زاوية كبرى

داليا النجار: «اخترت أن أكون متفائلة»

cou_01_18_siege_01.jpg

داليا النجار، سفيرة النوايا الحسنة لمؤسسة أطفال السلام
 بعد أن نشأت بين الحروب، طفلة تكرّس حياتها لبناء السلام.

ماري دي سوزا

«كنت في غضب شديد، لحدّ الرغبة في تفجير العالم كله، لكنني لم أفعل. بل قررت عدم الإنصات لهواجس الشر. واعتزمت سلوك طريق السلام.»

حياة داليا النجار، رغم صغر سنّها، مليئة بالأحداث الجسام. لقد مرّت هذه اللاجئة الفلسطينية البالغة من العمر 22 عاما، بثلاث حروب. وكلّما أمهلها الوضع سواء خلال فترات الحصار أو عند وقف إطلاق النار، كانت داليا توزع وقتها بين الدراسة، والعمل التطوعي، والشغل لكسب القوت، وكتابة مدونة عن الحياة اليومية المليئة بالمعاناة في غزة، وكذلك للتفكير في بناء مستقبل أفضل.

تكرّس داليا جزءا كبيرا من طاقتها لمهمّتها كسفيرة للنوايا الحسنة لجمعية أطفال السلام، وهي جمعية خيرية غير حزبية، تسعى لبناء الثقة والصداقة والمصالحة بين الأطفال الإسرائيليين والفلسطينيين الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و17 سنة، ومجتمعاتهم.

تقول داليا إن طاقتها نابعة من مزيج من الغضب والأمل، ولكنها تعتمد أيضا وبشكل كبير على ثقافة عائلية توقّر التعليم. وكان التعليم بالنسبة لها الوسيلة الأولى لتحقيق أحلامها، ومن أهمّها إيجاد سبل لمعالجة العنف والكراهية. «كانت عائلتي تنبهني باستمرار بمدى أهمية التعليم».

عاشت داليا الحصار لأوّل مرّة عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، قبيل اندلاع  حربين مروّعتين. «كنت في الصف السابع عندما بدأت الحرب الأولى، فانهار كل شيء. لم أفهم شيئا مما كان يجري من حولي. لماذا يقتل الناس بعضهم البعض؟ اعتقدت ان ذلك الوضع لن يستمر الّا بضعة اسابيع».

طوال تلك الفترة، واصلت داليا الدراسة رغم الانقطاع المتكرر للكهرباء، الى أن تخرجت من الجامعة الإسلامية في غزة حيث تحصّلت على البكالوريوس في إدارة الأعمال. «في تلك الأيام، كنت أشاهد الأخبار أوّلا قبل المغادرة للمدرسة. وكان كل شيء متعلّق بتوفّر الكهرباء. فكنت استيقظ حال ظهور ضوء النهار، أو أضطرّ للدراسة على ضوء الشموع، ممّا أضرّ كثيرا بعيني. كما كنت أتخاصم مع أخي وأختي للحصول على الشمعة».
 


"حروب وسلام”، من مجموعة كرتوننغ فور بيس (رسوم هزلية من أجل السلام)، وهي شبكة دولية لرسّامين صحفيين ملتزمين تحظى بدعم اليونسكو

شكّلت حرب 2014 نقطة تحوّل في حياة داليا. «بعد الحرب، أصبحت أفكاري أكثر وضوحا. وجزمت بأنني لن أعد أرضى أبدا لأي شخص أن يعيش ما عشته أنا. وفضلت أن أكون متفائلة، لأن بدون تفاؤل لا فائدة في الحياة. وكنت مصرّة، على أيّة حال، أن أعيش».

حصلت داليا على منحة دراسية لبضعة أشهر في الولايات المتحدة، وباشرت في نشر مدونتها الإلكترونية وبث حصة على اليوتوب. كما التحقت كعضوة في التحالف العالمي للشباب الذي يسعى لتعزيز الكرامة الإنسانية والتضامن بين الدول النامية والدول في طور النمو.

وفي الواقع، كانت لمهمّتها كسفيرة للنوايا الحسنة لجمعية أطفال السلام الأثر الأكبر في تغيير مسار حياتها. «بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، من السهل التشبث بمواقفنا وشَيطنة الطرف الآخر. والآن وقد أصبح لدي أصدقاء إسرائيليون، صرت وإياهم على وعي بأن الروايات التي قصت علينا مختلفة، مما يدعونا للمسك بزمام الأمور مع بعض، باستخدام التفكير النقدي». وتضيف داليا قائلة: «إن التواجد على جانب واحد من الصراع من شأنه أن يحث بسهولة على تجريد الغير من طابعه الإنساني، بدلا من الاعتراف بالمعاناة التي يقاسيها كلا الطرفان».

تدرس داليا حاليا بجامعة ساكاريا في تركيا للحصول على ماجستير في الموارد البشرية، بالتوازي مع الإعداد لمشروع جديد تحمّست له على إثر مشاركتها في مؤتمر الشباب للتنمية المستدامة في أوسلو سنة 2017. وقد كلّفت خلال المؤتمر بتصميم مشروع شركة ناشئة تعنى بحماية البيئة وتعالج أحد أهداف التنمية المستدامة لمنظمة الأمم المتحدة. ولمّا علمت أن عدد الوفيات في العالم نتيجة الأمراض المنقولة عن طريق المياه يفوق عدد القتلى جراء الحروب، اختارت داليا المشاركة في تأسيس شركة «زيلا» لتقنيات تصفية المياه هدفها انتاج مصفاة من الأنسجة النباتية قادرة على توفير المياه النظيفة لأسرة مكوّنة من سبعة أفراد لمدة سنة، وتسويقها بكلفة لا تتعدى 10 دولارات.

أما على مدى أبعد، فهناك هدف آخر تسعى إليه: أن تكون في يوم ما رئيسة للوزراء!