الأحداث

نوشو: دموع تحت أشعّة الشمس

cou_01_18_nushu_02.jpg

غلاف وصفحة داخلية من دفتر زواج «سان زهاوشو»

تُعتبر النوشو الكتابة الوحيدة في العالم المُخصّصة حصريّا للنساء. وُضعت في القرن التاسع عشر في الصين، في إقليم جيانغيونغ (مقاطعة هونان). وبمرور الزمن، تكوّنت ثقافة كاملة حول النوشو، تلك الكتابة التي أصبحت اليوم مهددة بالاندثار. وتعمل السلطات المحلية والوطنية على إعادة إحيائها.

شان سياورونغ

النوشو، التي تُفيد حَرفيا في اللغة الصينية «كتابة النساء»، مُعترف بها على أنها الكتابة الوحيدة في العالم التي تمّ ابتكارها واستعمالها من طرف النساء فقط. ظهرت في وسط ريفي في واد نهر سياو، العابر لإقليم جيانغيونغ في مقاطعة هونان، يتكوّن سكانه من مزيج بين عناصر ياو وهان.

كتابة النوشو مُشتقّة من الحروف الصينية، لكنها، عوض الأشكال المُربّعة، اعتمدت على خطوط نحيفة ومائِلة في شكل مُعيّنات. وملاءمة مع اللهجة المحلية (شنغوان توهوا)، تتألّف هذه الكتابة من أربعة عناصر أساسيّة : النقطة والخطوط العمودية والمائلة والمُقوّسة

أول شيء مصنوع شهد على وجود النوشو تمثّلت في قطعة نقدية من البرونز تمّ اكتشافها في نانكين، عاصمة مقاطعة جيانغسو، تعود إلى عهد المملكة السماوية للسلام الأكبر (1851 إلى 1864)، وهي مملكة متمرّدة، شُهرت بإدخال العديد من الإصلاحات الاجتماعية وباعتِمادها، إلى حدّ ما، بعض السياسات في مجال المساواة بين الجنسين. تحمل هذه القطعة مخطوطا بثمانية حروف نوشو بما معناه: «كل النساء تحت السماء ينتمين إلى نفس العائلة».

ثقافة مشرقة

كانت لغة النوشو  تنقل بالأساس من الأم إلى البنت، وكانت تُمارس بين الأخوات والصديقات للترفيه. أما  كتابتها، فكانت تتعاطاها نساء ينتمين إلى المجتمع الإقطاعي، لم تتح لهن فرصة تعلّم القراءة والكتابة.

كانت النساء تستعمِلن هذه الكتابة التي تعتمد على المقاطع اللفظية، لتحرير سيرهنّ الذاتية، وما يسمّى بـ «سانزهاوشو» أي دفاتر اليوم الخامس (وهي التّهاني التي تُرسل إلى العروسين بعد حفل الزفاف بثلاثة أيام)، والرسائل المُتبادلة بين «الأخوات المُحلفات» (في دوائر عاملات التطريز، كانت الفتيات، كل اثنتين معا، تتعهّدن قسمًا بالمُساندة المتبادلة)، وأيضا لنسخ أغاني فلكلورية، وألغاز، وقصائد مترجمة من الشعر الصيني العتيق. كما كانت تُستعمل في كتابة الأغاني الريفية في مدح الأخلاق، وضرورة مساعدة الزوج، والاقتصاد في المصاريف المنزلية.  وكانت كل هذه الآثار تُكتب في قالب شعري وتتألف من سبع حروف، وأحيانا خمس.

وتعتبر زهاو ليمينغ، من جامعة تسينغهوا في بيجين، أن النوشو ليست كتابة فحسب، وإنما هي ثقافة نسائية تقليدية بأتم معنى الكلمة، وهي صينية بحتة. كانت بمثابة شعاع شمسي يُضفي مزيدا من اللطف على حياة النساء. وتُضيف : «كانت النوشو  تسمح للنساء بالتعبير بأنفسهن عما يراِودهن، وبالنضال ضد الهيمنة الذكورية».

وقد صرّحت إحدى مُستعملات النوشو ذات يوم: «للرجال كتابتهم، وكُتبهم، ومُؤلّفاتهم، وهم رجال أفاضل. ونحن لنا كتابتنا، وكتبنا، ومُؤلّفاتنا، ونحن نساء فضليات».

وتُفسّر الأستاذة زهاو ليمينغ أن النساء تجتمع في الأوقات العادية للتطريز وإنشاد الأغاني المؤلفة بـالنوشو. ونجد بالفعل كتابة النوشو على الورق وعلى المروحيات، كما نجدها مطرّزة على الثياب، والمحارم، والأحزمة. وتُضيف زهاو ليمينغ: «كانت كل امرأة من جيانغيونغ  تكتب سيرتها الذاتية بيديها. ومن كانت منهن لا تُحسن الكتابة، فتستعين بالأخريات. ولما تُوافيهن المنية، تكتب الفتيات السير الذاتية لأمّهاتهن».

كالنبتة الضعيفة، تذبل كتابة النوشو عند وفاة مُؤلّفتها. وكثيرا ما توصي النساء المُسنّات، قبل أن تَلفظن أنفاسَهن الأخيرة، أن توضع البعض من مؤلفاتهن في نعوشهن أو أن يُحرق بعضها، ممّا أدّى إلى ندرة الكتابات التي مرّت إلى الأجيال اللاحقة.

وتُوضّح الأستاذة زهاو ليمينغ، التي تَدرس كتابة النوشو منذ ثلاثين سنة، أن «محتوى الآثار المكتوبة بـالنوشو  مستوحى من الحياة العادية للنساء: الزواج، العائلة، التفاعلات الاجتماعية، نوادر، أغاني، ألغاز. وهي تُشكّل مجموعة ثريّة بالمعلومات حول التقاليد الشعبية وتكتسي قيمة كبرى بالنسبة للبحوث في الألسنية، وفي علم الاشتقاق، وعلم الآثار، وعلم أصول الإنسان، وفي مجالات أخرى من العلوم الإنسانية والاجتماعية». وبعد عدّة سنوات من البحث، قام فريق الأستاذة زهاو ليمينغ في جامعة تسينغهوا بتجميع 95% من وثائق النوشو المتوفّرة،  وترجمتها. نُشرت هذه الوثائق سنة 2005 تحت عنوان مجموعة الأعمال الصينية بالنوشو في خمسة أجزاء، وهي تمثّل أكثر المنشورات شمولا. ولحين نشرها، لم يخصّص لهذه الكتابة إلّا فصل واحد من كتاب عشر سنوات من تاريخ جيانغيونغ (1959)، بينما توجد الإحالات الأولى المكتوبة حول النوشو في مذكرات تحقيق حول أقاليم مقاطعة هونان (1933).

تقول زهاو ليمينغ: «باستعمال هذه الكتابة الخصوصية لتبادل الأسرار، والتآزر، وسرد المآسي أو المجاملة، تمكّنت النساء من بناء جنّة للعقول خاصّة بهنّ». وتُضيف: «تيانغوانغ (نور السماء) هي كلمة تتكرر كثيرا في هذه المؤلفات. هي كلمة تمنح لهن الشجاعة وتُساعدهن على تجاوز الصعوبات وتُرشدهن إلى حياة أفضل. والملاحظ أنه لم تُسجّل بينهن أية حالة انتحار: نور السماء يمنحهنّ القوة والتفاؤل. وحتّى عندما تتهاطل دموعهن، يبقين طامحات إلى حياة مُشرقة».


هي جينغوا وهي تخط جملة «كتابات سرّية عبر العصور»، بأحرف النوشو

كتابة لتجفيف الدموع

«لقد ساعدت هذه الكتابة  نساء جيانغيونغ على تجفيف دموعهن»، هذا ما أوضحه تان دون، الملحّن الصيني المشهور وسفير اليونسكو  للنوايا الحسنة. في سنة 2008، عاد إلى منطقة الهونان حيث مسقط رأسه، ليقوم ببحوث حول ثقافة النوشو. ودوّن في مذكّرات سفره ما يلي: «عند مدخل قرية شانغانغتانغ، شاهدت جسرا من عهد آل سونغ يعود تاريخه إلى 800 عاما، وقد انهار نصفه. فذكّرني بـالنوشو، وهي أيضا مهددة بالاندثار».

وآل على نفسه أن يبذل ما في وسعه لإنقاذ هذه الكتابة التي تشبه حروفها «نوتات موسيقية طائرة في مهب الريح»، ومن أشكالها ما يُذكّره بآلات موسيقية صينية مثل القيثارة والبيبا (عود تقليدي). من هنا وُلدت فكرة سيمفونية جديدة: «نوشو: أنشودة النساء السرية». ومنذ 2013، تُعرض هذه القصيدة السيمفونية في أروع القاعات في العالم، في انتاج مُشترك بين أوركسترا فيلادلفيا (الولايات المتحدة) والأوركسترا الملكية  كونسيرتغيباو (هولندا) والأوركسترا السيمفونية لهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية. ويقول تان دان إن  النوشو تحوّلت من ثقافة نسائية سرّية إلى «ثقافة تنتمي إلى العالم»، وحسب المُلحّن، يكشف نجاح السيمفونية «إجلال العالم للخيال المثالي للنساء».

هذا اللّحن المعاصر الرائع المؤلف من ثلاث عشرة قطعة، والذي يمزج بين التقاليد الموسيقية الشرقية والغربية، يعكس مختلف جوانب ثقافة النوشو: أغاني تُرافق تزيّن العروس أو فراق البنت لأمّها، وأخرى تُذكّر في نبرة حزينة بحياة امرأة مُتزوّجة طوال نصف قرن، أو تُعبّر عن الحنين لخَليلات فترة الطفولة. والآلة المركزية هي القيثارة التي توحي، حسب عبارة المُلحّن، بـ«سرد امرأة باكية». وأدرج تان دان في سيمفونيته ثلاثة عشر مقطع فيديو صوّرها بنفسه سنة 2008 في الصين. وكانت أوّل مرّة يتم فيهاتصوير ثقافة النوشو التقليدية.

وفي قرية شانغانغتانغ، التقى بست نساء قادرات على كتابة النوشو، عيّنتهن حكومة الإقليم حارسات لتراث النوشو. وبِفضلهن، أصبح اليوم بالإمكان نقل هذه الثقافة العريقة إلى الأجيال الجديدة.
ويذكّر تان دان أن «سر الخلود يكمن في الجهود المبذولة للمحافظة على التقاليد الثقافية المهددة بالاندثار ونقلها للأجيال اللاحقة».

موت وانبعاث

وبوفاة يانغ هواني في 20 سبتمبر 2004، في سن المائة، بدأ عهد جديد، عهد ما بعد النوشو. كانت من أشهر الكاتبات والمحافظات على ثقافة النوشو، لكنها كانت آخرهن.

وأمام خطر اندثارها وضرورة حمايتها، أولت الحكومات المحلية عناية خاصة للنوشو. فتمّ تسجيل النوشو، سنة 2002، على قائمة السجل الوطني للتراث الوثائقي للصين. ومنذ 2003، انتظمت ورشات في إقليم جيانغيونغ لتكوين جيل جديد من النساء الممارسات للنوشو. وفي 2006، سجّل مجلس شؤون الدولة النوشو كتراث ثقافي لامادي وطني للصين.

وفي مايو 2007، تمّ تشييد متحف للنوشو على جزيرة بواي، في إقليم جيانغيونغ وهي جزيرة محاطة بنهر سياو وسط مناظر طبيعية خلابة، تأوي قرية جينماي، مسقط رأس العديد من مؤلفات  النوشو الشهيرات، وهو المكان الذي كان مصدرا لانتشار النوشو في المنطقة. ويرى يانغ شانغ، مدير قسم الإعلام في الإقليم، أن «ثقافة النوشو التي تتميّز بخصوصيات عديدة، تحمل في جوهرها الحكمة الجماعية لنسَاء جيانغيونغ. فهي تعكس كل فضائلهن من ذكاء، واحترام للذات، وشجاعة، وفكر خلّاق. هي زهرة رائعة تتفتّح في حديقة الإنسانية ذات الألف زهرة. وحماية هذه الثقافة المحلية تقتضي وعي الجامعيين والفنانين والسلطات، وقبل كل شيء وعي سكان المنطقة».

خلال السنوات الأخيرة، قامت الصين بمجهودات للتشريع والتخطيط في مجال اللغات، كما أنها دعّمت توحيد مقاييس اللغات واستعمال المعلوماتية فيها. وفي إطار مخطط الحكومة الصينية لحماية الموارد اللغوية الذي بُعث سنة 2015، تمّ تعيين إقليم جيانغيونغ منطقة رائدة لمشروع يعتني بالبيئات اللغوية.

وتقوم السلطات المحلية في الوقت الراهن بتكليف أخصائيين في النوشو (باحثين ومؤلفين) بتحرير كُتيبات سهلة الفهم توضح الإطار الذي ظهرت فيه ثقافة النوشو، والقيم التي تحملها، والمعلومات الأساسية الواجب اكتسابها، وكيفية الحفاظ عليها ونقلها. والهدف من ذلك إقحام النوشو في برامج الدروس الاختيارية في المدارس الابتدائية وفي المعاهد، قصد التعريف بها على أوسع نطاق.
 


مشهد من عملية تزيين عروس شابة، من إحدى الأشرطة التي قام بتصويرها الملحّن تان دون، سنة 2008

وحيث أن كتابة النوشو ذات طابع  شعبي، ومتأتّية من لهجة محلية، وليس لها معايير، فإن كلّ نص بـالنوشو يحمل بصمة مُؤلفته، بأسلوبها الخاص الذي غالبا ما يكون منمّقا، وبِطريقتها في انتقاء الكلمات، وبِصفاتها المكوّنة لشخصيتها. وهذا ما دعا الأستاذة زهاو ليمينغ إلى إجراء بحوث تتمثّل في استخراج العلامات الأساسية والأكثر استعمالا من بين ما يفوق  220.000 علامة تضمّنتها النصوص بالنوشو، وهو ما سمح، لأول مرة، بتوحيد معايير كتابة النوشو. وفي سنة 2015، اعترفت المنظمة الدولية للمعايير بـ397 علامة لكتابة النوشو، وفي مارس 2017 تمّ إقحام النوشو في المنظومة الكونية للعلامات المُشفّرة: وبذلك  أصبح بالإمكان نقلها على أسس علمية.

إن المحافظة على ثقافة النوشو وحمايتها عمل مُعقّد يندرج في برامج ضخمة للهندسة الاجتماعية. وسوف يُساهم  نمو الفضاء الثقافي زمن المعلوماتية في بعث حيوية جديدة فيها. ومن بين أنصارها الكثيرين، هناك من هو مُعجب ببساطة كتابتها وبالأسلوب الرقيق لخطوطها، في حين يَستكشف آخرون إمكانية بعث مشاريع لتصنيع منتوجات ثقافية جديدة مستوحاة من النوشو، ويعمل طرف ثالث على استعمالها للتعريف بالثقافة التقليدية النسائية.