زاوية كبرى

أزمة المياه في أنغكور

bd_site_0668_0058_1.jpg

Chaque année, 2,5 à 3 millions de touristes visitent le temple d’Angkor.
© UNESCO / Eric Esquivel
هل وقع كلّ من معلم أنغكور ومدينة سيام ريب ضحية نجاحهما؟ فأمام تَفاقم عدد السّكان والنمو السياحي، أصبحت المحافظة على النظم البيئية الأرضية مهدّدة والموارد المائية غير كافية. وقد إضطرّت السلطات إلى الإلتجاء إلى استخراج المياه الجوفية لتغطية الاحتياجات، ممّا أدّي إلى إنهيار التربة في هذا الموقع المُدرج في قائمة التراث العالمي. وتقوم اليونسكو، بالتشاور مع الخبراء الدوليين والسلطات المحلية، بدراسة إمكانية ضخّ المياه من مَحميّة المحيط الحيوي تونله ساب، لضمان إستغلال الموارد المائية بطريقة مستدامة على المدى البعيد ووضع حدّ لِتدهور التربة. 

شامرون سوك

يمتدّ مجمّع أنغكور، الذي يعدّ من مجمّعات المعابد والمعالم التاريخية المهدّمة الأكثر جاذبية في العالم، على أكثر من 400 كيلومتر مربّع وسط الحديقة الأثرية التي تحمل  نفس الإسم، وهو يحظى بحماية اليونسكو. ومنذ أن تمّ فتحه للجمهور، أي منذ حوالى ربع قرن، يستقطِب الموقع عددا متزايدا من السيّاح. فقد تدفّق إلى هذا المعلم الاستثنائي، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى القرون الوسطى، أكثر من أربع ملايين زائر خلال العام الماضي، من بينهم مليونان ونصف من الزوّار الأجانب، الأمر الذي أثقل العبء بصفة معتبرة على الموارد المائية الشحيحة في المنطقة.

ومن المحتمل أن يذهب ضحيةً لهذا النجاح مجمّعُ أنغكور بأكمله، بما في ذلك المئة وإثنتي عشرة قرية والغابات التي يحتويها، وكذلك مدينة سيام ريب المجاورة له والتي توسّعت في الفترة الأخيرة بفضل الإنطلاقة التي تشهدها السياحة.

وفي ظرف لا يتعدى العشرين سنة، تحوّلت هذه المنطقة الإقليمية الهادئة إلى تجمّع سكّاني مضطرِب، ذلك أن عدد السكان ظلّ يتزايد حتى فات المليون نسمة، بالإضافة إلى وفود السيّاح الذين يعتمد عليهم إزدهار المنطقة. وتتمتّع المنطقة حاليا بمطار دولي، وبأكثر من مئة فندق، وبعدد كبير من المطاعم، والمقاهي، والأسواق والمحلات التجارية. إلاّ أن المروج الخضراء التابعة للفنادق ذات النجوم الخمس، والفخامة الصّارخة للمباني المشيّدة حديثا، فضلا عن ملعب الغولف الرائع، تتطلب جميعها تكاليف باهظة.

مياه جوفية مهدّدة

يعاني إقليم سيام ريب من عجز مائي يقدَّر بحوالي 300 مليون مِترا مُكعّبا سنويا. وحتّى تتمكّن مصلحة المياه في سيام ريب من الإستجابة لمتطلّبات هذا النمو المفرط وتغطية احتياجات السكان اليومية، يتعيّن عليها استخراج 27.900 مِترا مُكعّبا من المياه الجوفية كل يوم. ومن الأسباب الأخرى التي تهدّد مستوى المياه الجوفية، قيام الفنادق وغيرها من المحلّات التجارية بحفر الآبار وضخّ المياه لاستخدامها الخاص، في كامل أنحاء المدينة وبدون ترخيص قانوني.

وتقع الطبقة المائيّة في سيام ريب على عمق حوالي خمسين مترا، وهي بالتالي سهلة المنال. ويعرّض الضخُّ غير المشروع للمياه، الذي يبقى حجمُه الحقيقي مَجهولا، قاعدةَ المعابد والأبراج في أنغكور للخطر. فقد تمّ تصميم هذه الكنوز الهندسية لترتكز على طبقة من التراب استقرارها مضمون بفضل وفرة المياه الجوفية بصفة مستمرّة وتأقلمِها مع المواسم.

وقد يتسبّب إنهيار الأرض في أضرار لا تحصى في المعابد الّتي صمَدت، على مدى ألف سنة، في وجه نزوات الطبيعة والنزاعات. ويشكل ضخ المياه الجوفية أحد الأسباب الأكثر شيوعا في حالات إنهيار الأرض المنسوبة للأنشطة البشرية، عِلما بأن إنهيار الأرض أمر لا رِجعة فيه، حتّى لو تمّت تغذية طبقة المياه الجوفية من جديد. وعلى الرّغم من أنّه لم تُسجّل حالات إنهيار خطيرة في أنغكور، وأنّه لم يتِمّ تحقيق أيّة دراسة حول هذا الموضوع، يبقى إحتمال وقوع مثل هذه الكارثة في يوم من الأيام في معلم التراث العالمي هذا.

وقد ساهمت السياحة، التي تمثّل أكثر من 16٪ من إجمالي الناتج المحلي في كمبوديا، في تراجع نسبة الفقر خلال العشرين سنة من السلام اللّتي تلت ثلاثة عقود من النزاعات. ورغم محاولة حكومة مملكة كمبوديا الحدَّ من عدد السكان في هذه المنطقة، إلاّ أنّه يُستبعد أن يتِم منع سكان القرى المجاورة من الاستفادة من فرص العمل المرتبطة بالسياحة والمتاحة في هذا الإقليم.

ولمواجهة هذا التحدي وتوفير المياه الضرورية للمنطقة مع الحرص على ضمان استقرار المعابد، تعاونت اليونسكو مع الجهات المعنية وهي لجنة التنسيق الدولية لحماية موقع أنغكور التاريخي وتنميته
(CIC – Angkor)، وجمعٌ من الخبراء التقنيين في مجالات متنوّعة، والهيئة المعنية بحماية وإدارة موقع أنغكور وإقليم سيام ريب (APSARA)، والإدارة الوطنية المكلّفة بالموقع. وقد بدأت الجهود التي تبذلها هذه الهيئات المسؤولة عن تحقيق التنمية المستدامة للموقع تأتي ثمارها.


© Hang-Peou / Eric Frogé

موارد بحيرة "تونله ساب"

ومن بين الحلول المحتملة، ضخ المياه من بحيرة تونله ساب المجاورة (البحيرة الكبرى). وهذه المساحة المائية التابعة لمحميّة تونله ساب للمحيط الحيوي، وهي منطقة تتمتّع بمواصفات بيئية إستثنائية وتضمّ تنوّعا حيويا خارِقا للعادة، هي أوسع مساحة من نوعها في منطقة جنوب شرق آسيا، وتُعتبَر من أهم النُّظم البيئية الرطبة في العالم. وتشهد النقوش على حيطان معبد بايون في أنغكور على الثروة الحيوانية والنباتية لهذا الموقع. ويستعمل الكمبوديون أنواعا عديدة من نباتات محمية تونله ساب لأغراض طقُسية أو طِبية. كما يستمِدّ مليونا كمبوديّا قُوتَهم من منتوجات صيد الأسماك في مياهها العذبة، التي تُعدّ من الأكثر إنتاجية في العالم، مع مَحصول سنوي يفوق 250.000 طن.

وسوف يتعيّن على الحكومة الكمبودية تقييم الأثر البيئي الذي قد ينجرّ عن مشروع ضخ المياه لصالح سيام ريب، قبل الموافقة عليه. فمحميّة المحيط الحيوي هذه، التي تشكّل مَهد بحيرة تونله ساب، لها أهمية فائقة بالنسبة للكمبوديين. وللحوض أيضا دور في تعديل فيضانات نهر الميكونغ، ذلك النهر الضّخم الذي يغذّي خمسة بلدان أخرى في منطقة جنوب شرق آسيا. ففي كلّ عام وخلال فصل الأمطار، يعلو مستوى نهر الميكونغ إلى حدٍّ تنعكس فيه وِجهة إنسياق المِياه : فيصبح الميكونغ ينْصَبّ في نهر تونله ساب الذي، بِدورِه، بدَل أن يمتصّ مِياه البحيرة كما هو مُعتاد في مواسم الجفاف، يعكس وِجهتَه نحوَها. وهذه الظاهرة تجعل من نهر الميكونغ النهر الكبير الوحيد في العالم الذي تنعكس وجهةُ مسارِه مرّتين في السنة. ويؤدّي ارتداد المياه السنوي هذا إلى ارتفاع مستوى البحيرة بعدّة أمتار، فتغمُر السهلَ الفيضاني كما تتضاعف مساحتُها الإجمالية بخمس مرّات.

وتُعتَبر تسمية موقع تونله ساب وسهله الفيضاني "محميّة للمحيط الحيوي" في إطار برنامج الإنسان والمحيط الحيوي لليونسكو، كإحدى أهم التجارب الناجحة في مجال الحماية في العالم، إذ سمحت، منذ انطلاق جهود الحماية في عام 1999، بإعادة توليد أنواع متعدّدة من الطيور المهدّدة بالإندثار.

كفّا عن تراكم النفايات!

يتسبّب النمو السنوي للقطاع السياحي، البالغة نسبته حوالى 20٪ في تفاقم التلوّث البيئي. وتبقى مشكلة النفايات همّا مستمرّا، على الرغم من عملية الكنس المنتظمة لجزء كبير من المعابد. وتشكِّل أكوام النفايات مشهدا شائعا في سيام ريب، حيث اعتاد الجميع، سُكّانا كانوا أم سيّاحا، تفريغ علب القمامة ومياه المجاري مباشرة في النهر. ويتذمّر السكان الذين يعيشون على ضفاف النهر من وضعيتهم، فهم مرغمون على الإمتناع من استخراج الماء من النهر أو من الاستحمام فيه بسبب قذارته. فيتحسّرون على الزّمن الذي كانت فيه المياه نقية لدرجة أنهم كانوا يشربونها. كان ذلك منذ إثني عشر عاما. أمّا اليوم، فالمياه أصبحت عكرة ورائِحتها كريهة.

 

 

وإن نَجى "بنوم كولين" (أو جبل "ليتشي")، الواقع على بعد أربعين كيلومترا من "أنغكور فات"، من حشود السيّاح الغفيرة الّتي تتدفّق في المعابد يوميّا، فهو يعاني من تقلّص غاباتِه من جراء قطع الأشجار، في حين أن العيون الجارية في تلك المناطق الغابية تساهم في تغذية نهر سيام ريب وبحيرة تونله ساب. إن قطع أشجار الغابات بصفة غير قانونية لتعويضها بأشجار جوز الكاجو والفاصوليا المُدِرّة للدخل، يسبّب إختلالا في التوازن البيئي المائي ويؤثّر سلبيا في إنتاجية صيد الأسماك.

مشروع إقليمي

وبعثت اليونسكو في الفترة الأخيرة مشروعا رائدا «لتعزيز وإعادة تأهيل النظم المائية في موقع أنغكور للتراث العالمي ومدينة سيام ريب». والغاية من هذا المشروع، الذي يستند على مقاربة عِلميّة لمفهوم الاستدامة، اقتراح حلول وإحداث تغيير دائم في التّفاعل بين المجتمع والبيئة. وسيتمّ تعزيز الأطر السياسية، والقانونية، والمؤسساتية، فضلا عن تشجيع إقامة علاقات التعاون، وشبكات التكوين، والأنشطة المصوّبة نحو تنمية القدرات في المنطقة المعنيّة وعلى المستويين الإقليمي والوطني. وأما على الصعيد المجتمعي، فترمي الجهود إلى إستيعاب مفهوم الاستدامة إبتداء من طريقة إستغلال المياه بين المدينة وضواحيها.

وسيتمّ إطلاق حملة تحسيسية لتوعية سكان سيام ريب حول انعكاسات تقلّص المياه الجوفية على معلم أنغكور وحول تأثير إزالة الغابات على محميّة تونله ساب للمحيط الحيوي.

ويبقى تحقيق التنمية المستدامة في إقليم سيام ريب مشرُوطا بإرساء تعاون حقيقيّ بين الحكومة، والجهات المعنية والسكان. ويمكن للدولة أن تفرض احترام القرار الذي سبق أن إتّخذته والقاضي بمنع استغلال الخشب في جبل كولين.

أساتذة في الهندسة المائية

وحتّى يتمّ التوفّق إلى الحل المناسب لمسألة إستغلال المياه، لا بدّ من توفير بيانات دقيقة في مجالات هامّة مثل حجم الضخ، ومستوى المياه الجوفية، ومعدّل إعادة تغذيتها، وتعميم هذه البيانات على مختلف الهيئات المحلية والوطنية المعنية لتتمكّن بالتالي من تقدير الموارد المائية المُتاحة في المنطقة وتخطيط استغلالها. وقد تسمح بيانات الضخ بتحديد الاحتياجات من المياه الجوفية بصفة دقيقة، وفي حال تخطّي الحدود الحرِجة، بتحذير محطات الضخ والسكّان حتّى يكفّوا عن استخراج المياه لحين استعادة مستوى طبقات المياه الجوفية، وذلك عبر نظام مراقبة معيّن.

وتجدر المبادرة أوّلا بتلقين السكّان عدم رمي نفاياتهم في النهر. كما يمكن إعادة تأهيل نهر سيام ريب ليصبِح، في نفس الوقت، محلاّ للإستقطاب السياحي ومنطقة مستدامة للتزوّد بالمياه السطحية. ويمكن ترميم معابد أخرى في ضواحي أنغكور بهدف حماية هذا الموقع من التّردّي من جرّاء تفاقم الحركة السياحية

وقد بيّنت البحوث التي أُجرِيت حديثا، أنّ شعب الخمير الذي شيّد أنغكور منذ ألف سنة، كان يعدّ من عباقرة الهندسة المائية. وقد سعى الحكّام في ذلك العهد، شأنهم شأن محافظي مدننا العصرية، لحماية السكّان من الفيضانات في موسم الأمطار، ولتوفير المياه للإستخدام المنزلي والزراعة في مواسم الجفاف، وذلك بتشييد مجموعة من الهيكليات الهيدرولية إعتمدت عليها هذه الحضارة على مدى ستة قرون. وقد اشتملت هذه الأشغال الهندسية البارعة على أحواض إصطناعية، وقنوات لتجميع مياه الأمطار وتوزيعها، ومخازن لمياه الري، وأحواض من اللاتيريت، وخنادق، وجسور وسدود.

وأنجزت مصلحة إستغلال الموارد المائية في الهيئة المعنية بحماية وإدارة موقع أنغكور وإقليم سيام ريب (APSARA) بحوثا نظرية وعملية على مدى ثماني سنوات بهدف إعادة تأهيل النظام المائي القديم لأنغكور. فأصبحت الخنادق المحيطة بمعبدي "أنغكور ثوم" و"أنغكور وات" مرمّمة و مليئة بالمياه من جديد، بعد قرون من الجفاف.

شامرون سوك

شمرون سوك (جمهورية كوريا وكمبوديا) متحصّل على شهادة دكتوراه في الهندسة العمرانية والبيئة وإختصاصي في إدارة الموارد المائية. وقد شغل منصب مستشار لدى مكتب اليونسكو في بنوم بنه من 2015 إلى 2016