجالات البيولوجيا، والأنثروبولوجيا، والعلوم الصلبة مثل الفيزياء والفيزياء الفلكية، يظل مثل هذا المفهوم قائما إلى اليوم في الأذهان ولا يزال يتخلل خلفيّتنا الثقافية. ألم نسمع في التلفزيون وفي وسائل الإعلام كلاما حول «لعنة الشعب الهايتي»، إثر الزلزال الذي أصاب هايتي سنة 2010، وفي ذلك جمع بين فكرة لاهوتية وحادثة شوهت أديم الأرض، في ارتباط بأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية؟ وكأن هذا البلد بقي تحت تأثير ماضٍ مُتأتٍ من ظرف أصلي، تكمن أسبابه في أعماق العصور... وهو ما يؤهل دون شك عدم الأخذ بعين الاعتبار مسألة الاستعمار والتاريخ السياسي والاقتصادي الذي يقود مصير هذه الجزيرة إلى يومنا هذا.

ولْنحذر من مفهوم التأثير هذا، فهو مثل السلاح ذي الحدّيْن، قد يجرح من يستعمله. إذا لم نحذره، فقد يجرّنا إلى ما وراء معناه، أي إلى التسليم بأننا خاضعون لقدر محتوم، ومُجبرون على أن نرسم، ونرقص،  ونغنّي، ونمثل، ونخرج أفلاما إلى ما لا نهاية له، حول هذه الخلفية التي تشكل ما تبقى من ذاكرة هذا الانفجار اللاإنساني الذي جعل منا ما نحن عليه. محكوم علينا بالرقص على الشنيعة.

لنحذر إذن من الأخذ على عاتقنا هذا المفهوم الحتمي والعنصري للكائنات البشرية الذي قد يؤدي بنا إلى جعل المقتدرين من بيننا على التعبير الفنّي – القصّاصون والرسّامون -  خاضعين لأعبَاء التاريخ.

تحرير التاريخ  من الحتميّة

إن تاريخ العبودية ليس بمثابة الانفجار العظيم (بيغ بانغ) بالنسبة لنا، ولا يمثل تلك اللحظة الأصلية التي تولّد عنها كل شيء بشكل آلي ولا رجعة فيه، إذ يوجد ما هو سابق للعبودية، ألا وهو تاريخ ما قبل استعمار إفريقيا والأمريكتين، وما هو لاحق لها أي المستقبل الذي يجب بناؤه. وقد سمح لنا العلم والمفاهيم الجديدة للتاريخ بدرء هذه الحتمية الآلية الخطيرة وما تحمله من تصوّر للتأثير.

في منتصف القرن الماضي، أدخل فيرنر هايزنبرغ في علم فيزياء الكم مبدأ عدم التحديد أو مبدأ عدم التأكّد، وبموجب هذا المبدأ، لا يمثّل الشيء شيئا واحدا في نظر الفاعل، وبما أن الفاعل الذي ينظر للشيء منفصل وُجوديّا عنه، فلن يقدر على إدراكه إلا إذا كان يعلم بأنه سيكون له تأثير عليه، وإذا كان واعيا بضرورة أخذ  ذلك التأثير في الاعتبار. وبالتالي، ليس هناك شيئا مُطلقا ومُحدّدا، ولا فاعلا مُطلقا، وإنما تُوجد علاقة. وهي علاقة ناتجة عن فعل، وحركة وفكر الفاعل ذاته في علاقته بالشيء.

ولكن ما عسى أن تكون طبيعة هذه العلاقة وهذا التأثير، إذا كان الفاعل نفسه مُحدّدا وخاضِعا لتأثير قضيّة سابقة؟ سوف تكون منعدمة وقابِلة للحصر في معادلة حسابية. إن مبدأ عدم التحديد الذي يفترض أسلوبا جديدا غير حتمي بيننا وبين الكون، يستلزم إذن أن يكون الفاعل نفسه غير مُحدّد، وأن لا يخضع عمله ولا فكره إلى السببية الآلية. وبعبارة أخرى، أن يكون الفاعل حرّا، في حركية مستمرّة وفي عملية تطوّر. وبالتالي، فهو يحرّر الشيء من ذاته. ومن خلال هذا التردّد الجدلي للعلاقة، يستعيد الشيء استقلاليته.

إلى ما أبعد من الذاكرة: لنكن صانعي تاريخنا

هذه الحرية هي في الواقع حرية سعينا صلب تاريخنا الذاتي. وهو تاريخ لم نعد فيه مجرّد أشياء تفكر، وإنما أفرادا  فاعلين. بالرغم من أننا موضوع أفعالنا. لسنا بكيانات أجبرها التاريخ على التفكير من خلاله، ولكن صانعي تاريخ نبنيه نحن ونشارك في بنائه.

يجب علينا إذن أن نعمل النظر في التاريخ، في تاريخنا، ليس من المنظور الحتمي، وإنما حسب مفهوم  صانع التاريخ الذي صاغه هيجل. ليست جدليّة هيجل الشهيرة للسيّد والعبد سوى توضيح لما تضفي إليه استعادة الفاعل لتاريخه الذاتي ليكسب حريته.

إن تاريخنا وذاكرتنا لا يُؤثّران علينا إلا إذا كنا نؤثّر بدورنا عليهما. ومن ثمّ، لم يعد ذلك العمق الكوني الذي تتكون منه ذاكرتنا الأفق الوحيد أمامنا. ونغادر ذلك الثقب المظلم لنكتشف نسبيّته. ونفرّ منه لنستعيد هويتنا، ونخلق زمنا جديدا يكون زمننا، ليس إلا. إن هذا الزمن المرتبط بكياني وعملي ليس إلا ذاتي. أنا الزمن الفاعل، وأنا تعبيره.

وينغلق الفخ، تلك الشباك الكونية التي كادت أن تشكّل ذاكرتي، ليحبس كائنا آخر غيري أنا. ويُوصد الفخ على تاريخ مضى وبات نسبيا. تاريخ أصبح تاريخي وأصبحت أمتلكه، لكنني لم أعد سجينا له. فأتحوّل إلى سيّد تاريخي لأنني فتحت آفاقه ومزّقت شباكه.

لم يعد محكوم عليّ بالرقص على الشنيعة، لأنني أصبحت سيّد زمني وسيّد نفسي، كما أنّني سيد خياراتي وتعبيري. أنا كائن حر ومستقل ومتحرّر من ذاكرتي. ولا يُمكن تفسير ما أعبر عنه من خلال ما يعكسه الماضي فقط، سواء كان هذا الماضي فرديا أو جماعيا. لقد فتحت باب الممكن.

وهذا يعني أنه لا يُوجد أي التزام أخلاقي أو ذهني بالنسبة لفنان أسود البشرة كي يرسم تاريخه المظلم، بما أنه أصبح حرّا مُستقلّا، وبما أنه تم الإعتراف له بذلك.

ومهما يكن الفنان، لم يعد بالإمكان اعتباره وسيطا في التعبير يستجيب لطلب سيّده، سيّد يتحكم في موضوع يرغب في رسمه والتعبير عنه، سيّد على تاريخ وعلى قصة نشأة الكون، سيّد على القيم والجمال، سيّد على رؤية وعلى مفهوم للعالم موروث عن تاريخ يسجننا. بل يجب اعتبار الفنان كائنا فاعلا، مستقلا وحرّا في تعبيره وفي رؤيته الشخصية للعالم ولتاريخه الخاص. ومن ثمّ، يصبح من الضروري إعادة النظر في عمله بطريقة جديدة، من خلال وجهة نظر جمالية وأخلاقية وسياسية أخرى. وانطلاقا من هذه الحرية المكتسبة إزاء الحتمية التاريخية، علينا أن ننظر إلى عمل كل فنان، لا كتعبير مُكره ومُجبَر لذاته ولذاكرته، وإنما كتعبير عن حركة مقصودة، يكون قد أعطاها مغزى وساقها للوجود.

جدلية الفنان وعمله

بناء على ما سبق، بإمكاننا النظر إلى الفنان على أساس النظام الجدلي بين الفاعل وعمله، حسب جدلية الفاعل/الشيء. هذا العمل الفني هو تعبير مُختلف يدل على التأجيل بالمعنى الذي استنبطه جاك دريدا لأنه يتمثل في الإرجاء، وفي الخروج عن الذات ومن الزمن الذاتي، ويؤدي إلى شيء يختلف عن الذات أو عن كلية الذات. وهو ابتعاد عن الذات، ابتعاد معبّر. عملية الإبداع الفني هي إذن خطيرة لأنها تُعبّر عن أزمة. وكلمة كريزيس (أزمة) باللغة اليونانية تعني «الفصل، التمييز». لكن الأزمة تعني باللغة الفرنسية أيضا «الحكم، القرار». هذه الأزمة هي الزمن الجدلي لولادة شيء يأتي من الذات، دون أن يكون الذات نفسها. هذا التأجيل هو هبة من الذات إلى ما هو ليس الذات، أي إلى الآخر. وينتج عن هذا التأجيل شيء جديد، لكنّه شيء متحيّز. إن ما يكسب العمل الفني  معناه هو ذلك العطاء الذي يفتح امكانية التقاسم بين الآخر والذات، وفي ذلك التقاسم يكمن التعبير، أي في تلك العلاقة بين الفاعلين بواسطة شيء ذاتي يُرسي بطبيعته حوارا صامتا بينهما.

وبما أنّه يتمّ اختيار العمل الفني بكل حرّية من قبل الفاعل المستقل الذي يقوم بعرضه ويجعل منه هبة ومحلّ تقاسم مع الآخر-المشاهد، يكتسب ذلك العمل استقلاليته ومعناه الخاص، وربّما حتى لغزه وغموضه، ويمكن أن يصبح محل انتباه وتفهم، في عزلة عن الفنان الذي ابتكره. ولهذا يُمكن لبعض الفنانين القول بأن عملهم، حال الانتهاء من إنجازه، لم يعد ملكهم، بل يصبح برمته هبة إلى الفهم الجمالي الكوني.

الفنان، حرّ ومحلّ تأثير في آن واحد

إن تلك الحرّية المؤكدة هي التي تعطي قيمة للهِبة، أي لِتبرّع الفنان بعمله. إنها تمنحه القدرة على الإبداع بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي ابتكار الجديد انطلاقا من القديم، وتوليد تغيّرات على مستوى الشكل. ومن خلال إعادة صياغة المادة المكونة من التاريخ الرّاسب في الذاكرة الثقافية والجمالية وحتى الأخلاقية، يُنتج  الفنان معنى جديدا.

وإذا حقق الفنان ذلك، فلأنه قادر بمحض إرادته، على إعطاء طاقته الذاتية، المُتحرّرة والمستقلّة للقِسط المتبقي في أعماق الذاكرة والمتمثل في الثقافة. إن طاقة الفنان تكمن في تصرفه الفعلي وفي قدرته على العمل بالمفهوم الذي يُعطيه أرسطو لكلمة أنرجيا (التي تفيد حَرفيا «من هو منهمك في العمل»، ولكن أيضا «من يشكّل شيئا، من يقوم بعمل») – إن الشكل والطاقة يُعبّران في الواقع عن نفس الشيء، كما يُؤكّد ذلك علم الفيزياء.

وانطلاقا من هذه الأنرجيا، يمكن القول بأن الفنان هو شخص مضطرب وممسوس و«مُنفعل». كما يُمكن القول أيضا، انطلاقا من فعل أنرجيو، بأنه واقع تحت التأثير. ولكن، كيف يُمكن للفنان أن يكون حرّا ومستقلّا ومُتحرّرا، وفي نفس الوقت خاضعا للتأثير؟ هذا تناقض ظاهري يمكن تفسيره بكل بساطة بكون الفنان حرّا في اختيار تأثيراته، حرّا بأن يسمح لنفسه بأن يكون مسكونا، وبأن يسيطر عليه أحد أبعاد الذاكرة الجماعية الذي قرر أن يمتلكه. وذلك هو الثمن الذي يدفعه الفنان، بما أنه حر، حتى يكوّن أشكالا خصوصية، ويسيطر على القوى التي تسكنه، ويهيمن على من كان يقوده. هذا الاختيار هو تحديدا ما يمكن أن نُسمّيه بالالتزام، حسب المفهوم الذي حدده سارتر. يلتزم الفنان كليا في المادّة التي يختارها، ويخاطر بتلك المادّة لأنها تتفاعل معه. وإذا تفاعلت معه فلأنه يشعر في نفسه بحاجة قصوى أو نقص لا بد من سدّه.

هذه هي الطريقة التي يجب اتباعها عند التفكير في الذاكرة المتبقية من تاريخ العبوديّة: يجب اعتبارها مادّة للفنان الذي يرغب في الإمساك بها.

والشيء الذي ينتج عن عمله، فهو ما يُسمّيه أرسطو أنتيليشيا (الشيء الذي يُقيم في نهايته). وهو بمثابة غاية تهم الشكل، يتمّ انتاجها من خلال الطاقة-الشكل التابعة للفنان الذي يهب للأثر استقلاليته. وبما أن  هذا الأثر الفني ليس بالفنان نفسه، بل مولّد من كيانه، فهو يظل استفهاما، شكلا يسائل غموض التاريخ، كما يسائل الحاضر حيث تبقى الذاكرة حيّة.

وفي آخر المطاف، ألا يمثل الأثر الفني الذي «يُقيم في نهايته»، فعلَ ذلك المضطرب الذي يسعى للتخلّص من تلك الذاكرة التي تسكنه، و يبحث عن كيفية وضع حد لذلك التاريخ بابتكار طريقة جديد تُنير الماضي مع تركه في مكانه، لتجاوزه تماما؟

حيلة الذكاء الفني

تلك هي طريقة الفنان، يختار التأثير الذي يُلائمه ليُمارس حريّته حتى لا يبقى تحت تأثير الماضي وحتى يُؤلف الحاضر. وعندما نذكر، على سبيل المثال، تأثير الفن الأفريقي أو الفن المُسمّى بالزنجي على الفن الحديث، في أعمال بيكاسو، وبراك، ودوران، وماتيس، وحتى أبولينار والسرياليين، فيجدر فهمه، لا كتأثير شيء على فاعل بصفة آلية، وإنما كحِوار بين طرفين. ويحدث هذا التأثير لأن كل هؤلاء الفنانين كانوا يمرّون بمرحلة دقيقة تجعلهم يُعيدون النظر في الأشكال الموروثة من ماضيهم باحثين عن موادّ جديدة مُعبّرة. إن لوحة بيكاسو آنسات أفينيون هي ثمرة حوار بين مسألة جمالية غربية في لحظة مُعيّنة وبين الفن الأفريقي، فنكتشِف بهذه المناسبة أن الفن الأفريقي ليس «بدائيّا»، كما يُقال، وإنما حامل لبعد ابداعي وفكري. وقد اعتبر مايول أن «الفن الزنجي يطفح بالأفكار، أكثر من الفن اليوناني». وسوف تتولّد عن هذا اللقاء، في نفس الوقت، أشكال جديدة للتعبير ونظرة جديدة للشيء تؤسس لحوار جمالي جديد: ألا وهو الفن الإفريقي.

إن ما يُسمّى بالتأثير هو في الواقع اختيار أملته ضرورة التعبير. وفي التعبير تداخل بين الفاعل والشيء، هناك امتلاك. ويمكن القول في هذا الصدد إن آنسات أفينيون قد امتلكهنّ الفن الإفريقي. إن العمل الفني هو نتاج البحث عن نظرة جديدة، وعن تحوّل في الذوق، أو مثلما قال نيتشه عن الموسيقى، هو « نهضة فن الاستماع». كان نيتشه مُنبهرا بأوبرا كارمن لبيزيه، حيث اكتشف بُعدا أفريقيّا. ويأتي هذا الانبهار من اللقاء بين العمل الفني وبين الفيلسوف الذي كان حينها يبحث عن شكل جمالي جديد يكون له معنى ويفتح له أفقا جديدا، بعد انفصاله عن الرومنطيقية وعن فاغنر.

إن الحديث عن التأثير هو في الواقع حديث عن البحث عن أشكال جديدة وعن مضامين شكلية جديدة، قادرة على تغيير طريقة المشاهدة والاستماع والتثمين. هو صراع. إن الإبداع الفني يتجاوز المقاومة، هو «رياضة مصارعة» ضد أنماط من إدراك العالم والأشياء، أنماط راسبة فرضتها ثقافة سائدة. عندما قال مارتن لوثر كينغ إن «الموسيقى هي سلاحنا الحربي»، لم يكن يقصد شيئا آخر. سلاح فاعل، لا فقط لقدرته على تجميع القوى حوله، وإنما أيضا لأنه يُؤثّر في إحساس الخصم ويتملّكه. هو سلاح يُخاطب الخصم وبفضل الإحساس، يفتح له أفقا. وذلك ممكن لأن موسيقى الغوسبل (الغناء الأنجيلي) والبلوز في الولايات المتحدة هما جزء من قاعدة مشتركة تسمح للسود بمخاطبة البيض بأسلوب صوتي يفتح العقل على محتوى خطابهم. وكانت خطب زعيم الحقوق المدنية تُلقى على إيقاع الغوسبل – وهو ما يسمح بإيصالها بشكل أقوى، وما يكسيها طابعا كونيّا. وكانت خطبه تتمحور طبعا حول ذاكرة العبودية المشتركة، لكنها كانت تُلقى من منظور مختلف يتناسب مع معاصريه.

في فن الرقص، عندما تستلهم كاترين دونهام، وبعدها ليستر هورتن أو ألفين آيلي، من التقاليد الأفريقية أو الهندية ومن ذاكرة العبودية، عناصر مُؤسسة لإبداعِهم، فإن ذلك يندرج في إطار البحث عن أشكال جديدة تسمح في الآن نفسه بإلقاء الضوء على الماضي وبإنتَاج نظرة جديدة. لقد وُلدت موسيقى الجاز  في كونغو سكوير، مكان للقاء والرقص يتردد عليه العبيد في أورليون الجديدة بالولايات المتحدة الأمريكية، بهدف إدخال عناصر مُؤسسة لذاكِرتهم في شكل موسيقي جديد. لكن هذه الذاكرة يتمّ تجاوزها بالشكل ذاته فتخلق فضاء مشتركا  لتقاسم الإحساس بين أشكال ثقافية متعدّدة وآفاق متعدّدة.

من هنا، يمكن الحديث عن حيلة الذكاء الفني التي تُدمج القديم في الجديد، مع تجاوز الماضي، وتسمح بالتأثير على إدراك الماضي. ذلك هو تمازج الأجناس دون شك: تحرّك في اتّجاه الجديد يتيح ابتكار تأثير جديد. وكانت الإلهة ميتيس، زوجة زيوس الأولى، والتي يعني أسمها حرفيا «النصيحة، الحيلة»، قادرة على التأثير على زيوس نفسه وعلى إقناعه بتغيير رأيه، وهي التي كان يقول عنها الشاعر هسيود «بأنها تعرف أشياء أكثر من كل إله ومن كل إنسان مُعرّض للفناء».

إن ادماج الذاكرة، سواء كانت ذاكرة العبودية أو أي ذاكرة أخرى، في جسم جديد وشكل جديد، إنما هو حيلة الذكاء الفني قصد التأثير على الحاضر. والأحداث الفنية تزخر بالأمثلة من هذا القبيل في الرقص، والموسيقى، والمسرح، والفن التشكيلي أو السينما. هذه الحيلة لا تكون ممكنة إلا إذا سلّمنا بِأن الفنان تحرّر من ماضيه ودمجه في عمله الفني – وأنه اختار هذا التأثير كفاعل حرّ ومستقل وليس كمفعُول به. وهو ما يستوجب منا أيضا اعتبار الفنان وعمله مُنفصليْن وُجوديّا، رغم الصلة التي تربطهما نوعا ما، صلة يحددها الفنان وطريقة معالجته لمادّة الذاكرة، بمحض اختياره. وهذا يعني أيضا أنه يجب علينا أن ننظر إلى العمل الفني باعتبار استقلاليّته ولغز غموضه. ويبقى العمل الفني مفتوحا ومحلّ تقاسم، وبالتالي محلّ نقد وتقييمات مختلفة.

وأخيرا، انطلاقا من العمل ذاته، لا يمكن استنتاج لون صاحبه. فلا يجب تقييد الرسّام بلون بشرته، لأن لون الرسّام ليس هو الذي يُعطي الألوان للعمل، وإنما العمل ذاته والتحاليل النقديّة التي تُقدّم لاحقا. بتنوّع امكانياته والامكانيات اللامتناهية لشكله المنفتح وتأويلاته، يُعبّر العمل الفني عمّا قاله لامارتين عند مقاومته للعبودية البغيضة: « لوني  هو لون من يُضطهد».

 

تنشر رسالة اليونسكو هذا المقال مساهمة منها في إحياء اليوم العالمي لذكرى تجارة الزنوج وإلغائها (23 أغسطس). وقد تمّ احياء هذه الذكرى لأول مرّة منذ عشرين سنة في 1998، تكريما لثورة 1791 في سان-دومنغ (حاليا هايتي وجمهورية الدومينيكان) التي لعبت دورا حاسما في إلغاء تجارة الزنوج عبر الأطلسي.

 

الأسماء المذكورة

أبولينار، غيوم (1880-1918)، شاعر فرنسي

أرسطو (القرن الرابع قبل الميلاد) فيلسوف يوناني

آيلي، ألفين (1931-1989)، راقص أمريكي

أينشتاين، ألبير (1879-1955)، عالم فيزياء من أصل ألماني

براك، جورج (1882-1963)، رسام فرنسي

بلومنباخ، جوهان فريديريش (1752-1840)، عالم ألماني في الأنثروبولوجيا

بيزيه، جورج (1838-1875)، مُلحّن فرنسي

بيكاسو، بابلو (1881-1973)، رسام إسباني

داريدا، جاك (1930-2004)، فيلسوف فرنسي

دوران، أندري (1880-1954)، رسام فرنسي

دونهام، كاترين (1909-2006)، راقصة أمريكية

سارتر، جان-بول (1905-1980)، كاتب وفيلسوف فرنسي

شمبرلان، هوستن ستيوار (1855-1927)، كاتب بريطاني

غوبينو، أرتور دو (1816-1882)، كاتب فرنسي

فاشي دو لابوج، جورج (1854-1936)، عالم فرنسي في الأنثروبولوجيا

فاغنر، ريتشارد (1813-1883)، مُلحّن ألماني

كوفيي، جورج (1882-1963)، خبير فرنسي في علم التشريح

كينغ، مارتن لوثر الابن (1929-1968)، قس أمريكي ومناضل في سبيل الحقوق المدنية

لابلاس، بيار سيمون دو (1749-1827)، عالم فرنسي في الرياضيات

لامارتين، ألفونس دو (1790-1869)، شاعر فرنسي

ماتيس، هنري (1869-1954)، رسام فرنسي

مايول، أريستيد (1861-1944)، نحّات فرنسي

نيتشه، فريديريش (1844-1900)، فيلسوف ألماني

هايزنبرغ، فيرنر (1901-1976)، عالم فيزياء ألماني

هسيود (القرن الثامن قبل المسيح)، شاعر يوناني

هيجل، جورج ويليام فريديريش (1770-1831)، فيلسوف ألماني

هورتن، ليستر (1906-1953)، راقص أمريكي

 

المزيد من المعلومات

اليونسكو: الفنانون وذاكرة العبودية

 

 

ألان فوا

كاتب، ومُؤلّف مسرحي، ومُخرج وفيلسوف من غوادلوب. أسس ألان فوا «رصيف الفنون»، شركة مُتعدّدة الاختصاصات تلتقي فيها العروض الحيّة مع التكنولوجيات الحديثة للصورة والصوت. وهو مؤلف أنا أرقص، إذن أنا موجود (2007)، تاريخ العبودية كما رُوي لماريان (2007)، أسود، من توسان لافنتور إلى باراك أوباما (2009)، مارتن لوثر كينغ (2012)، تشي غيفارا (2015). نذكر من بين مؤلفاته المسرحية فينوس وآدم (2004)، لا تسجن الرياح (2006)، المشهد الأخير (2012)، جلسة مغلقة بين مارتن لوثر كينغ وزوجته كوريتا وموميا أبو جمال.