بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

كسر دورة الانتقام

cou_03_17_gac_01.jpg

لقاء بين شبان كمبوديين وكنغوليين، عند عرض “سي يو ياسترداي” في مخيم اللاجئين في كيجام، رواندا
حتى يشجع سكان المناطق التي عانت النزاعات على مراجعة ماضيهم المؤلم لبناء مستقبل أفضل، يستخدم فريق غلوبل آرتس كوربس الفن المسرحي كحافز للحوار. وبمساعدة منه، قدمت مجموعة من المسرحيين الكمبوديين عروضا في رواندا أمام جمهور متكون من أشخاص عاشوا تجارب صادمة مماثلة لما عاناه الشعب الكمبودي. وولد هذا اللقاء فائدة مشتركة من خلال التفاهم والتعاطف.

ماري أنجليك إنغابير

في يوليو 2016، سافر تسعة عشر فنانا من الشباب الكمبودي إلى رواندا للمشاركة في مهرجان أوبومونتو للفنون. وقدموا  العرض الأول لإنتاجهم بعنوان «أراك يوم أمس»، وهو مزيج من فنون المسرح والرقص والسيرك، في فضاء مدرج شيّد في ساحة النصب التذكاري للإبادة الجماعية في كيغالي. وكانت فرصة نادرة لهؤلاء الكمبوديين من الجيل الثاني الذين-نجوا من الإبادة الجماعية على أيدي الخمير الحمر (1975-1979)، للحوار مع جمهور نجا مثلهم من إبادة جماعية حصلت في رواندا.
وقد جمع هذا المهرجان الفني فرقا من ثمانية عشر بلدا مختلفا، عانى جميعها من صراعات عنيفة. وفي بلد مثل رواندا، حيث هلك مليون شخص خلال الإبادة الجماعية سنة 1994، أضحى مفهوم الإنسانيّة هشا إلى درجة أن عودة الأمل تتطلب جهودا جبارة.
وشاركت الفرقة الكمبودية برعاية من غلوبل آرتس كوربس وهي مجموعة دولية متكوّنة من فنانين محترفين، تستخدم قدرة الفن المسرحي على التغيير لتعيد لم شمل السكان من مختلف المناطق بعد نهاية النزاع.
يقول مايكل ليساك، المؤسّس المشارك والمدير الفني لفريق غلوبل آرتس كوربس: «بفضل التمرينات، يكتشف الممثلون في البداية روايات عن أشخاص  تعلموا الخوف والازدراء والكراهية، ثم يمرون إلى انتاج جماعي لقصة واحدة، تكون منصفة ومقبولة من طرف الجميع، تجسّد وقائعهم المتعددة.»
ليساك، مسرحي وسينمائي أمريكي معروف، أنتج وأخرج المسرحية العالمية «تروث إن ترانسلايشن» الحائزة على عدة جوائز والتي تتناول موضوع لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا. أنتجت المسرحية بالاشتراك مع ماركت ثياتر في جنوب أفريقيا، وعرضت في ستة وعشرين مدينة في أحد عشر بلدا حول العالم. وكانت نقطة انطلاق مشروع  غلوبل آرتس كوربس الذي أسسه ليساك مع زوجته جاكلين برتراند سنة 2009.
ويأمل فريق غلوبل آرتس كوربس الذي قدم إنتاجه المسرحي من رواندا إلى كوسوفو، ومن كمبوديا إلى إيرلندا الشمالية، في أن تكون التجارب المعروضة مرآة تعكس وضع كل جمهور، مهما اختلفت الوقائع التي عاشها. وتم تقديم هذه العروض حتى الآن  في سبعة عشر بلدا على أربع قارات أمام ما يقارب 100 ألف مشاهد، وساعدت على عقد حلقات مصالحة لأكثر من 15 ألف شخص في مناطق ما بعد النزاع.
ومن خلال الشراكة مع منظمات غیر حكومية وتدریب النشطاء والمعلمين والفنانين المحليين، يسعى الفريق لضمان أن يتواصل هذا العمل لما يكون قد انسحب من الساحة. فيتم تصوير مجمل الأنشطة المتعلقة بكل إنتاج، من تمرينات وعروض وحوارات، بهدف بناء أرشيف تعليمي متكامل، تستند إليه مجموعة المسرحيين الذين تم تأهيلهم ليتولوا مساعدة الأشخاص الناجون من النزاعات العنيفة.
ويقول ليساك إنّ استخدام المسرح المحترف لدعم مبادرات المصالحة «لم يكن عملية سهلة في البداية. لم تكن للشباب أية رغبة في الحديث عن الماضي. لذلك استغلوا مهاراتهم الجسدية الفائقة للانتقال بشكل خلاّق إلى الماضي ولمحاولة استيعاب معاناة الجيل السابق خلال فترة الإبادة الجماعية.»
بعد المهرجان، انتقلت الفرقة الكمبودية إلى جنوب رواندا وقدمت عروضها في مخيم كيجيم الذي يأوي نحو 20 ألف لاجئ أصيلي جمهورية كونغو الديموقراطية التي أنهكتها الحرب الأهلية والمجاعة على مدى عشرين سنة. وتم العرض على خشبة مسرح مؤقتة نصبت في حقل واسع، طوال ثلاثة أيام متتالية أمام جمهور ازداد عدده يوما بعد يوم. كما نظم فريق غلوبل آرتس كوربس ورشات عمل الشباب اللاجئين  بعد انتهاء العروض.
وبالنسبة للشباب الكمبودي، والبعض منهم من أطفال الشوارع، فقد تم تدريبهم-على الألعاب البهلوانية من طرف جمعية فير بونليو سيلباك التي أنشئت سنة 1992 في مدينة باتامبانغ. واستخدم مؤسّسو الجمعية  مهاراتهم في ألعاب السيرك لمساعدة الأطفال في مجتمعاتهم المحلية على تغلب على مشاكلهم المتأتية من ماضي آبائهم الداكن.

التعاطف يساعد على الشفاء

أتاح هذا اللقاء الذي جمع أشخاصا أصيلي بلدان  تعرضت الى نوعين مختلفين تماما من الإبادة الجماعية، أن يدرك الأفراد من كلا الجانبين أنهم ليسوا وحيدين في معاناتهم وأنه لا داعي للخجل مما عاشوه. وقال صبي إنّه أُجبر على ضرب سجين لما كان في كونغو، في نفس الظروف التي مثل أظهرها مشهد من العرض المسرحي. كما انبثقت شهادات مماثلة من الحضور.
وكان رد فعل خون ديت الذي شارك في تأسيس السيرك الكمبودي، وهو يعمل الآن مع  غلوبل آرتس كوربس، مؤثرا للغاية. لمّا رأى الأطفال الكونغوليين يتسارعون للترحيب بالجماعة الكمبودية، عادت إليه ذكريات طفولته في مخيم للاجئين على الحدود التايلندية بعد انهيار نظام الخمير الحمر، ويقول: «كنا سعداء جدا لرؤية الغرباء... تلك الرؤية أثلجت صدري.»
«إن الحديث عن ماضينا، مهما كان مظلما، هو وسيلة لعلاج جروحنا. كما أنه أفضل طريقة لمساعدة الأجيال القادمة على التّعلم من أخطاء الماضي حتى لا يتكرر ذلك أبدا.» هذا ما قاله إنوسنت مونيشوري، وهو ممثّل روندي شاب روى العرض الكمبودي بلغة كينيارواندا، وهي لغة محليّة يتحدثها الكونغوليون أيضا.
يأمل فريق  غلوبل آرتس كوربس في خلق التعاطف بين أعضاءه من خلال استكشاف هوياتهم المختلفة، و يقول ليساك في هذا الصدد: «يجب تنمية القدرة على التعاطف من خلال تفهم وجهة نظرالغير تماما كما لو كانت وجهة نظرك، وإلّا فأنت لا تعرف من أين أتيت ولن تفهم الناس المحيطين بك.»
أوّل من يستفيد من أعمال الفريق هم الممثلون الذين نشأوا في مجتمعات ما بعد النزاع. ويوضّح أربين باجراكتاراج، وهو ممثل ألباني وأحد المدربين في الفريق، كيف أن التعاطف يساعد الفنانين على البعث في نفوسهم الشعور بالأمان: «التعاطف هو عملية اكتشاف، وهو أهم شيء في مسارنا الابداعي. لا بد من التخلص من الأحكام المسبقة للوصول الى اكتشاف الصورة الحقيقية، ولتغيير نظرتنا للعالم. ولا يتحقق ذلك إلّا بالإطلاق التام لمواهبنا.»

شيء من السيرك، وشيء من المسرح

وينوي  غلوبل آرتس كوربس إنجاز مشروع ضخم يمزج بين المسرح والسيرك، يشارك فيه أشخاص عانوا من محنات  متشابهة في الماضي ليعودوا إلى ماضيهم بحثا عن مصدر غضبهم وأفكارهم المسبقة، ومن ثمّ نسج رواية تستقي الحقائق من كافة الجوانب. وحسب ليساك، سوف يؤدي المشروع إلى بناء أسس متينة للمصالحة.
ويهدف المشروع إلى تشريك مجموعات اللاجئين في كل من ألمانيا وفرنسا، وعددهم في تزايدد مستمر. أمّا في كولومبيا، فسيشمل المتمردين السابقين الذين هم في طور الإدماج في المجتمع، بعد أن قضوا سنوات عديدة في الغابة. وسيشارك أيضا  فنانون شبان، في مجالي المسرح والموسيقى، من مدينة  فلينت بمقاطعة ميشيغان (الولايات المتحدة). أما في الشرق الأوسط وفي الأرجنتين، فسيتم تسليط الضوء على نشاط الحركات النسائية التي تعني بالسلام والهوية، في الماضي والحاضر.
ويعترف ليساك أنه «ليس في وسع الفريق ولا من نواياه تغيير العالم» مضيفا: « بإمكاننا البدء في فتح مسالك جديدة لتيسير سبل التواصل بين شباب أتوا من ثقافات ونزاعات مختلفة في كل أنحاء العالم، وذلك من خلال تشريكهم في العمل المسرحي وتوفير آليات تساعدهم على إدراك حقيقة أوضاعهم بعد نهاية النزاعات. ونأمل أن يساعدهم ذلك على كسر دورة الانتقام التي لا تزال تنخر ضمائرهم.»

 

ماري أنجليك إنغابير

ماري أنجليك إنغابير هي صحافية رواندية تقيم في باريس. عملت في التلفزيون العام في رواندا، كمقدمة ومنتجة لبرامج سياسية وتربوية. كما تنظم ورشات عمل حول حرية التعبير في المدارس الفرنسية.