أفكار

مناهضة السامية: الاتّعاظ بالتاريخ

cou_01_18_badinter_01.jpg

جزء من لوحة من ألبوم يوميات آن فرانك، لأنطوان أوزانام (كاتب السيناريو) وناجي سلسي (الرسام)، دار نشر سولاي، سنة 2016
ما فتئت مناهضة السامية تطفو من جديد على السطح كلما خلناها قُبرت. كانت لها صبغة دينية في القرون الوسطى، ثمّ قومية بداية من القرن التاسع عشر قبل أن تُصبح عنصرية بدعوة أنها علمية حسب الإيديولوجيا النازية. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تقمّصت شكل معاداة الصهيونية. إن التاريخ يحثّنا على اليقظة. روبار بادنتار يستخلص منه استنتاجات ثرية بالعبر وبالمعاني.

روبار بادنتار

مناهضة السامية ليست ظاهرة معاصرة. هي شرّ يعود إلى عدّة قرون. فمنذ الاستيلاء على القدس سنة 70 من قبل تيتوس، ومنذ تشتت اليهود حول كامل حوض البحر الأبيض المتوسط بالخصوص، حيث تمّ بيعهم كعبيد بأعداد كبيرة  لدرجة أن أسعار السوق (إذا استعملنا العبارة الاقتصادية الحديثة) انهارت في الإمبراطورية الرومانية، فإن ظروف اليهود عبر آلاف السنين، وخاصة في أوروبا، ما انفكّت تتّسم بالإقصاء والمعاناة والاضطهاد.

وأعتقد أن مناهضة السامية، منذ ذلك العصر الروماني البعيد، شهدت ثلاثة أشكال، تمتزج أحيانا.

من مناهضة السامية الدينية إلى مناهضة السامية القومية والعرقية

الشكل الأول هو المناهضة الدينية للسامية. فمنذ مرسوم قسطنطين، الذي أقرّ بأن الدين المسيحي هو الدين الرسمي، سنة 313، ما انفكت مناهضة السامية تتغذّى من كراهية «الشعب قاتل الإله»، الشعب الذي اغتال المسيح. وإزاء الاضطهادات والمجازر، كانت تُتاح لليهود أحيانا ـ وليس دائما ـ إمكانية النجاة من الموت أو من النفي، بإجبارهم على اعتناق الديانة المسيحية، وقد يعودوا إلى اليهودية عندما تُصبح الظروف أقلّ قساوة. ولعلّ تاريخ المُرّان الطويل والثريّ ثقافيا، وخاصّة في الدول الإيبيرية، هو أفضل نموذج.

ومع نشأة الأمم العصرية، أصبحت مناهضة السامية ذات بعد قومي بالأساس. وكان اليهود، حتى وإن كانوا أصيلي البلاد، يُعتبرون دائما غرباء ومشتبه فيهم في الوطن الذي يعيشون فيه. وإن تسلّق اليهود بشكل طبيعي سُلّم المسؤوليات، على الرغم من  وطأة الإقصاء، وتحمّلوا مناصب عالية في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو المالية، فما أن جدّت أية عقبة على المستوى الوطني، يعدون خونة محتملون يسعون دائما لخدمة «الدولية اليهودية» الأسطورية، تلك المؤامرة المستوحاة من خيال مناهضي السامية. وهذا ما حدث في فرنسا. ولا داعي للتذكير بدلالات قضية دريفوس في هذا المجال. لأنه، إذا أردنا النظر إليها بتعقل، ولو لحظة وجيزة، لوجدنا أنه لم يكن هناك داعٍ لاعتبار دريفوس، ذلك اليهودي الألزاسي الثري الذي كان يكره ألمانيا وكان يرغب قبل كل شيء في خدمة فرنسا، خائنا.

في نهاية القرن التاسع عشر، تطوّرت العقول، وشاءت مناهضة السامية أن تكتسي صبغة علمية على غرار الميادين الحديثة الأخرى. فتحولت إلى نزعة عرقية، تعرّف اليهود بـ«جنس» من أصل شرقي غامض، وتعتبرهم غير قابلين للاندماج في الشعوب التي يستقرّون بينها، وخاصّة منها تلك التي تنتمي إلى الجنس الآري السامي المهدّد بالانحدار بسبب وجود اليهود في صلبه، وهم الحاملون لعديد العاهات.

الاعتراف بمواطنية اليهود

وهكذا، من خلال ما تعرض له اليهود من حظر، أو إجبار على البقاء في أحياء مغلقة، أو حمل علامات مميزة على ثيابهم – مثل الحيوانات الخطيرة – تشكلت على مدى تاريخ الإنسانية الطويل، صورة الجنس الملعون. من هنا تأتي الأهمية القصوى التي يجب أن نُعيرها للثورة الفرنسية التي أعلنت سنة 1791 ولأول مرّة في التاريخ، أن اليهود الذين يعيشون في فرنسا سيُعتبرون مواطنين فرنسيين بأتم معنى الكلمة.

وعلى سبيل الطرفة، أورد ما كتبته الأميرة، شقيقة لويس السادس عشر، إلى قريبتها من عائلة هابسبورغ بفيينا، يوم صادق  المجلس التأسيسي، في آخر أشغاله، على مواطنيّة اليهود: «إن جنون المجلس وصل إلى حدّ اعتبار اليهود مواطنين»...

وإن أردت التأكيد على ذلك، فلأن هذه الإرادة  في منح اليهود المواطنَة الكاملة، التي لم يكن من السهل الحصول عليها في الأشغال البرلمانية، تُماثل بالظّبط ما يبغضه النازيون، وأعني حقوق الإنسان وفلسفة الأنوار. وحسب العبارة التي وردت تحديدا في كفاحي لأدولف هتلر،  كان يتوجّب إقصاء اليهود تماما من مجتمع الشعب الألماني. وكانت هذه المناهضة الشديدة للسامية مصدرا للقوانين العنصرية التي اعتمدها الرايش الثالث منذ 1935 في نورنبيرغ، والتي أذكّر بغايتها ألا وهي «حماية الدم الألماني والشرف الألماني» اللذين يُشوّههما، بالطبع، التواجد اليهودي.

لن أتطرّق إلى استحالة النظرية العرقية في إيجاد معايير علمية. لقد بحث علماء الرايش الثالث طويلا، وطبعا لم يجدوا شيئا. فبقيت حجة الانتماء إلى الديانة اليهودية. فكانت المعايير التي تمّ اعتمادها لسنّ قوانين نورنبيرغ تحرّم على اليهود مغادرة  قطيع تلك الكائنات الشريرة التي ينتمون إليها منذ الولادة، باعتناق ديانة أخرى أيا كانت.

مفارقة مُحيّرة

لن أعود في هذا المقال إلى القائمة الطويلة للاضطهادات المتصاعدة التي تحمّلها اليهود تحت الحكم النازي أولا، ثمّ في مجمل الأراضي التي احتلها الجيش الألماني. فالعديد من البحوث أماطت اليوم اللثام عن ضخامة الإبادة الجماعية التي لحقت اليهود من النازيين وعمّا تسبّبت فيه من رعب. كما أنني لن أعود إلى الكتب التاريخية والفلسفية الرائعة التي تطرّقت إلى هذه الظاهرة.

أريد التأكيد على ما يبدو لي ثريّا بالعبر والمعاني: فمن اللافت للنظر وما يعسر فهمه هو أن شعبامسيحيّا عظيما، من بين الشعوب الأوروبية المثقفة، ولّد عديد العباقرة في الفن والفكر والبحث العلمي، هو بالذات الشعب الذي حمل وحفّز ونفّذ أبشع الاضطهادات ضد اليهود، لم يُسجّل التاريخ لها مثيلا في أوروبا. من الضروري أن نتذكّر ذلك، لأنه لم يكن يوجد في أوروبا في تلك الفترة، بلد فاق فيه حب الثقافة والشّغف بالفن، الموسيقى بالخصوص، والبحث العلمي، المستوى الذي بلغته ألمانيا في نهاية جمهورية فايمار.

ولليونسكو بالتحديد فرصة للتعمّق في هذا الموضوع. فإن وجد بلد تألق في مجال الفلسفة، فهو دون شك ألمانيا ما قبل هتلر. وهو ذات البلد الذي انقاد بضراوة إلى معاداة السامية وإلى العنصرية، ليتزعّم أبشع المآسي التي استهدفت اليهود.

والعبرة ـ وهو ما ساقني إلى الإلحاح على هذه المفارقة ـ تكمن في أن الثقافة، والمعرفة والشغف بالفنون غير كافية في حد ذاتها لإقامة أسوار حصينة ضد مناهضة السامية، بما أنها ثبتت في صلبها بأشنع أشكال الرعب.
ولمزيد التوضيح أقول: بالنسبة إلينا، نحن معشر مريدي الأنوار المؤمنين، رغم كل المحن، بتطوّر الإنسانية  من خلال منافع التربية المستنيرة والمؤسسات العادلة المستندة إلى فلسفة حقوق الإنسان، الأمر لا يتعلّق البتّة بالتخلي عن نضالنا في سبيل التقدم الذي يبقى دائما ضروريا. وإنما يتعلّق فقط بضرورة الوعي بأن لا التربية في حد ذاتها، ولا الفن في حد ذاته، ولا الثقافة بمفهومها الواسع تُمثل بطبعها الحصانة الكافية من ضراوة العنصرية ومناهضة السامية. وهو ما يستوجب منا استخلاص العبر.

معاداة الصهيونية

وانهار الرايش الثالث، وانتحر مُؤسّسه، وشُنق أهمّ أعضاء قيادته العسكرية أو فُقدوا، وتم اكتشاف هول الإبادة الجماعية لليهود في أوروبا. وقد أثار ذلك في الأمم المتحدة، وكانت حديثة العهد، حراكا قويّا لصالح إنشاء دولة يهودية، وفقا لما التزم به الحلفاء منذ 1914-1918.

إن إحداث دولة يهودية في فلسطين، وللتذكير كان ذلك بقرار من الأمم المتحدة وهو القرار 181 (II) بتاريخ 29 نوفمبر 1947، لم يحظ بقبول الجميع، فكانت النتيجة الحرب التي شنّتها جيوش الدول العربية المجاورة. احتلّت فلسطين، وتحوّل الصراع لفائدة اليهود، والجميع يعرف البقية: لم يتوقّف الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني منذ نشأة دولة إسرائيل.

سوف لن أناقش هنا مشروعية هؤلاء وأولئك، ولا الحل الأمثل للتوصّل إلى إنهاء هذا الصراع، فالنّقاش حول هذا الموضوع يتمّ في فضاءات أخرى. لكننا أمام أمر واقع. من المؤكّد أنه، بسبب الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، انتشرت من جديد مناهضة السامية بشكل واسع تحت إسم معاداة الصهيونية.

ولا بد من الاعتراف بكل وضوح أن بهذه التسمية التي تُحيل على الصهيونية، فإن اليهود، وأعني اليهود في كافة أرجاء العالم، هم المعنيّون. بل أذهب إلى أن معاداة الصهيونية ليست في قَرارتها إلّا تعبيرا معاصرا لمناهضة السامية، وأعني كره اليهود.


لوحة للرسام الفرنسي لوز من ألبوم «أنتم أيها الأخوة في الإنسانية»، فوتوروبوليس، 2016، مستوحاة من كتاب يحمل نفس العنوان للكاتب السويسري ألبير كوهين

في عصر الرقميّة

وبالطبع، لم تعد تظهر مناهضة السامية  اليوم بنفس الملامح التي كانت عليها في عهد قسطنطين. فهي تستعمل، بشكل واسع وبنَجاح، شبكات التواصل الاجتماعي والخطب وأشرطة الفيديو التي تُبثّ على بعض مواقع الإنترنت، معتمدة إلى حدّ كبير على أسلوب خطابي منحرف. تساءلت كثيرا عمّا كان يمكن أن يحدث في أوروبا قبل سنة 1939 لو وضعت تحت تصرف الدكتور غوبلز (وزير تربية الشعب والدعاية زمن الرايش الثالث) نفس الإمكانيات التقنية التي نشهد اليوم تطورها في عهد الرقمنة. لقد أصبح العالم الرقمي الساحة الجديدة للمعركة حيث تدور مكافحة مناهضة السامية.

إن ما أودّ التعبير عنه ببساطة هو قناعتي، كرجل مُسنّ لم يشهد أبدا أن مناهضة السامية قد ارتدّت، بأنه ما دام الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني متواصلا، يبدو لي من البديهي أن كره اليهود، وحتى في المناطق البعيدة عن الشرق الأوسط، سيُواصل تأجيج بعض المسلمين، وخاصة منهم الشباب، المشبعين بالإنترنت وما تحمله الدعاية الحادّة من صور عنيفة اعتدناها.

خلط إجرامي

من ثمّ تأتي الاغتيالات الفظيعة التي تحدث في كامل أنحاء الغرب، وخاصة في فرنسا، كما في الشرق الأدنى حيث تتغذى الكراهية إزاء السامية من الخلط بين اليهودية والصهيونية. ويكفي في هذا المضمار الاطلاع على قائمة ضحايا الجرائم المُرتكبة في السنوات الأخيرة.

تطاردني صورة حديثة العهد: رجل في مدرسة يهودية يُلاحق أطفالا يهود، وطفلة هاربة، ولأنها هاربة يمسكها الرجل من شعرها ويطلق عليها الرصاص مباشرة ليُردفها قتيلة. كيف يمكن تصنيف هذه الجريمة إن لم تكن نسخا لتصرفات النازيين؟ هذه الصورة تعبير بشع عن  مناهضة السامية. إنها تخترق الزمن لتُذكّرنا بـاجماعات  أينزاتسغروبن الذين أُطلقوا في أحياء الأقليات في  أوروبا الشرقية.

وفي الختام، أريد التعبير والتأكيد بصفة صارمة على موضوع يتعلق بالنشاط لصالح السلم المدنية. وهو أهمية الدور، ذي الصبغة الأخوية بالنسبة للبعض، الذي يقوم به ممثلون عن المجتمع الإسلامي للتشهير بهذه الجرائم. والخلط هنا هو فخّ آخر ينصبه لنا الإرهاب، وينبغي لنا بكل تأكيد ألّا نسقط فيه. وأذكّر دائما بما أدت إليه دراسات مراكز البحوث، أن 80% من ضحايا الإرهاب في العالم هم من المسلمين. وإذ أصرّ على تقديم هذه الملاحظة، لأن الخلط هنا يصبح من باب الإجرام.

رسالتي ليست على غاية من التفاؤل. أعلم ذلك. لكنني أعتقد أن المجاملة تُغذّي الحكم المسبق، والحكم المسبق يُغذّي الموت، لأنه يُولّد الكراهية. فإذا تمكّنّا من إقناع الأجيال الشابّة لتنتصر في عقولهم مبادئ الأنوار وحقوق الإنسان، نكون قد قدّمنا خدمة للقضية الأهم، قضية السلم بين الشعوب.

 

تنشر رسالة اليونسكو  هذا المقال بمناسبة يوم ذكرى المحرقة، في 27 يناير.

روبار بادنتار
روبار بادنتار (فرنسا) محام وأستاذ في الحقوق. شغل منصب وزير العدل من 1981 إلى 1986. نجح بالخصوص في استصدار قانون إلغاء حكم الإعدام سنة 1981. وبوصفه رئيسا للمجلس الدستوري من 1986 إلى 1995، انتُخب عضوا اشتراكيا بمجلس الشيوخ عن جهة هو-دي-سان من 1995 إلى 2011.