زاوية كبرى

الثقافة في صميم أهداف التنمية المستدامة

bd_reza_01_0723_16816.jpg

© REZA / Webistan
تعتبِر اليونسكو أن الثقافة هي التي تُترجم كِياننا، وأنها العنصر المُؤسس لهويّتنا. فترسيخ الثقافة في صميم سياسات التنمية هو السبيل الوحيد لتحقيق تنمية تتمحور حول الإنسان، تكون شاملة وعادلة.

يوتي هوسغرهار

تمّ إدراج الثقافة لأول مرة في جدول الأعمال الدولي للتنمية المستدامة، وذلك ضمن أهداف التنمية التي اعتمدتها الأمم المتحدة في سبتمبر 2015. ولقد ابتهجت اليونسكو بهذه الخطوة وحيّت هذا «الإعتراف غير المسبوق».
إن حماية الثقافة وتطويرها هما، في نفس الوقت، غاية في حدّ ذاتها ووسيلة للمساهمة المباشرة في تحقيق جزء كبير من أهداف التنمية المستدامة : مدن آمنة ودائمة، شغل لائق ونموّ اقتصادي، تقليص في الفوارق، حماية للمحيط، مساواة بين الجنسين، مجتمعات سلمية وشمولية... لكن العمل بأهداف التنمية يسمح أيضا بجني فوائد غير مباشرة من الثقافة.
ففي أهداف التنمية المستدامة مصادقة على مفهوم جديد للتنمية، يتجاوز هدف النمو الاقتصادي البحت، ليرسم المستقبل المنشود الذي يرتكز على الإنصاف والشمولية والسلام وديمومة البيئة. وهذه النظرة الجريئة تستوجب تفاعلات خلّاقة تتجاوز المقاربات السطحية والقطاعية التي تعوّدت عليها جلّ الدول منذ عقود.
وإذا حصرنا محورة هذه الأهداف حول الأسس الثلاثة للتنمية المستدامة، الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أدركنا الدور المشترك الذي يؤمّنه، في كلّ منها، البعدان الثقافي والإبداعي. وفي المقابل، تساهم أيضا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية المستدامة في المحافظة على التراث الثقافي وفي تغذية القدرات الابتكارية.
ويشكّل كلّ من التراث الثقافي المادي وغير المادي، والطاقة الإبداعية، موارد يجب حمايتها وإدارتها بكل عناية. فكل منها قادر على أن يكون مُحرّكا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة  وعلى  تيسيرها، باعتبار أن المقاربة الثقافية هي عنصر أساسي لإنجاح المجهودات المبذولة لبلوغ هذه الأهداف.
مُدن شمولية
للثقافة دور حاسم في بلوغ الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة، الرامي إلى «العمل على أن تكون المدن والمؤسسات البشرية مفتوحة للجميع، مرِنة ودائمة». وتتضمّن الفقرة 11.4، دعوة إلى «تعزيز الجهود لحماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي والمحافظة عليه».

ولم تنتظر اليونسكو المصادقة الرسمية على هذا الهدف سنة 2015، للتحرّك في هذا الاتجاه. فمنذ إعلان هانغجو الداعي إلى «جعل الثقافة في صميم سياسات التنمية المستدامة» المعتمد خلال المؤتمر العالمي الذي نظّمته اليونسكو سنة 2013 في هذه المدينة الصينيّة، ثمّ بيان هانغجو الختامي سنة 2015، بقيت اليونسكو مصرّة على ضرورة التركيز على الجانب الإنساني في المدن، كما ساهمت بشكل فاعل في إعداد برنامج الأمم المتحدة الجديد للمدن. 

ويرسم هذا البرنامج، الذي صادقت عليه جميع الدول المشاركة في المؤتمر الثالث للإسكان في كيتو (الإيكواتور) في أكتوبر 2016، خارطة طريق غايتها توجيه التنمية الحضرية المستدامة وتطوير مدن العالم خلال السنوات العشرين القادمة. وقد أصدرت اليونسكو بهذه المناسبة تقريرا تحت عنوان "الثقافة: المستقبل الحضري"، الذي يُعطي نظرة شاملة حول صيانة التراث الحضري والمحافظة عليه وإدارته، وكذلك حول تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية.
وعلى سبيل المثال، فإن إعادة تهيئة المباني المهجورة والمُتضرّرة في نابلس بفلسطين قد خلقت فرصا جديدة للتجمعات المحلية. فقد تمّ تحويل مبنى خان الوكالة القديم إلى فضاء عمومي مُتعدّد الخدمات يحتضن أنشطة ثقافية مختلفة. وتمنح مثل هذه المبادرات إمكانيات جديدة للسكّان وتُعيد إحياء الاقتصاد المحلّي. ذلك أن تشريك الأفراد والمجموعات المختلفة في وضع المشاريع يشجّع على تماسك المجتمع، وفي ذلك مساهمة في نيل الهدف 17 للتنمية المستدامة حول دور الشراكة في تحقيق أهداف التنمية.
أمّا السياحة، فهي قطاع إقتصادي يشهد نموّا سريعا على كل المستويات، الوطني والإقليمي والدولي. وتُمثّل السياحة الثقافية 40 % من مداخيل السياحة العالمية. ولهذه المرابيح تأثير إيجابي على مُجمل أهداف التنمية المستدامة، وخاصة منها الهدف 8 الرامي إلى تحقيق الشغل اللائق والنموّ الاقتصادي. ذلك أن الإدارة الرشيدة للتراث الثقافي تجلب استثمارات سياحية دائمة تنتفع منها الجماعات المحلّية دون الإساءة إلى المناطق التراثية.
الثقافة، عامل تنوّع
تُعتبر الصناعات الابتكارية والبنية التحتية الثقافية موارد ثمينة لتوفير وسائل العيش، خاصة في الدول النامية الثرية في مجال الصناعات الابتكارية. كما تُمثّل النساء جزءا هامّا من العاملين في القطاع الثقافي، وفي ذلك مساهمة في تحقيق الهدف 5 :المساواة بين الجنسين.
ويمثل تشجيع تجارة المنتوجات والخدمات الثقافية حافزا للأسواق المحلية والوطنية، كما يُساعد على خلق مواطن شغل لائقة (الغاية رقم 8.3 والغاية رقم 8.5 من الهدف 8 للتنمية المستدامة) وعلى دفع الإنتاج المحلّي. وتساهم السياسات الثقافية التي تكرّس التعامل التفاضلي مع المنتوجات المحلّية على تقليص الفوارق داخل الدول وفيما بينها (الهدف 1).
وفي هذا الصدد، يعتبر مشروع "المسرح الأرجنتيني دي لا بلاتا" في بيونس آيرز، نموذجيا. فبفضل تمويل من الصندوق العالمي للتنوّع الثقافي، تمّ تمكين ما لا يقل عن 610 من الشباب والكهول العاطلين عن العمل من التكوين في مجال إدارة العروض وغيرها من المهن المتعلّقة بالفنون الركحية. وبهذا التكوين، أصبح لهم من الكفاءة ما أهّلهم لإيجاد مواطن شغل أو لبعث مؤسساتهم الخاصّة.
كما أن المناطق الحضريّة الثرية بالممتلكات الثقافية وتلك التي يتوفّر فيها قطاع خلّاق وحيوي، هي أكثر جاذبية للمؤسسات. إن تطوير النموّ الاقتصادي الشامل والدائم بفضل التشغيل في المجالين الثقافي والإبداعي، هو حافز لبعث مواطن شغل لائقة. وفي بعض المدن، يرتكز الاقتصاد بشكل محسوس على جوانب من التراث غير المادي مثل الصناعة التقليدية، والموسيقى، والرقص، والفنون المرئيّة، والطبخ التقليدي والمسرح، وكلها غالبا ما تكون جزءا لا يتجزّأ من المناطق الحضريّة التاريخية.


© All Rights Reserves

مدينة للموسيقى

تُعتبرمادلين، وهي ثاني أهم مدن كولومبيا والتي تنتمي إلى شبكة اليونسكو للمدن الخلّاقة، مثالا  لِما يُمكن للموسيقى أن تبعثه من حيويّة في وسط حضري، بفضل أبعادها الثقافية والتربوية والتجديدية. وعلاوة عن مساهمتها في ترسيخ الثقافة المدنية والعدالة الاجتماعية والسِّلم، خاصّة لدى الشباب، تجلب هذه المدينة آلاف السيّاح وتُولّد مداخيل ومَواطِن شغل، بتنظيم فعاليات موسيقية متنوّعة وسوق للموسيقى مُثمرة جدّا.
إن التدخلات لصالح التنمية البشرية في مجالات مثل تلك المنصوص عليها في الهدف 3 من أهداف التنمية المستدامة والمتعلّق بجودة الصحة والرفاهية، أو في الهدف 4 الخاص بجودة التعليم، تكون أكثر جدوى عندما تأخذ بعين الاعتبار السياق الثقافي وخصوصيات المنطقة أو المجموعة. وتنص الغاية 4.7 من الهدف 4 بكل وضوح على دور الثقافة، حيث تدعو «التربية إلى تعزيز ثقافة السِّلم ونبذ العنف وإلى تقدير التنوّع الثقافي ومساهمة الثقافة في التنمية المستدامة».
إن التشجيع على احترام التنوّع الثقافي في إطار احترام حقوق الإنسان، من شأنه أن يُساعد على التفاهم الثقافي والسلم (الهدف 16: السلم، والعدالة والمؤسسات الناجعة)، وعلى التحسّب للنزاعات وعلى حماية حقوق المجموعات المُهمّشة. ولقد بيّنت أيضا بعض الأحداث الأخيرة مدى أهمّية حماية الثقافة والتنوّع الثقافي والتماسك الاجتماعي عند قيام نزاعات مُسلّحة.
كما أن الثقافة مرتبطة بكل وضوح بالعمل في مجال المناخ (الهدف 13) إذ ترتكز العديد من المهن والصناعات التقليدية على المعرفة المحلّية في مجال إدارة النظم البيئية واستخراج الموارد الطبيعية واستعمال المواد المحلية. وحيث أن هذه المهن لا تتطلّب عادة قدرا كبيرا من التكنولوجيا والطاقة والاستثمار، فإنها تُساعد على خلق وسائل دائمة للعيش وتساهم في الاقتصاد الأخضر.


© All Rights Reserved

نظم المعرفة

وتولّى مشروع المحافظة على التراث غير المادّي الذي أُنشئ في أوغندا تكوين حرفيين، أغلبهم من الشباب، في تقنية صناعة النسيج من لحاء الأشجار، وهي صناعة يرجع عهدها إلى آلاف السنين. وقد سنح هذا المشروع الاستغلال الدائم لشجرة الموتوبا المتواجدة بكثرة في المنطقة والتي أُهملت بسبب الحروب الأهلية الجهوية، كما ساعد على التقدم في تحقيق الأهداف البيئية وتوفير المداخيل، مع ضمان المحافظة على صناعة نسيج اللحاء الذي يُعتبر كنزا من كنوز التراث غير المادّي.
تُشكّل نظم المعرفة وطرق التعامل مع المحيط التي تتبعها الشعوب الأصلية والمحلية، مصدرا لأفكار جديدة لمواجهة التحديات البيئية بشكل أفضل، ولوقاية من تقلّص التنوّع البيئي، والحدّ من تدهور الأراضي، ومكافحة مخلّفات التغيّرات المناخية. فالثقافة، وخاصّة منها المعارف التقليدية، تُساهم أيضا في استعادة الحيوية وتُساعد الشعوب على الانتعاش بعد الكوارث الطبيعية (الغاية 13.1 من الهدف 13).
وإن تعدّدت الإشارات إلى الثقافة في جدول أعمال 2030، إلّا أنه لا يعترف بالقدر المناسب بأهمّية مساهمتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. فدور الثقافة وتأثيرها الحقيقي في التنمية الشاملة لا زالا بحاجة إلى الدراسة والتقييم والتفعيل بكل دقّة. وبالتوازي مع تحقيق هذه الأهداف، لا بدّ من بذل مجهودات إضافية لتكوين قاعدة تضبط عوامل واقعية ومنتظمة وقابلة للقياس، لتوضيح كل مساهمة من مساهمات الثقافة في تحقيق التنمية الدائمة.

يوتي هوسغرهار
يوتي هوسغرهار (الهند) هي مهندسة معمارية ومخطّطة مدن وخبيرة ثقافية، وهي مديرة قسم الابتكار في الحقل الثقافي باليونسكو، مكلّفة بالخصوص بإدماج الثقافة في تحقيق جدول أعمال 2030 للأمم المتحدة. وقبل التحاقها باليونسكو،  درّست بجامعة كولومبيا بنيويورك كما حصلتعلى كرسي اليونسكو في «معهد سريشتي» في بنغالور بالهند.