مقابلة

زينب البدوي: «هوّيتي المتعددة فرصة ثمينة»

cou_01_18_badawi_01.jpg

زينب البدوي في هاراري، عاصمة زيمبابوي، أثناء تصوير مسلسل "تاريخ أفريقيا" الذي بثّته قناة بي.بي.سي. سنة 2017. تظهر في الصورة مع النحّات آلن آدم الذي استُعملت أعماله في المسلسل لإبراز تقليد صناعة الحديد في أفريقيا في العصور القديمة
زينب البدوي صحافية بريطانية سودانية الأصل، ذاع صيتها لدى مشاهدي الشاشة الصغيرة. أخرجت مجموعة تاريخ أفريقيا العام الصادر عن منظمة اليونسكو في سلسلة تلفزيونية من تسعة أجزاء لصالح قناة بي. بي. سي. البريطانية، ممّا سمح لهذا الكنز المعرفي من الوصول إلى آلاف المشاهدين. و يعرض هذا العمل التلفزيوني الفريد من نوعه تاريخ القارة الأفريقية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصر الحديث، مستهدفا بشكل خاص جمهور الشباب والأفارقة. توضح زينب البدوي ظروف انتاج هذه السلسلة، كما تتناول مسألة انعدام المساواة بين الجنسين في وسائل الإعلام، والصعوبات التي تواجهها النساء اللاتي يتعاطين مهن الإعلام عند سَعيهن لتحقيق التوازن بين العمل والحياة العائلية.

أجرت المقابلة ياسمينا شوبوفا

بثت القناة التلفزيونية البريطانية العالمية الإخبارية بي. بي. سي. وارلد نيوز السلسلة الوثائقية التي قمت بإنجازها في تسعة أجزاء حول تاريخ أفريقيا، في يوليو و أغسطس 2017. من أين استلهمت هذه الفكرة؟

تاريخ أفريقيا طويل، وثري ومعقد، لكن تم تجاهله وإهماله، وغالبا ما يُقدّم بصفة مشوهة وجزئية. وهذا ما يزعجني دائما. لذلك، سعدت كثيرا لما اكتشفت، قبل عدة سنوات، تاريخ أفريقيا العام الذي أصدرته اليونسكو والذي يقصّ تاريخ أفريقيا منذ العهود الأولى إلى العصر الحديث، في الآلاف والآلاف من الصفحات قام بتحريرها أوّلا وبالأسَاس باحثون أفارقة. ولذلك الحين، لم  يسبق لي  أن سمعت عن هذا العمل الجبار إلّا القليل.
وقلت في نفسي: هذا التاريخ العام لأفريقيا يمثل سر اليونسكو الأكثر كتمانا! ومن ثمّ، انطلق المشروع.
أشتغل في وسائل الإعلام منذ أكثر من خمس وعشرين عاما، بعثت خلالها العديد من المشاريع، ويمكنني القول بصراحة وبكل صدق إن هذا المشروع هو إلى حد بعيد الأكثر إثارة، والأكثر أهمية وقيمة، مقارنة بكل المشاريع الأخرى.
إنه مشروع تراثي فريد من نوعه، لأنه لم يسبق في تاريخ البث التلفزيوني أن تم تناول تاريخ أفريقيا منذ العهود الأولى إلى العصر الحديث بصفة ممنهجة. لقد حاولت روايته ـ وآمل أنني نجحت في ذلك ـ بطريقة مقنعة، مستهدفة بشكل خاص الجمهور الأفريقي ولا سيما الشباب. رجائي أن تساعدهم مشاهدة هذه السلسلة على إدراك مدى روعة قارتهم، مهما كانت المنطقة التي ينتمون إليها.

كيف تنوين ترويج السلسلة لوضعها في متناول أكبر عدد ممكن من المشاهدين؟ هل هي متوفرة على شبكة الإنترنت؟

ما إن تمكنا من ترجمة مجمل الأجزاء إلى عدّة لغات، سوف نوفرها لجميع القنوات التلفزيونية المنتمية للقطاع العمومي في أفريقيا ودول الكاريبي وكذلك البرازيل. وهي عملية مكلّفة وتتطلّب وقتا طويلا. هذه السلسلة ليست متوفرة حاليا على شبكة الإنترنت، لكنها قد تكون في المستقبل. وسوف يتم عرضها مرة أخرى، في عام 2018، على قناة  بي. بي. سي. وارلد نيوز . كما نفكر في طرق أخرى لبثها.

تاريخ أفريقيا العام هو عمل أكاديمي. كيف تمكنت من تكييفه ليصبح في متناول الجمهور الواسع؟

أنا شخصية تلفزيونية. بحكم تجربتي الطويلة في عالم التلفزيون، حرصت على أن تستند هذه السلسلة علي معارف علمية متينة. ولكن من الضروري أيضا أن تكون جذّابة بصريا. هي ليست دروس تاريخ مصوّرة. كنت حريصة على جعل الشباب يرغبون في مشاهدتها. وفي اعتقادي، لا فائدة من اعداد برامج علمية إن لم يشاهدها أحد.
عملت كل جهدي حتى أجعلها ممتعة وسهلة الفهم وحيوية. على سبيل المثال، حين تطرقت لموضوع التجارة عبر الصحراء، ذهبت للبحث عن سوق للإبل، وامتطيت جملا، إلا أنني هويت على الأرض... نعم، لقد حصل ذلك وخجلت كثيرا لأن جدي كان تاجرا للإبل!
المهم في نظري هو أن تروي هذه السلسلة تاريخ الشعب الأفريقي في بعده الحيوي وليس من خلال ما خلفه التاريخ من ركام وعِظام.
وبطبيعة الحال، قمنا بعرض الآثار إن اعتبرنا ذلك مناسبا، لكن غايتنا الأولى هي رواية تاريخ الشعوب الأفريقية. وحيثما ذهبنا، بحثت عن آثار الأعلام المذكورة في تاريخ أفريقيا العام، لأجعل منها شخصيات في الشريط الوثائقي، ومن بينها أسهاما نجاشي أكسوم، أو الملك البربري جوبا الثاني الذي تزوج من ابنة مارك أنطونيو وكليوباترا، وكذلك السوداني بيي ملك الكوش الذي حكم مصر في القرن الثامن قبل الميلاد. تلك هي المنهجية التي اتبعتها: أن نستهل دائما السرد بقصة تتعلق بمسار الأشخاص.

ما هي مساهمة المجتمعات المحلية في هذا المشروع؟

إستَخدَمْتُ طواقم تصوير محلية في كل بلد. كان العمل شاقا للغاية ومُنهكا، لكن جميعهم كانوا ممنونين: لقد حضروا المقابلات، واكتشفوا المواقع وتعلموا الكثير عن بلدانهم. ولما انتهينا، قال لي البعض: «لم أكن أتصوّر وجود كل هذا في بلادي!».

ما هي الصعوبات الرئيسّية التي واجهتك أثناء التصوير؟

تمثّلت إحدى المشاكل في الحصول على المواد الأرشيفية من محطات التلفزيون الوطنية. كان الجميع على استعداد للتعاون، ولكن في نهاية المطاف، تجد نفسك فارغ اليدين! وتكمن المشكلة الأخرى في الحاجز اللغوي. أنا أعمل باللغة الإنجليزية، لكن معظم شعوب غرب أفريقيا يتكلمون الفرنسية. وفي شمال أفريقيا، يتحدّثون اللغة العربية بالأساس. ولحسن الحظ، فانني أتقن اللغة العربية أكثر من الفرنسية.
في الواقع، تمثلت المشكلة الرئيسية في قلة عدد النساء اللاتي يمكن أن أجري معهن مقابلات. الأغلبية الساحقة من الخبراء هم من الرجال. وحتى أراعي بعض التوازن بين الآراء، حاولت، حيثما أمكن، أن أسجل تصريحات للنساء.


خلال تصوير "تاريخ أفريقيا" في السودان

كيف تعتبرين موقع النساء في المشهد الإعلامي اليوم؟

لا بد من النظر إلى هذه المسألة من مختلف جوانبها: ظهور النساء على الشاشة في مثل الدور الذي أقوم به، إجراء مقابلات مع النساء الخبيرات وعدم الإكتفاء بالخبراء الرجال، وجود النساء في مواقع السلطة الحقيقية في المؤسسات الإعلامية بغض النظر عن ظهورهن على الشاشة، وطريقة تغطية قضايا الجنسين في وسائل الإعلام.
هناك تحسن ملحوظ من حيث تواجد النساء في وسائل الاعلام وظهُورهن على الشاشة. لكن الرجال لا زالوا يشغلون أغلب المواقع العليا.
في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة، تبقى نسبة النساء من بين الأساتذة الجامعيين ضئيلة، مقارنة بالرجال. وهذا يعني أن كلّما سعيت للحصول عن رأي خبير، فسوف تكون النتيجة في أغلب الأحيان من حظ الذكور.
وفي ما يتعلق بالنساء في مواقع السلطة، سواء في الدول الغربية أو الأفريقية أو الآسيوية، فإن الصورة ليست أفضل. ولا تزال المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى تحت سيطرة الرجال، بما في ذلك بي. بي. سي.، بالتأكيد، حيث تشغل النساء المستويات المتوسطة والدنيا في الإدارة، أما المستويات العليا، فيحتلّها الرجال.
وكثيرا ما يتم التطرق لقضايا الجنسين بطريقة سطحية، لا سيما في البلدان التي تكون فيها الأفكار المسبقة راسخة الجذور.

لقد أدرت النقاش في منتدى القيادة باليونسكو سنة 2011، وفي تلك المناسبة، قلت إن تعليم الفتيات هو «مسؤولية عائلية». كيف ذلك؟

نعم، هذا صحيح نسبيا. كنت أفكر في جدي الشيخ بابكر، الذي كان رائدا في تعليم الفتيات في السودان في مطلع القرن العشرين، عندما كانت البلاد تحت الاحتلال البريطاني. في ذلك الوقت، لم تكن المدارس مفتوحة للفتيات، ولكن جدي الأكبر أراد تغيير هذا الوضع، وبدأ ببناته. وعلى الرغم من اعتراض السلطات البريطانية والمجتمع السوداني، تمكّنَ من إنشاء مدرسة لأطفاله في منزله.
في الواقع، كان لديه العديد من الأطفال. وكان ذلك موضع ممازحة صلب عائلتنا: كنا نقول إنه من أقوى المؤيدين للنساء لحد أنه تزوج من أربع!
وحتى أتحدث بأكثر جدية، أقول إنه كان حقا صاحب رؤية . لقد سلك سلوكا يقتدى به عندما حرص على تعليم بناته اللواتي قمن في ما بعد بتأسيس مدارس أخرى. لقد كبرت بمعية عماتي الحاصلات على درجة الدكتوراه من الجامعات الغربية، وقد بلغن اليوم سن الثمانين. وفي الوقت الحالي، يدير عمي جامعة الأحفاد للبنات في الخرطوم، حيث يتم تعليم الفتيات من السودان ومناطق أخرى من أفريقيا والعالم العربي.
لذلك، أندهش لما أسمع من البعض أن الفتيات المسلمات لا يمكن لهن التمتع بالتعليم لأن ذلك يتعارض مع القيم الاسلامية!

يأخذ منك عملك كثيرا من الوقت. كيف توفقين بين العمل والحياة العائلية؟

يصعب على النساء الأمهات أن يحققن مسارا مهنيا. وبما أن النساء هن اللاتي يضعن الأطفال، لا مفرّ من بعض الانقطاعات عن العمل، مهما كانت طبيعة المهنة. لذلك، لا بد لكل منا أن تختار ما يناسبها. وإن وقع اللجوء إلى الانقطاع عن العمل لرعاية الأطفال خلال فترة طويلة ـ من أربع إلى عشر سنوات ـ فسوف يكون الثمن باهضا إذ يتسبب ذلك، في بعض الأحيان، في الإبتعاد عن مسار الأحداث، ويتطلب في ما بعد الانطلاق من الصفر مجددا، في الوقت الذي يكون فيه الآخرون قد تسلقوا السلم الوظيفي.

هل حصل أن واجهت مثل هذا الوضع؟

هناك احتمال. كنت محظوظة لأنني كنت أشتغل في الأستديو. وبالرغم من ذلك، انقطعت مرارا عن العمل لأنني أنجبت أربعة أطفال. إنه عدد كبير! ولو كنت دون أطفال، لكنت على الأرجح قد أضفت سنتين أو ثلاث سنوات إلى حياتي المهنية - من يدري!

تعتبرين أن لديك هوية متعددة. هل يمكنك توضيح ذلك؟

اليوم، كل الأوروبيين هم ثمرة الإختلاط. ولكن عندما تضاف سمة اللون، تكون الهوية المتعددة أكثر وضوحا. ولدت في السودان، وانتقلت إلى المملكة المتحدة في سن الثانية. في ذلك الوقت، كان عدد الوافدين من أفريقيا أو آسيا إلى أوروبا أقل بكثير. وقد ازداد عددهم الآن. وأعتقد أن ذلك لم يعد يشكل نفس الصعوبات التي عرفناها في السابق.
أنا أنتمي إلى عائلة مسلمة، بدون شك، لكن المسلمين هم جزء من المشهد الأوروبي. ولهذا السبب، لما نتحدث عن المسلمين في أوروبا، أخيّر مثلا أن نقول «البريطانيون المسلمون» بدلا من «المسلمين البريطانيين». يكفي أن نضع الإسم قبل الصفة، تماما كما يفعل الأمريكيون. قد يبدو الفرق طفيفا، ولكن في الواقع، يحمل دلالات كثيرة، بل هو تعبير عميق قد يؤدي إلى تغيير الذهنيات.
أعتقد أن هويتي المتعددة الأبعاد هي ميزة تسمح لي بالانتماء إلى ثقافتين في نفس الوقت، إحداهما أورُوبية والأخرى غير غربية. ولا أرى في ذلك أي صراع مضمر، بل لدي فقط شعور بأنني أحظى بأفضل ما في الثقافتين!

 

زينب البدوي
ولدت زينب البدوي في السودان وانتقلت إلى لندن في سن الثانية. وهي صحفية بارزة في المجال السمعي البصري، درست في جامعة أكسفورد وجامعة لندن التي منحتها عام 2011 شهادة دكتوراه فخرية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، اعتبارا لمساهمتها في مجال الصحافة الدولية.
تتمتع زينب البدوي بخبرة واسعة في التلفزيون والإذاعة، حيث قامت بتقديم العديد من البرامج. واشتهرت بشكل خاص ببرنامجها «هارد تولك» (حوار حاد) على قناة  بي. بي. سي.، وهو برنامج حواري مع أبرز الشخصيات العالمية. كما تقدم برنامج «غلوبل كواستشنس» (أسئلة شاملة)  وبرنامج «وارلد ديبايت» (حوارات عالمية) لصالح  بي. بي. سي. وارلد نيوز، يتم بثهما على قناتي بي. بي. سي. التلفزية والإذاعية.
وهي حاليا رئيسة الجمعية الملكية الأفريقية، وراعية لمؤسسة بي. بي. سي. ميديا أكشن، ونائبة رئيس جمعية المملكة المتحدة للأمم المتحدة، وعضوة في مجلس إدارة مؤسسة الاتحاد الأفريقي، كما تشارك في شبكة «غلوبل أجندة كاونسل» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي.
ومن خلال شركتها الخاصّة «كوش كومينيكايشن»،أنتجت زينب البدوي وقدمّت العديد من البرامج، ومن بينها السلسلة التلفزيونية عن تاريخ أفريقيا، بالاشتراك مع منظمة اليونسكو.