اليوم العالمي للشعر

poetryday_938x346_ar.jpg

©اليونسكو

رسالة المديرة العامة

نَظَم الشاعر لانغستون هيوز قصيدة عنوانها "الأحلام"، وقال فيها ما يلي:

تشبثوا بالأحلام

فما أشبه من يحيا بلا أحلام

بطائر مكسور الجناح

لا يقوى على الطيران

تشبثوا بالأحلام

فالعيش بلا أحلام

كالعيش في أرض جرداء

تكسوها ثلوج الشتاء

ويدعو الشاعر لانغستون هيوز في هذه الأبيات إلى التحليق في عالم الأحلام، وتبديد الهموم، والتمرد على الواقع والتحرر من قيوده. ولا ريب في كون الشعر خير وسيلة للتعبير عن هذه التطلعات، إذ يكشف الشعر عن مكنونات النفس وأسرارها ويطلق العنان للحرية على اختلاف أشكالها.

وتبيّن هذه القصيدة سحر البيان العجيب الذي يفتح آفاقاً لا حدود لها، ويُثري حياتنا، ويغيّر الواقع فيبديه لنا جميلاً، إذ يكسوه حلّة جديدة زاهية لم نرها من قبل.

والشعر ليس مجرّد تفنن في نظم القوافي وضبط الأوزان وانتقاء الكلمات والصور البلاغية، بل يملك الشعر قوة عجيبة تجعله عاملاً من عوامل الإبداع والتغيير.

وقد سخّر لانغستون هيوز فنّه، بصفته شاعراً وروائياً وكاتباً مسرحياً وعَلماً من أعلام "نهضة هارلم" في العشرينات، لمكافحة كل أشكال التمييز التي كان يعاني منها آنذاك الأمريكيون ذوو الأصول الأفريقية. فلا يمكن فصل شعره عن التزامه بالذود عن الحقوق المدنية، ويظل هذا الشعر مصدر إلهام لجميع المدافعين عن الحريات الأساسية في جميع أرجاء العالم أينما كانوا وحيثما حلوا.

والشعر أيضاً فن فريد يتيح لنا إدراك التنوع المدهش والبديع الذي تتسم به البشرية على الصعيدين اللغوي والثقافي. وهو صلة بين الفرد والعالم. وهو وسيلة لاكتشاف الاختلاف والإقبال على الحوار وتحقيق السلام. وهو شهادة بليغة على الطابع العالمي للوضع البشري لا تضاهيها في بلاغتها أية وسيلة أخرى من الوسائل العديدة المستخدمة لوصفه.

وتحتفل اليونسكو سنوياً، منذ عام 1999، باليوم العالمي للشعر في 21 آذار/مارس من كل عام. وتتيح هذه المناسبة الاحتفاء بثراء التراث العالمي الثقافي واللغوي؛ ولفت الأنظار إلى فنون شعرية تقليدية مهددة بالاندثار، شأنها في ذلك شأن العديد من اللغات الأقل استخداماً ولغات الأقليات. وسعياً إلى الإبقاء على هذه التقاليد، أدرجت اليونسكو العديد من الفنون الشعرية في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، ومنها مثلاً شعر "سا ترو" الغنائي الفيتنامي، وفن "العازي" في الإمارات العربية المتحدة، وأناشيد "باول" (Baul) في بنغلادش، واحتفال "جيليده" (Gèlèdé) الذي يندرج في عِداد أشكال التراث الشفوي لقبيلة "يوروبا ناغو" القاطنة في توغو وبنين ونيجيريا.

ولا يقتصر الشعر على الجانب الفني، فهو أيضاً وسيلة تربوية مستخدمة في التعليم النظامي وغير النظامي. وتساعد الفنون والأنشطة الثقافية، في هذا الصدد، مساعدة فعلية على التعلّم مدى الحياة. ولذلك تشجع اليونسكو وتدعم تعليم الفنون، إذ يعزز تعليمها التنمية الفكرية والوجدانية والنفسية، ويتيح بذلك إعداد أجيال أكثر نضوجاً ووعياً تستطيع تغيير أحوال العالم.

ويُعدّ اليوم العالمي للشعر، فضلاً عن ذلك، فرصة للإشادة بجميع العاملين على إحياء هذا الفن الرفيع، وفي مقدمتهم الشعراء بالتأكيد، ولا ننسى المترجمين والمحررين ومنظمي اللقاءات والمهرجانات الشعرية. وتشجع اليونسكو كافة الدول الأعضاء على دعم مساعي جميع أولئك الذين يعملون بلا كلل أو ملل لكي يواصل الشعر إثراء حياتنا.

ولما كان الشعر عملاً إبداعياً وتشاركياً، فإن اليونسكو تدعو الجميع، رجالاً ونساءً، في اليوم العالمي للشعر إلى الإبداع والابتكار والتشارك والتبادل والانفتاح على لغات أخرى وأساليب أخرى لوصف العالم، والابتهاج بكل ما هو فريد في تنوعنا، إذ يؤدي تعزيز الفن وتعزيز الثقافة في نهاية المطاف إلى تعزيز السلام.

 

السيدة أودري أزولاي، المديرة العامة لليونسكو
رسالة بمناسبة اليوم العالمي للشعر، 2018