أفكار

تسألونني عمّا هو المنفى...

courier_exil-infocus_01.jpg

نحت برنزي من مجموعة “المسافرون” للفنان الفرنسي برو كاتالانو

كلمات لمبدعين منفيين عبّروا عن آرائهم في مجلّتنا

  إيدوارد ج. مونيك، شاعر موريسي
رسالة اليونسكو، 1994-3
يشتدّ المنفى قساوة عندما يأتينا الشعور بالوحدة. تلك الوحدة المرتبطة بأهم ما رسخ في ذاكرتنا، بصفة أعمق من الذكريات العادية. وما عدى ذلك، فإنني لا أعتبر المنفي معاناة، لأنه ليس مجرّد ابتعاد عن البلد الأم للاستقرار في بلد آخر. هو أيضا الذهاب نحو ذاتنا، وإرادة التعرّف عليها  والتنزّل فيها. وبعد أن تعايشنا مع الجانب الشيطاني والجانب الرائع فينا، نشعر بالحاجة إلى معرفة من هو الآخر. ولكن وقبل كل شيء، لا بدّ من التعرّف على أنفسنا. وبعد ذلك، يتحول المنفى إلى مسار استقصائي. فنغوص في الجغرافيا الداخلية للآخر، وهنا علينا أن نصمد أمام ميولاتنا في جعل الآخر صورة مطابقة لذاتنا بحجّة تهذيب بعض التفاصيل.
 
     سبوجماي زرياب، كاتبة أفغانية
رسالة اليونسكو، 2008-2
تسألونني عمّا هو المنفى... قبل سنوات عديدة، وفي منطقة هادئة من كابول، قرأت الترجمة الفارسية لكتاب «رجل من كابول»، للمؤلف رابيندراناث تاغور. وبفضل قلمه السحري، علّمني هذا الكاتب الهندي المتألّق، معنى ألم المنفى (...). أنا التي كنت في منأى عن البؤس ولم أكن أعرف الحرب إلا في الكتب، كنت أعتقد أنني سأبقى في منأى عن المنفى... إلى آخر أيام حياتي. في تلك الفترة، لم يكن يخطر ببالي أن تُحوّل يوما يدُ التاريخ الظالمة كل أفغاني إلى «رجل كابول» مثلما رواه تاغور، وأن يُفرّق جنون التاريخ أمّة بأسرها، ليُشتّت الأفغانيين في كل أنحاء العالم، بعيدا عن آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم وأخواتهم وأخوتهم. ولا أعرف حواليّ عائلة واحدة سلِمت من التمزّق الذي سبّبه المنفي، أو عائلة  لم تعش -دون أن تكون قد قرأت تاغور- قصة "رجل كابول" ولم تعاني من نفس الآلام.

عبد الرحمان سيساكو، سينمائي موريتاني
رسالة اليونسكو، 2000-10
عموما، الاغتراب هو نوع من الإعاقة. ولكن الابتعاد يسمح بأن تنظر إلى بلدك، وإلى ماضيه وتاريخه بنظرة تكاد أن تكون نظرة الغريب. ولما تتحدث عن موطنك الأصلي، تتردد وتتلمّس. هي عملية دقيقة يمكن للمرء أن يفقد سيطرته عليها في أي لحظة. قد يكون احساسنا الأكبر هو الحنين. وأحيانا نفضل الصمت لترك المجال للتفسيرات.
   
  بوجور نيدلوكوفيشي، كاتب ومؤلف مقالات وسيناريوهات روماني
رسالة اليونسكو، 1996-10
إن كان المنفى اختبارا تأهيليا، فهو  أيضا احتكاك بالحقيقة بمعنى التخلي عن الأوهام، وعن الأحلام وعن الادعاءات الكاذبة، لبلوغ نوع من الصحوة. أي أن نتعلم كيف نفصل بين الصحيح والباطل، لنبذ التسامح الزائف الذي ينتج احساسا سطحيا بالسلام، ولتبني التسامح الحقيقي الذي يقتضي الغوص في شمولية الكون. (...) وبالنسبة لي، أصبح المنفي الإلزامي منفى طوعيا، بحثا عن الزمن الضائع وعن انتعاش روحي. والتسليم بهذا الأمر هو بمثابة إعادة النظر في الذات.
  
ريثي بانه، سينمائي كمبودي
رسالة اليونسكو، 2000-10
في المنفى، تفقد هويتك الحقيقية. وبالنسبة لي، سواء كنت في كمبوديا أو في فرنسا، أشعر بالارتياح حيث ما كنت، وبالضيق حيث ما كنت. أشعر أنني بعيد وقريب من كل شيء. هذه المسافة هي التي تهمّني لأنها تسمح بالوقوف عن بعد، والتأمّل في الآفاق، وإدراك الشكل بدقة. وأقل الأضرار بالنسبة للمغترب هو استطاعة الاستفادة من المنفى.

فيرونيك تادجو، كاتبة ورسّامة إيفوارية
رسالة اليونسكو، 2008-2
سافرت طويلا مُطمئنة القلب والبال، ظانّةً أنه بإمكاني العودة إلى بلدي متى شئت. لكن الأمر تغيّر بحدوث الأزمة الإيفوارية. شعرت وكأنّ بابا انغلق فجأة، وبقيت أنا في الخارج. وكان من الصعب عليّ أن أفهم ما يحدث، وكيف وصلنا إلى هذا الوضع. شعرت بحالة استلاب، وكأنني مُجبرة على إعادة الانطلاق من الصفر. فالنفي يبدأ حين تُصبح العودة إلى البلد الذي غادرته مُستحيلة، عندما يُصبح طريق العودة مُؤلما.