بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

قرار تارخي لحماية التراث الثقافي

cou_03_17_2347_01.jpg

مندوبي الدول لدى المؤتمر الدولي للسلام في صورة تذكارية على مدارج قصر هويس تان بوش بلاهاي (هولندا)، في 18 مايو 1899. © ملك عمومي، أرشيف بلدية مدينة لاهاي
في يوم 24 مارس 2017، اتخذ مجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة بالإجماع القرار رقم 2347 المتعلق بحماية التراث الثقافي. وهو قرار غير مسبوق. استغرق مسار هذه الفكرة ما يقارب القرن والنصف، ليتعجّل في السنوات الأخيرة. وفي هذا القرار ميلاد وعي جديد بدور التراث الثقافي في مجال الأمن.

كاترين فيانكان باكونغا

لقد أدّى تكاثف النزاعات المُسلّحة منذ الثمانينات، خاصة في آسيا الوسطى (أفغانستان والعراق) ثم في منطقتي الشرق الأوسط (سوريا) والساحل (مالي)، إلى تدمير متزايد للمواقع التاريخية وانتشار الاتّجار بالممتلكات الثقافية. وأمام  جنون داعش التدميري ، تحرّكت المجموعة الدولية بكل حزم ووسّعت نطاق الآليات التي تُمكّن من حماية الذاكرة الثقافية للإنسانية على أحسن وجه. وفي سنة 2017، أكدت، بصوت واحد، إرادتها السياسية في حماية التراث الثقافي العالمي، إذ يعترف القرار رقم 2347 لمجلس الأمن الدولي بشكل رسمي بأن الدفاع عن التراث الثقافي ضروري لضمان الأمن.
وقد استجوب الأمر فترة طويلة من الزمن حتى تتحول الفكرة الأولية المتعلقة بتحصين الممتلكات الثقافية زمن الحرب إلى هذا القرار التاريخي الذي يشهد على وعي عالمي جديد بدور الثقافة في صون الأمن.
بدأت القصّة منذ نهاية القرن التاسع عشر، لما اجتمعت خمسة عشر دولة أوروبية في بروكسل (بلجيكا) في 27 يوليو 1874، للنظر في مشروع اتفاق دولي بشأن قوانين الحرب وأعرافها. وينص الإعلان الذي صدر عن هذا الاجتماع بعد شهر من بداية انعقاده، في فصله الثامن، على أنه في زمن الحرب، «كل مصادرة، أو تدمير أو تخريب بصفة متعمدة لمعالم تاريخية، أو أعمال فنية أو علمية، يجب أن يقع تتبّعها من قبل السلطات المختصّة».
وبعد خمسة وعشرين سنة، وبمبادرة من قيصر روسيا نيكولا الثاني، انتظمت ندوة دولية للسلام في هولندا، سنة 1899، بهدف إعادة النظر في إعلان 1874 (الذي بقي دون مصادقة) ولتبني الاتفاقية الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية.
وكان هذا النص حافزا لتطوير القانون الدولي، كما وضع مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية. إذ ينص الفصل 27 من اللائحة على أنه «في زمن الحصار أو القصف، يجب اتخاذ كافة التدابير الضرورية لتجنيب المباني المُخصّصة للعبادة والفنون والعلوم من الضرر، قدر المستطاع (...) شريطة ألّا تكون، في ذات الوقت، مُستعملة في هدف عسكري. ويستوجب على المُحاصَرين أن يُعلموا عن صبغة هذه المباني وأماكن التجمّعات بعلامات واضحة وخاصّة يتمّ إشعار المُحاصِر بها مسبقا».
وبعد ثلاثة عقود، في سنة 1935، وفي مقدمة عهد روريخ، وهو مبادرة من الدول الأمريكية لحماية المؤسسات الفنية والعلمية والمعالم التاريخية، تمّ التنصيص على أن الممتلكات الثقافية «تُمثّل تراث ثقافة الشعوب»، وهو ما يجعل حمايتها واجبة «في الظروف الخطرة».
 


حملة النوبة منقطعة النظير، والتي تولّت تنسيقها اليونسكو (1960-1980)، هي التي أوحت بمفهوم التراث العالمي للإنسانية

اتفاقيات ومحاكمات سجلها التاريخ

وسُجّلت خطوة حاسمة بعد الحرب العالمية الثانية. ففي سنة 1948، عرضت هولندا على اليونسكو مشروع نصّ دولي جديد حول حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مُسلّح. وشرعت المنظمة في عملية صياغة اتفاقية دولية جديدة تمّ التصديق عليها في لاهاي (هولندا) سنة 1954.
المحافظة والاحترام هما المفردات الرئيسية في اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مُسلّح  لسنة 1954 والبروتوكول المصاحب لها. وأصبح من المعترف به دوليّا أن «الانتهاكات المُسلّطة على الممتلكات الثقافية، التابعة لأيّ شعب كان» تُعتبر «انتهاكات للتراث الثقافي للإنسانية بأسرها». كما تنص الاتفاقية على ضمان «حصانة الممتلكات الثقافية بواسطة حماية خاصّة»، بـشأن «عدد محدود من المخابئ المُخصّصة لحماية الممتلكات الثقافية المنقولة في حالة نزاع مُسلّح، ومراكز الأبنية التذكارية والممتلكات الثقافية الأخرى الثابتة ذات الأهمية الكبرى».
وفي نفس سنة 1954، قررت مصر بناء السد العالي بأسوان، وكان من المنتظر أن تغمر المياه وادي أعالي النيل وعددا كبيرا من معالم النوبة العتيقة التي يعود تاريخها إلى 3000 سنة. وبطلب من مصر ومن السودان، نظّمت اليونسكو حملة دولية للمحافظة على هذه المعالم، كانت من أشهر الحملات في تاريخ البشرية، وتواصلت من 1960 إلى 1980. وكانت حملة النوبة مصدر بعث الاتفاقية الخاصة بالمحافظة على التراث العالمي، الثقافي والطبيعي، المعروفة باسم اتفاقية 1972، التي حدّدت قائمة التراث العالمي للإنسانية. كما تنص الاتفاقية على تسجيل الممتلكات المهددة بمخاطر كبيرة، ومنها النزاعات المسلّحة القادمة أو المهددة بالإندلاع، في قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر.
استنادا إلى هذه النصوص وبالتعاون مع اليونسكو، تمكّنت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة من الحكم بسبع سنوات سجنا على القائد السابق للبحرية اليوغسلافية ميودراغ يوكيتش، سنة 2004. وكانت أول إدانة بسبب تدمير مُتعمّد للتراث الثقافي، إذ تمّ، بأمر منه، بين بداية أكتوبر ونهاية ديسمبر 1991، رمي مئات القذائف على مدينة دوبروفنيك، التي تمّ تصنيفها في نفس السنة تراثا عالميا مُعرّضا للخطر.
على إثر هذه النزاعات، أعادت اليونسكو النظر بمعية العديد من الدول المعنية، في اتفاقية 1954 وتولوا إعداد بروتوكول ثانٍ، تمّت المصادقة عليه سنة 1999. ويُقحم هذا البروتوكول نظاما جديدا لحماية مُدعّمة للممتلكات الثقافية ذات الأهمّية الكبرى والتي تستوجب أيضا حماية تشريعية ملائمة على المستوى الوطني، قادرة على زجر الخروقات الخطيرة للاتفاقية بالعقوبات المناسبة. والمعني بعبارة الخروقات الخطيرة هو السرقات والنهب والهجومات أو الأعمال التخريبية على الممتلكات الثقافية، وخاصة منها تلك التي تحظى بحماية مُدعّمة.
وحديثا، وبالتحديد سنة 2016، أدانت المحكمة الجنائية الدولية أحمد الفقي المهدي، جهادي مالي، في قضية جريمة حرب وحكمت عليه بتسع سنوات سجنا من أجل قيامه بتدمير عشرة معالم دينية في تمبكتو، سنة 2012، حينما كانت المدينة بين أيادي أنصار الدين، وهي مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة. الحكم كان تاريخيا، إذ لم يحصل في السابق اعتبار تدمير التراث الثقافي  كجريمة حرب.
وقد وضحت إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو، أن «المنظمة رفعت مباشرة إثر التدمير، قضية لدى المحكمة الجنائية الدولية حتى لا تبقى هذه الجرائم دون عقاب». وقامت اليونسكو بعديد الإجراءات، بدءا بتوفير معطيات طوبوغرافية للقوات المسلحة، وصولا إلى إعادة بناء الأضرحة المدمرة. ولأوّل مرّة في التاريخ، يتمّ تسجيل المحافظة على التراث الثقافي لدولة ما في مذكرة تكليف لبعثة أممية (القرار رقم 2100) وتم تكليف البعثة المندمجة متعددة الأبعاد في مالي بـ«حماية المواقع الثقافية والتاريخية للبلاد من كل الهجمات، بالتعاون مع اليونسكو».


قبل وبعد. معبد بعل بتدمر، أحد أكثرالآثار رمزيّة في سوريا، تمّ هدمه من قبل داعش في أغسطس 2015

منعرج 2015

مثّلت سنة 2015 منعرجا في تعامل المجموعة الدولية تجاه التراث الثقافي. وبتشجيع من اليونسكو، صادق ما يُناهز عن خمسين دولة، في شهر فبراير، على القرار رقم 2199 لمجلس الأمن (انظر المقال ص. 12)، الذي يُحجّر الاتّجار بالممتلكات الثقافية الواردة من العراق ومن سوريا. واعتبرت إيرينا بوكوفا، أن هذا القرار «يعترف بأن التراث الثقافي يقع اليوم في الخط الأمامي للنزاعات، وأنه يلعب دورا من الدرجة الأولى في إعادة الأمن وبلورة مخرج سياسي للأزمة».
بعد شهر، وإيمانا منها بفعالية «القوة الناعمة»، أطلقت اليونسكو حملة في بغداد (العراق) عبر الشبكات الاجتماعية، #متحدون مع التراث، بهدف جمع شباب العالم حول قيم التراث الثقافي وحمايته.
وفي غرة سبتمبر 2015، نشر معهد الأمم المتحدة للتكوين والبحث صورا فضائية تُظهر أن معبد بعل شامين في تدمر تمّ محوه من قبل جهادي داعش. وهذا يعني أن الحرم الرئيسي لهذا الموقع السوري الذي ينتمي إلى التراث العالمي قد دُمّر تماما! ومباشرة بعد ذلك، عبّرت إيطاليا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن فكرة بعث وحدات من «القبعات الزرقاء للثقافة». وفي فبراير 2016، أبرمت هذه الدولة مع اليونسكو اتفاقية تسمح ببعث أول وحدة خاصّة في العالم مُكلّفة بحماية التراث الثقافي الذي يمرّ بوضع طارئ. وتتألّف هذه الوحدة من خبراء مدنيين وجنود من قوات الكرابينياري الإيطالية مختصّين في مقاومة الاتّجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
ونظمت الإمارات العربية المتحدة بدورها ندوة دولية، بالاشتراك مع فرنسا وبرعاية اليونسكو، حول حماية التراث الثقافي في مناطق النزاع، جمعت في ديسمبر 2016 في أبوظبي، أكثر من 40 دولة  أكدت على «عزمها المشترك على المحافظة على التراث الثقافي المعرّض للخطر، وحمايته من التدمير والاتّجار غير المشروع»، وذكّرت بأن الاتفاقيات المتعاقبة منذ 1899 «تفرض علينا حماية الأرواح البشرية وكذلك الممتلكات الثقافية».
واعتبرت إيرينا بوكوفا أننا نعيش بلورة «مشهد ثقافي جديد»، وبروز «وعي عالمي جديد»، وميلاد «نظرة جديدة للصلة بين السلم والتراث». وأتت المصادقة بالإجماع على القرار 2347 لمجلس الأمن الدولي، في 24 مارس 2017، لتؤكد هذه القناعات.
ويندرج هذا القرار في سياق ندوة أبوظبي الدولية، حيث استوحى منها اثنين من أهم المكاسب  العمليّة : بعث صندوق دولي وتنظيم شبكة ملاجئ للممتلكات الثقافية المُهدّدة. كما يُبرز العلاقة بين تهريب الممتلكات الثقافية وتمويل المجموعات الإرهابية، وكذلك بين الإرهاب والجريمة المُنظّمة.
لأوّل مرّة في التاريخ، يُخصص قرار أممي لجملة التهديدات التي تستهدف التراث الثقافي، دون تقيّد جغرافي وبقطع النظر عن مقترفي الجرائم، سواء كانوا مجموعات إرهابية مُسجّلة في قائمات منظّمة الأمم المتحدة أو كيانات مُسلّحة أخرى.

 

 

كاترين فيانكان باكونغا

ولدت كاترين فيانكان باكونغا في جنيف (سويسرا) من أب أصيل جمهورية كونغو الديمقراطية وأم بلجيكية. وهي مديرة المجلة السويسرية كالفين ماغ، ومراسلة القناة التلفزية الفرنسية فرانس 24، ومنتجة ومقدمة تحقيقات تلفزية.